طوبى للجياع والعطاش إلى البر
۳ يونيو ۲۰۲۱
فقط افعل شيئًا
۸ يونيو ۲۰۲۱

معموديَّة الأطفال

باعتباري قسيس مشيخي، كثيرًا ما أُسأل عن سبب إيماني بمعموديَّة الأطفال. إن الكم الضخم من الأسئلة التي تأتيني يخبرني بتفشِّي سوء فهم كبير حول هذه العقيدة. يعود جزء من سبب سوء الفهم هذا إلى إخفاق كثيرين من أعضاء الكنائس التي تُمارس معموديَّة الأطفال في إبداء توضيحًا كتابيًّا دامغًا على سبب إيمانهم بها. ربما يعود ذلك إلى أن تلك الكنائس لا تُعِدُّ أعضاءها كما يجب للقيام بذلك، أو ربما لأن المعموديَّة ليست عقيدة مُحدَّدة بوضوح لدى مَن يُؤيِّدون معموديَّة الأطفال بالدقَّة عينها كما الحال بالنسبة لكثيرين آخرين. على سبيل المثال، يُميِّز إخوتنا وأخواتنا المعمدانيُّون أنفسهم عن معظم الطوائف المسيحيَّة الأخرى بمفهومهم الخاص عن المعموديَّة، مما يعني أن العضو العادي في كنيستهم غالبًا ما يتلقَّى تعليمًا شاملًا عن هذه العقيدة أكثر ممَّا يتلقَّى عضو كنيستنا.

ويتمثَّل جزء آخر من سبب سوء الفهم حيال معموديَّة الطفال في أن الناس أساؤوا فهم لاهوت العهد الذي تستند إليه معموديَّة الأطفال. مؤخَّرًا، كنت قد درَّست فصلًا في إحدى كليَّات اللاهوت عن المعموديَّة، وطلبت من تلاميذي قراءة مقالًا كتبه أحد الأخوة المعمدانيِّين عن سبب إيمانه بأن معموديَّة الأطفال غير كتابيَّة. وأكثر ما فاجأني في مقال أخي تمثَّل في كثرة سوء فهمه للاهوت العهد وتطبيقاته على المعموديَّة. وقبل أن نمضي قُدمًا سويًّا في هذه العقيدة، يتحتَّم علينا تصويب هذه الأنماط من سوء الفهم بأكبر قدر ممكن من الوضوح والنعمة. وبهذا الروح سأكمل بقيَّة هذا المقال.

عقب الإقرار بهذا، يتمثَّل أول أمر أود أن أقوله في أن مفهوم معموديَّة الأطفال يتضمَّن فعليًّا كل شيء تقريبًا يُطبِّقه مفهوم معموديَّة المؤمنين حيال مَن ينالون المعموديَّة. فنحن نؤكِّد من كل القلب بأن المعموديَّة تُمارس بشكلٍ صحيح للبالغين (مَن لم يسبق لهم نوال المعموديَّة قبلًا) بعد اعترافهم بالإيمان بالمسيح. وعليه يكون مصطلح معموديَّة الأطفال تسمية غير دقيقة. فنحن لا نُعَمِّد الأطفال فحسب؛ نحن نُعَمِّد كل من المؤمنين المعترفين بإيمانهم وكذلك أطفالهم الصغار، ومن هذا المنطلق، نحن نتبنَّى عقيدتي معموديَّة المؤمنين ومعموديَّة الأطفال. لكن ما يفرِّق إخوتنا وأخواتنا المُؤيِّدين لعقيدة معموديَّة المؤمنين عنَّا هي كلمة فحسب. فمن يُؤيِّدون عقيدة معموديَّة المؤمنين يُعمِّدون المؤمنين المعترفين بإيمانهم فحسب، في حين نحن نُعَمِّد المؤمنين المعترفين بإيمانهم وكذلك أطفالهم الصغار.

أذكر هذا لأشير إلى أن الأمر يتطلَّب أكثر من مُجرَّد التنويه بأمثلة عن مؤمنين مُعترفين بإيمانهم تعمَّدوا في العهد الجديد للبرهان على مفهوم معموديَّة المؤمنين. فمَن يُؤيِّدون معموديَّة الأطفال يُقرُّون بمعموديَّة المؤمنين المعترفين بإيمانهم أيضًا. لذا على إخوتنا وأخواتنا مُؤيِّدي عقيدة معموديَّة المؤمنين فحسب إثبات أن الكتاب المُقدَّس يُعلِّم بأن المؤمنين المعترفين بإيمانهم، وليس سواهم، هم مَن ينبغي تعميدهم.

أمَّا الأمر الثاني الذي أود قوله هو أن تكوين 17 ينص صراحةً على أن الله أمر بتطبيق العلامة الخارجيَّة لعهده (الختان) على كل رضيع ذكر في اليوم الثامن من مولده. واستنادًا إلى هذه الحقيقة، لا نحتاج سوى إلى توضيح أن العهد الإبراهيمي هو في جوهره مساويًا للعهد الجديد عينه، وأن لاهوت الختان يعكس لاهوت المعموديَّة من أجل إثبات قبول أبناء المؤمنين علامة العهد في ظل العهد الجديد كما كانوا بكل بوضوح تحت العهد الإبراهيمي.

