حماة العهد
۱٤ سبتمبر ۲۰۲۰
الفردوس المفقود
۱۷ سبتمبر ۲۰۲۰

المحبة في فكر يوحنا

في إنجيله، أخبر يوحنا قرَّاءه عن "الكلمة"، يسوع المسيح، الذي كان عند الله في البدء والذي تجسَّد وسكن بيننا (يوحنا 1: 1، 14). والآن في رسالته الأولى، بالكاد يستطيع الرسول احتواء حماسه عندما كتب قائلًا: "اَلَّذِي كَانَ مِنَ الْبَدْءِ، الَّذِي سَمِعْنَاهُ، الَّذِي رَأَيْنَاهُ بِعُيُونِنَا، الَّذِي شَاهَدْنَاهُ، وَلَمَسَتْهُ أَيْدِينَا، مِنْ جِهَةِ كَلِمَةِ الْحَيَاةِ... الَّذِي رَأَيْنَاهُ وَسَمِعْنَاهُ نُخْبِرُكُمْ بِهِ" (1 يوحنا 1: 1، 3). بصفته الأقرب إلى يسوع خلال خدمته الأرضيَّة، فإن يوحنا ابن زبدي هو شاهد عيان مباشر ليسوع.

ومع ذلك، بينما كتب يوحنا الإنجيل على أنه تقديم ليسوع "المسيح ابن الله" (20: 31) إلى جمهور عام، كتب رسالته الأولى لأنه بعد انتشار الإنجيل، يبدو أن البعض قد حرَّف معنى كلماته وأزعج أعضاء الكنائس التي كتب لها يوحنا. قبل كتابة الرسالة الأولى ليوحنا مباشرةً، كان هؤلاء المُعلِّمين الكذبة قد خرجوا على ما يبدو من الكنيسة (1 يوحنا 2: 19)، تاركين وراءهم مؤمنين ظلوا في حاجة إلى توجيه وتشجيع الرسل. عندما نقرأ رسالة يوحنا الأولى في هذا الضوء، يمكننا أن نستنتج بشكلٍ معقول بعض التعاليم الخاطئة من التأكيدات الإيجابيَّة للرسول.

أولًا، يبدو أن المُعلِّمين الكذبة ادَّعوا أنه من الممكن أن تعيش الحياة المسيحيَّة في "حريَّة" أخلاقيَّة —أي في إثم وفجور— وأن "حريَّة" أسلوب الحياة هذا لا ينتقص من روحانيَّاتهم. قاوم يوحنا هذا الادَّعاء من خلال توضيح أن الله نور (1: 5)، لذلك يجب على أي شخص يدَّعي أن له شركة مع الله أن يعيش في النور (أي ينمي القداسة والطهارة في حياته) أيضًا (الآيات 6-7). إنه لمن المستحيل تمامًا لأي شخص أن يعلن الإيمان بالله ومع ذلك يعيش حياة الإثم والفجور.

ثانيًا، يبدو أيضًا أن المُعلِّمين الكذبة قد أنكروا خطيتهم. وبالمثل، يبدو أن المسيحيِّين اليوم يؤمنون أو يسلكون كما لو أنهم ليسوا بحاجة للاعتراف بخطاياهم بعد الآن، بما إنهم قد صاروا في علاقة شخصيَّة مع الله في المسيح. ومع ذلك، فإن هذا المفهوم غير كتابي تمامًا، لأن يوحنا قال بوضوح: "إِنْ قُلْنَا: إِنَّهُ لَيْسَ لَنَا خَطِيَّةٌ نُضِلُّ أَنْفُسَنَا وَلَيْسَ الْحَقُّ فِينَا" (الآية 8). بدلًا من ذلك، يجب أن نعترف بخطايانا حتى ننال التطهير والغفران من الله (الآية 9).

ثالثًا، يبدو أن المُعلِّمين الكذبة قد أنكروا حاجتهم إلى كفَّارة المسيح عن الخطيَّة. ونتج ذلك عن سوء فهمهم للنعمة باعتبارها رخصة للإثم والفجور ومن إنكارهم لخطيَّة الإنسان. قبل أن يشعر الناس بالحاجة إلى المُخلِّص، يجب أولًا أن يقتنعوا بخطيتهم وبحاجتهم إلى الغفران. بالنسبة لمثل هؤلاء الأشخاص، هناك أخبار سارة، لأنه كما كتب يوحنا: "يَسُوعُ الْمَسِيحُ الْبَارُّ. وَهُوَ كَفَّارَةٌ [أي ذبيحة كفاريَّة تحوِّل غضب الله بعيدًا] لِخَطَايَانَا" (2: 1-2).

