حياة بلا خطية
۱۱ سبتمبر ۲۰۲۰
المحبة في فكر يوحنا
۱٤ سبتمبر ۲۰۲۰

حماة العهد

لا أتذكَّر الكلمات بدقة، لكنها كانت من قبيل: "كان إنسانًا عظيمًا يتَّسم بالمفارقة". كانت هذه العبارة الافتتاحية بقلم وليم مانشستر (William Manchester) في كتابته لسيرة القائد العسكري دوجلاس ماكآرثر (Douglas MacArthur) الكلاسيكيَّة. في هذا العمل، يظهر ماكآرثر كرجلٍ مُتعدِّد الأوجه لا يمكن وصف معدنه بسمة واحدة. ينطبق الأمر ذاته على أنبياء العهد القديم، إذ كانوا أشخاصًا لهم مسؤوليَّات وسلوكيَّات مُتعدِّدة الأوجه والأبعاد. فيما يلي بعض الأدوار التي قام بها هؤلاء الأنبياء: أولًا، كان أنبياء إسرائيل وكلاء الإعلان. فهم لم يقولوا: "في رأيي". بل كانوا يبدأون كلامهم ونبواتهم بعبارة "هكذا يقول الرب". على الرغم من النظرة العامة إلى أنبياء العهد القديم باعتبارهم وكلاء الإعلان بأنهم رجال النبوَّة، أي التنبُّؤ بما هو آتٍ، لكن في الواقع انطوى جُل نشاطهم على التصريحات. أي أنهم كانوا يعلنون كلمة الله في زمنهم لأجيالهم.

تمثَّل البُعد الثاني لدور أنبياء العهد القديم في كونهم مُصلحين. لا بد أن نُفرِّق هنا بين عمل الإصلاح والعمل الثوري. إذ لم تكن رغبة أنبياء العهد القديم في اجتثاث النظام الطقسي للأمة أو تخريبه أو حتى التقليل منه. بل دعوا الشعب إلى العودة إلى الإيمان القويم لا أن يهجروا تاريخهم. لقد دعوا إلى العودة إلى شروط العهود الأولى التي أقامها الله معهم، بأن يطيعوا الناموس الذي أعلنه الله من خلال موسى، بل الأهم، بأن يمارسوا العبادة الحقيقيَّة التي تختلف عن جميع أشكال الوثنيَّة والرياء. كما قاوموا بجرأة وشجاعة التعنُّت بالتقاليد الشكليَّة، والمظاهر الخارجيَّة، والتعسُّف الطقسي. لكنهم في انتقادهم لم ينكروا أو يرفضوا المراسيم الرسميَّة، أو الخارجيَّة، أو الطقسيَّة. لأن كل من التعنُّت والتعسُّف ارتبطا بتلك المفاهيم التي فضحت رياء العبادة اليهوديَّة أثناء عصر الأنبياء. إذ شوهَّت أنماط العبادة الزائفة هذه المراسيم الرسميَّة، والخارجيَّة، والطقسيَّة.

ثالثًا، حمل النبي دور حامي العهد. إذ كان هناك نتائج ناموسيَّة فيما يتعلَّق بالعلاقة بين الله وشعبه. تمثَّلت بنية هذه العلاقة في العهد، إذ تضمَّنت جميع العهود شروطًا وعقوبات. كان هناك عقوبة على العصيان، وكذلك مجازاة على الطاعة. وحينما انتهكت إسرائيل شروط عهدها، أرسل الله مُدَّعيه الوكلاء ليُقيموا دعوى ضدهم، ولإعلان خصومته مع الشعب. نقرأ هذا في إعلان هوشع النبي حين دعا شعب إسرائيل إلى الاجتماع الرسمي ليقول لهم إن للرب خصومة مع شعبه. إذ دفع إعلان مثل هذه الخصومة وإجرائها، بحكم الناموس، الأنبياء إلى التحدُّث لا ككهنة مدافعين عن الشعب، بل مُدَّعين بالإنابة عن الله ينطقون بدينونة الله وغضبه عليهم.

