خارج السيطرة وتحت السيطرة
۲ يونيو ۲۰۲۱
معموديَّة الأطفال
۳ يونيو ۲۰۲۱

طوبى للجياع والعطاش إلى البر

تصف التطويبات الأربعة الأولى احتياجات التلميذ. "طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ" هي الأخيرة في سلسلة التطويبات (متى 5: 3-6). قال المسيح أولًا: "طُوبَى لِلْمَسَاكِينِ بِالرُّوحِ، لأَنَّ لَهُمْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَات" (آية 3). أن تكون مسكينًا بالروح هو أن تدرك الحاجة الروحيَّة للإنسان واعتماده على الله (مزمور 34: 6؛ صفنيا 3: 12).

هذه التطويبة تقود إلى التطويبة الثانية. يَحزن المَسَاكِين بالروح على فقرهم الروحي (متى 5: 4). فهم يحزنون على خطيَّتهم أولًا، ثم يحزنون على كل خطيَّة. هذا الحزن مُبارك، لأن الله سيُعزِّي أولئك الذين يحزنون على الخطيَّة. يقول المزمور 119: 136، "جَدَاوِلُ مِيَاهٍ جَرَتْ مِنْ عَيْنَيَّ، لأَنَّهُمْ لَمْ يَحْفَظُوا شَرِيعَتَكَ". يعقوب أيضا يدعو للحزن. "نَقُّوا أَيْدِيَكُمْ أَيُّهَا الْخُطَاةُ... نُوحُوا وَابْكُوا" (يعقوب 4: 8–9).

أما التطويبة الثانية فتقود إلى الثالثة: أولئك الذين يدركون فقرهم الروحي ويحزنون عليه يكونون ودعاء. أن تكون وديعًا هو نقيض الكبرياء والغيرة والطموح الأناني (2 كورنثوس 10: 1؛ يعقوب 3: 13–14؛ 1 بطرس 3: 15–16). الوداعة تتناقض مع مركزيَّة الذات الناشئة عن الأنانيَّة. لأن الودعاء يدركون فقرهم الروحي ويحزنون عليه، فهم يرفضون تعظيم أنفسهم.

"طُوبَى لِلْجِيَاعِ وَالْعِطَاشِ إِلَى الْبِرِّ" هي التطويبة المركزيَّة (متى 5: 6). إذا أدرك التلاميذ خطاياهم وضعفهم، فسيطلبون أيضًا من الله أن يُسدِّد حاجتهم إلى البر.

"الجوع والعطش" هو استعارة لا يتردَّد صداها اليوم كما كان الحال في أيام المسيح، عندما كان الطعام والماء شحيحًا وكان الناس غالبًا يعانون من الجوع والعطش. في ثقافتنا، يوجد الطعام والماء بوفرةٍ، لذلك لا ندرك الحاجة المُلحَّة التي قصدها يسوع. يعمل الجياع والعطشى باجتهاد والحاح للحصول على الطعام. إذن، فإن الجوع والعطش إلى البر يعني أنه يجب علينا أن نلتمس البر بشكلٍ عاجل.

البر له معانٍ عديدة في الكتاب المُقدَّس. شدَّد بولس على البر القضائي الذي نناله من خلال عمل المسيح الكفَّاري. هذا موجود بالتأكيد في إنجيل متى. فقد أطلق على يسوع "فِدْيَةً عَنْ كَثِيرِينَ" (20: 28) ووصف الكفَّارة نفسها (27: 38-46). لكن في متى 5، وصف يسوع في المقام الأول البر الشخصي للتلاميذ، الذين ابتعدوا عن القتل والغضب والزنا. فهم يعطون لمَن يظلهم ويحبُّون أعدائهم (الآيات 22–48). يسعى التلاميذ العطشى أيضًا إلى الرحمة والنقاوة وصنع السلام في التطويبات القليلة التالية (الآيات 7–9).

إن كلمات الجوع والعطش معروفة جيِّدًا في الكتاب المُقدَّس. يقول الله: "أَيُّهَا الْعِطَاشُ جَمِيعًا هَلُمُّوا إِلَى الْمِيَاهِ، وَالَّذِي لَيْسَ لَهُ فِضَّةٌ تَعَالَوْا اشْتَرُوا وَكُلُوا! ... لْتَتَلَذَّذْ بِالدَّسَمِ أَنْفُسُكُمْ" (إشعياء 55: 1-2). قدَّم المسيح عرضًا قائلًا: "مَنْ يُقْبِلْ إِلَيَّ فَلاَ يَجُوعُ، وَمَنْ يُؤْمِنْ بِي فَلاَ يَعْطَشُ أَبَدًا" (يوحنا 6: 35).

الجوع إلى البر هو الاشتياق إلى مُلك الله في حياتنا (متى 6: 33). هو العطش إلى كلمة الله وإلى شركة المؤمنين الأتقياء. في الكتاب المُقدَّس، هناك عدَّة جوانب للبر. أولًا، هناك البر الشخصي الذي أكَّدناه للتو. يقودنا هذا الجوع إلى اقتلاع خطايانا بقوَّة الروح القدس لنصبح أكثر شبهًا بيسوع. هذا هو التقديس.

لكن بما أن سعينا إلى البر دائمًا ما يكون قاصرًا، فإننا نفكِّر بعد ذلك في بر المسيح، الذي يمنحه لنا عندما نؤمن به. هذا هو التبرير. يمنح التبرير البراءة القضائيَّة، لذلك يمكن للمؤمنين أن يقفوا أمام الله القاضي في اليوم الأخير. يمحو التبرير كل خطيَّة وكل ذنب مهما كان مستوى تقديسنا.

ثالثًا، يتوق التلاميذ إلى البر الاجتماعي، إلى تطهير الله للمجتمع. يقود الجوع إلى البر التلاميذ إلى التشجيع على مقاصد الله في العمل والتعليم والسياسة وغير ذلك. علاوةً على ذلك، فإننا نتطلَّع إلى يوم مجيء المسيح، حين يُصلح الخليقة، ويُسقط الشيطان، ويُغطي بر الله الأرض.

عزيزي القارئ هل لديك جوع إلى البر؟ هل تسعى وراء القداسة؟ شخصيَّا؟ في المجتمع؟ أم أنك تكتفي بقليل من البر –لحظات قليلة من العدل والحب؟ هل لديك روتين بلا مشاعر، وحياة مملَّة مليئة بالواجبات، حيث تتأقلم وتنجرف معها، وتمر السنين مثل يوم صيفي ثقيل؟ يتوق التلاميذ الحقيقيُّون إلى بر الله ويسعون ورائه. أرجو أن تفعل ذلك، وهكذا تصل إلى بر ربنا.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

دانيال دورياني
دانيال دورياني
الدكتور دانيال دورياني هو نائب رئيس المشاريع الأكاديميَّة الإستراتيجية وأستاذ اللاهوت في كليَّة العهد للاهوت بمدينة سانت لويس. وهو مُؤلِّف كتاب "الإنسان الجديد: أن تصير إنسانًا حسب قلب الله" (The New Man: Becoming a Man After God’s Heart).