علاوة على ذلك، أولئك الذين أدركوا حقًا خطيتهم وحاجتهم إلى مُخلِّص، لا يُقلِّلون من قيمة نعمة الله بالعيش في حياة الإثم والفجور. يشعر هؤلاء الأشخاص بامتنانٍ عميق لما فعله الله لهم في المسيح يسوع، ويعيشون حياتهم باتكال مُتَّضع على المسيح وفي خدمة أمينة للآخرين.

لذلك في النهاية صرَّح يوحنا بشكلٍ قاطع أن مسيحيَّة الشخص ليست مجرد مسألة اعتراف بالإيمان، ولكنها تظهر في ما يعمله هذا الشخص بالفعل: هل تعيش حياة الإثم والفجور؟ أم أنك تطيع كلمة الله (2: 5) وتحب أخيك (المؤمن، الآية 10)؟ باختصارٍ: "مَنْ قَالَ: إِنَّهُ ثَابِتٌ فِيهِ يَنْبَغِي أَنَّهُ كَمَا سَلَكَ ذَاكَ هكَذَا يَسْلُكُ هُوَ أَيْضًا" (الآية 6). هذا الأمر واقعي للغاية وعملي بشكل شديد. إنه يكشف عن الموافقة الفكريَّة للمسيحيَّة دون الطاعة المسيحيَّة المخلصة باعتبارها تمثيليَّة جوفاء، ويتحدَّى كل منَّا أن نرتقي إلى أبعد من مجرد حضور الكنيسة ودراسة الكتاب المقدس، إلى المُشاركة الفعَّالة في مقاصد المسيح في عالمنا.

من أقوى الإسهامات التي قدَّمها يوحنا في جميع كتاباته، بما في ذلك رسالته الأولى، تركيزه على الحرب الروحيَّة والصراع العالمي الذي نشارك فيه جميعًا، سواء أدركنا ذلك أم لا. أكَّد يوحنا على البعد الرأسي المهم للغاية، وذلك ضد الادِّعاء بأننا نعيش حياتنا فقط على المستوى البشري الأفقي. فالعالم تحت سيطرة إبليس —"رَئِيسُ هذَا الْعَالَمِ" (يوحنا 12: 31؛ 14: 30؛ 16: 11). يمتلئ المُعلِّمون الكذبة بروح ضد المسيح، وهذا واضح في إنكارهم لحقيقة أن يسوع هو المسيَّا (1 يوحنا 2: 18، 22؛ 4: 2-3). لذلك حثَّ يوحنا المؤمنين قائلًا: "امْتَحِنُوا الأَرْوَاحَ: هَلْ هِيَ مِنَ اللهِ؟" (4: 1). جاء المسيح لكي ينقض أعمال إبليس (3: 8)، والغلبة التي تغلب العالم هي إيماننا (5: 4).

في هذا الصراع العالمي، لا يمكن لأحد أن يظل محايدًا. هل تبت عن خطاياك وآمنت بالمسيح؟ إذا كان الأمر كذلك، فقد وُلدت من جديد روحيًّا "مَوْلُودٌ مِنَ اللهِ" (2: 29؛ 3: 9؛ انظر أيضًا يوحنا 1: 12-13؛ 3: 3، 5)، ويدعوك يوحنا لتعيش كما عاش يسوع —أي تمتنع عن الخطيَّة وتحب الآخرين. إذا لم تسلك كذلك، فأنت لا تزال في خطاياك، وأنت من "أَوْلاَد إِبْلِيس" لأنك تحت سيادته ومنغمس في خطيتك (3: 8، 10).

مُردِّدًا صدى ما أكَّده يوحنا في إنجيله، امتدح يوحنا فضيلة المحبة باعتبارها الأسمى في الحياة المسيحيَّة. هذا لأن الله نفسه محبة (4: 16)، ولأن الله في محبته أرسل ابنه كذبيحة تكفير عن الخطايا (الآية 10؛ انظر يوحنا 3: 16). عندما قدَّم يسوع حياته من أجل الآخرين، لم يكتفِ بالكفَّارة عن الخطيَّة فحسب، بل أظهر لنا أيضًا كيف نحب الآخرين (1 يوحنا 3: 16). لذلك، يجب على أولئك الذين يسلكون كما سلك يسوع أن يعيشوا حياة تسمو بتميُّز المحبة فيها.

هل سيقول من يعرفك، وخاصة من يعرفك جيدًا، أنك رجل أو امرأة تحب الآخرين؟ أم أنهم سيقولون إن فهمك للعقيدة لا تشوبه شائبة، لكنك غالبًا ما تبدو قاسٍ وبارد في أفعالك تجاه الآخرين؟ إن كان هذا الأخير، اطلب من الله أن يساعدك على نمو المحبة الحقيقيَّة الصادقة التي تنبع من إدراك أنك أنت شخص محبوب من الله، وشخص مات المسيح من أجله، ومن أجل الآخرين أيضًا.