رابعًا، تمثَّل دور النبي في إسرائيل، فرديًّا وجماعيًّا، أن يكون ضميرًا للأمة بشكل ملموس. إذ قد بُنيت إسرائيل على نظام حكم ديني إلهي. لم يكن هناك فصل مُتشدِّد بين رجال الدين ورجال الدولة. فعندما كان يزيغ رجال الدولة والشعب عن البناء الأخلاقي للأمة، كان النبي هو من ينخس ضمائر الشعب والملوك. وتعود بعض أسباب الحياة المحفوفة بالمخاطر التي كان يعيشها الأنبياء إلى دعوتهم للتكلُّم بشجاعةٍ وبجرأة إلى حُكَّام الأمَّة، الذين منهم لم يقبلوا تدخُّلاتهم. إذ ندر مَن هم على شاكلة داود الذي أنصت إلى كلام ناثان النبي، واستجاب بتوبةٍ حقيقيَّة (2 صموئيل 12: 1-15). عادةً ما سلك معظم الملوك طريق أَخْآبُ طالبين إزهاق روح ذاك النبي الذي تجرَّأ ودعاهم إلى التوبة (1 ملوك 19: 1-3). أمَّا في ثقافتنا، التي تنطوي على ما يُعرف بالفصل بين الكنيسة والدولة، لا ينوط بالكنيسة أي دور أو مسؤوليَّة لحُكم الأمَّة. لكن من مسؤوليَّة الكنيسة أن تكون ضمير هذه الأمَّة، وأن تدعو الدولة إلى التوبة حين تتشيطن وتخفق في خدمة مقاصد البر.

أخيرًا، عُرف عن الأنبياء أنهم قُساةُ الشخصيَّة. أقيمت بالفعل مدارس لامتهان النبوَّة، يتخرَّج منها أنبياء يعملون بتجارتهم هذه لكسب رزقهم. بحسب التقليد، هؤلاء هم مَن صاروا الأنبياء الكذبة في إسرائيل. بينما كان الأنبياء الحقيقيُّون هم عادةً من تقابلوا مع الله بمفردهم في البريَّة، وتلقوا دعوة إلهيَّة لمقاومة الجموع والأنبياء الكذبة. لقد شعر إرميا، على سبيل المثال، بالخزي والكرب دائمًا لتفوُّق الأنبياء الكذبة عددًا الذين اتحدوا في معاداتهم للحق الذي أعلن عنه بجرأةٍ وشجاعة. ومثله إيليا الذي ظنَّ إنه الوحيد الذي لم يركع للبعل. لكن الله وبَّخه وعرَّفه بأنه حفظ لنفسه سبعة آلاف نفسٍ لم تركع للبعل. توضِّح هذه الحوادث اعتياد أنبياء العهد القديم على الدعوة، مرة بعد أخرى، للوقوف بمفردهم أمام أمة علمانيَّة وثقافة فاجرة. فلم يرتدوا عن حق الله، مما كلَّفهم في حالات كثيرة حياتهم. فعلى مناكب أنبياء العهد القديم، أسَّست كنيسة العهد الجديد وكلاء الإعلان —وهم الرسل بحسب لغة العهد الجديد. وهكذا فإن أساس كنيسة المسيح هو أساس الأنبياء والرسل.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

أر. سي. سبرول
أر. سي. سبرول
الدكتور أر. سي. سبرول هو مؤسِّس هيئة خدمات ليجونير، وكان أحد رعاة كنيسة القديس أندرو (St. Andrews Chapel) في مدينة سانفورد بولاية فلوريدا، كما كان أول رئيس لكليَّة الكتاب المقدَّس للإصلاح (Reformation Bible College). وهو ألَّف أكثر من مائة كتاب، بما في ذلك بما في ذلك "كلُّنا لاهوتيُّون" (Everyone’s A Theologian).