تشير رومية 2: 28-29، و4: 11، جنبًا إلى جنبٍ مع تثنية 30: 6 وإرميا 9: 25-26 (من بين نصوص أخرى) إلى أن الختان لم يقصد به الله مُطلقًا أن يكون علامة على هُويَّة عرقيَّة بل قصد به أن يكون علامة خارجيَّة ترمز إلى حقيقة روحيَّة داخليَّة (ختان القلب). فالختان يشير إلى ما حدث في الماضي بالفعل في الداخل –كما في حالة إبراهيم الذي آمن ثم اختتن– أو إلى ما كان مُتوِّقعًا أن يحدث في المستقبل–كما في حالة غالبيَّة اليهود الذي اختتنوا في اليوم الثامن لميلادهم ومن ثمَّ كان من المُتوقَّع منهم أن يسيروا على خُطى إيمان إبراهيم عند بلوغهم (رومية 4: 12). كما أن كولوسي 2: 11-12 تُظهر بوضوح الارتباط اللاهوتي بين الختان والمعموديَّة بتطبيق كل من الختان الروحي (ختان القلب) والمعموديَّة الروحيَّة (معموديَّة الروح القدس) على المؤمن. فإذا كان الختان الداخلي والمعموديَّة الداخليَّة مرتبطين، فمن المُؤكَّد أن علامتهما الخارجيَّة –أي ختان الجسد والمعموديَّة بالماء–كذلك أيضًا.

علاوةً على ذلك، تُعلِّمنا غلاطية 3: 16 ورومية 4: 11-12 أن العهد الإبراهيمي هو في الأساس عينه العهد الجديد. تنص غلاطية 3: 16 على أن المسيح هو نسل إبراهيم، ممَّا يعني أن أولئك الذين "في المسيح" هم وحدهم أبناء إبراهيم –سواء في العهد القديم أو العهد الجديد (انظر غلاطية 3: 7، 14، 29). كما تؤكِّد رومية 4: 11-12 هذا بالقول إن إبراهيم هو أب كل أممي في الغرلة (غير مُختتن) يؤمن كما أنه أب كل يهودي مُختتن يسلك "فِي خُطُوَاتِ إِيمَانِ أَبِينَا إِبْرَاهِيمَ الَّذِي كَانَ وَهُوَ فِي الْغُرْلَةِ". هذا الإيمان كما يُخبرنا يوحنا 8: 56 إيمان يرى المسيح. وهو إيمان ينظر إلى السماء وإلى الحقائق الروحيَّة والبركات وليس إلى أرض الميعاد والحقائق والبركات الوقتيَّة (عبرانيين 11: 10، 16).

وبالتالي، لم يكن العهد الإبراهيمي عهدًا ماديًّا أو وقتيًّا أُقيمَ مع أبناء إبراهيم بالجسد. بل كان عهدًا روحيًّا أُقيمَ مع النسل الروحي لإبراهيم. لقد كان عهدًا في جوهره مساويًا للعهد الجديد. فالمسيح –نسل إبراهيم– يضمن أن هذا هو الحال. علاوةً على ذلك، لم يكن الختان علامة على هُويَّة عرقيَّة، بل علامة دعت أبناء إبراهيم بالجسد ليصيروا أبناءه الروحيِّين باتباعه في الإيمان عينه الذي تحلَّى به.

بالنظر إلى هذه الحقائق، ليس مُفاجئًا أن العهد الجديد يتحدَّث عن معموديَّات "أهل البيت". تشير استمراريَّة الارتباط بين العهدين –وبين علامتي العهدين– إلى أن هذا عينه ما نتوقَّعه وننتظره. فمنذ تكوين 17 وكان شعب الله يُمارس الختان على "أهل البيت"، مُطبِّقين العلامة الخارجيَّة لعهد الله الداخلي على المؤمنين البالغين (ممَّن لم يسبق لهم نوالها) وعلى أبنائهم الصغار. في الواقع، نتوقَّع العثور على أي ذكر في العهد الجديد إن كان من المُفترض، بعد آلاف السنين من ضم الأطفال إلى جماعة العهد نائلين علامة العهد، أن تكون الأمور مختلفة جذريًّا في حقبة العهد الجديد. فهل علينا الإيمان حقًا بأن الأطفال الآن قد قُطعوا من جماعة العهد وأن العهد القديم، لهذا السبب، أعظم وأكثر شمولًا من العهد الجديد؟ ما هو أساس هذا؟ إنه يتعارض مع مبدأ الامتداد والتوسُّع الذي نراه ساريًا في كل مكان آخر حينما ننتقل من العهد القديم إلى العهد الجديد. إن عقيدة معموديَّة الأطفال ليست مُتسقة فقط مع الاستمراريَّة التي نراها بين العهدين وبين علامتي العهدين، لكنَّها أيضًا مُتسقة مع مبدأ الامتداد والتوسُّع لأنها تُطبِّق علامة العهد على كل من الرجال والنساء وعلى أبنائهم الذكور والإناث.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

جاي ريتشارد
جاي ريتشارد
الدكتور جاي ريتشارد هو المدير التنفيذي لكلية اللاهوت المُصلَحة في مدينة أتلانتا وأستاذ مساعد لعلم اللاهوت النظامي بها. وهو مؤلف كتب "ما هو الإيمان؟" (What Is Faith?) و"سمو الله في لاهوت صموئيل روثرفورد" (The Supremacy of God in the Theology of Samuel Rutherford).