بالنسبة ليوحنا، يمكن وصف التزام المسيحيِّين أساسًا بأنه مزدوج: يجب أن يؤمنوا بيسوع المسيح، ابن الله، ويجب أن يحبوا الآخرين، وخاصة المؤمنين الآخرين (3: 23).

كان الغرض الرئيسي من رسالة يوحنا الثانية هو إرشاد المؤمنين إلى عدم ضيافة أو دعم المُعلِّمين الكذبة المتجوِّلين (2 يوحنا 1: 9-11). بصفتهم مَن "عَرَفُوا الْحَقَّ" (الآية 1)، يجب عليهم حمايته بشكل فعَّال ضد أولئك الذين يسيئون تمثيله، وأن يحرصوا على عدم تعضيد نشر عقيدة مُهرطقة عن غير قصد. هذا يعني أننا كمؤمنين يجب أن نتعلَّم العقيدة المسيحيَّة، ويجب أن نعرف الحق بشكلٍ كافٍ حتى نتمكَّن من تمييز أي انحراف عنه.

تعتبر لغة يوحنا في الآية 9 مفيدة بشكل خاص في هذا الصدد، حيث يتحدَّث عن شخص "تَعَدَّى"، "وَلَمْ يَثْبُتْ فِي تَعْلِيمِ الْمَسِيحِ". يمكنك أن تُطلق على هؤلاء الناس "تقدميِّين" أو "ليبراليِّين"، إذ يشعرون بالحريَّة لتجاوز التعاليم الكتابيَّة والانتقال إلى عقائد جديدة ومُبتكرة لا يدعمها الكتاب المُقدَّس. وكما يصر يوحنا عن حق، فإن جوهر هذا الافتقار إلى التعليم القويم عادةً يكمن في وجهة نظر قاصرة عن المسيح. وبالمثل، غالبًا ما ينكر ليبراليُّو الأمس أو اليوم ألوهيَّة المسيح و/أو بشريَّته، أو حقيقة قيامته. إن لم تكن متأكِّدًا من المعتقدات الإيمانيَّة لأي شخص، فاسأله: بماذا تؤمن عن يسوع المسيح؟ أيضًا، توافقًا مع هدف يوحنا لكتابة رسالته الثانية، ادعم فقط الأفراد، والهيئات، والأهداف التي تعلن الإنجيل الكتابي الحقيقي للخلاص، والذي لا يوجد سوى في الرب يسوع المسيح.

تتعلَّق رسالة يوحنا الثالثة، المشابهة لرسالته الثانية، بضيافة المُعلِّمين المتجوِّلين (3 يوحنا 1: 7-8). بالإضافة إلى ذلك، وبَّخ يوحنا بشدةٍ فردًا بعينه وهو دِيُوتْرِيفِس "الَّذِي يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ الأَوَّلَ بَيْنَهُمْ ­ لاَ يَقْبَلُنَا" (الآية 9). هذا يحذِّرنا من النزعات الديكتاتوريَّة بين قادة الكنيسة الذين "يسودون" على من هم تحت سلطتهم (1 بطرس 5: 3)، إذ يفتقرون إلى روح الاتضاع اللائق.

وبناءً على الأساس الراسخ لإنجيل يوحنا، فإن رسائله الثلاث تشهد بذلك على حقيقة أن الحق دائمًا ما يكون محل نزاع ويظل في حاجة دائمة للدفاع عنه من قبل أولئك الذين يتمسَّكون بتعاليم الرسل. أتمنى أن نعيش أنا وأنت حياة المحبة، وننهض بشجاعة للدفاع عن الحق الموجود في رسالة الإنجيل في عالمنا المليء بالأوثان، كما في أيام يوحنا (1 يوحنا 5: 21).

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

أندرياس كوستنبرجر
أندرياس كوستنبرجر
الدكتور أندرياس كوستنبرجر هو أستاذ وباحث في العهد الجديد واللاهوت الكتابي بكليَّة اللاهوت المعمدانيَّة الجنوبيَّة الشرقيَّة في مدينة ويك فورست، بولاية نورث كارولاينا. وقد ألَّف العديد من الكتب، بما في ذلك "يسوع بحسب الأناجيل" (The Jesus of the Gospels) و"دليل إرشادي للرسالة إلى العبرانيين حتى سفر الرؤيا" (Handbook on Hebrews through Revelation).