سنودس دورت
۲۰ مايو ۲۰۱۹
تقوى دورت
۲۸ مايو ۲۰۱۹

شعب الله في العهد

يشكّل التزام الله من نحو شعبهِ في العهد، الذي تم في تعاقب روابط الوعد، الأساس الذي عليه يبني كنيسته؛ فشكلها ونموها يعتمد عليه. ولكن مثل كاتدرائية في العصور الوسطى، تُنبى الكنيسة على مدى قرون؛ ومثل كتاب عظيم؛ تنقسم قصتها إلى فصول.

تأتي كلمة عهد (في اللغة العربية "بريت"، وفي اللغة اليونانية "دياثك") لأول مرة في سياق دينونة الطوفان التي منها نجى نوح وعائلته فقط: "وَلَكِنْ أُقِيمُ عَهْدِي مَعَكَ"، هكذا وعد الله (تكوين ٦: ١٨). وفي حين أن الله جلب اللعنة والدينونة على الأرض (الآيات ١١-١٣)، في المقابل وَعْدَ بالبركة لنوح ونسلهِ (تكوين ٩: ١).

تعكس كلمة "أُقيمُ" هنا رابطة عهد سابق. إن وصية الله لنوح وبنيه "أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ" (الآية 1) تعكس صدى وصيته لآدم (1: 28)، وتشير إلى عهد سابق. بالتأكيد، تضمنت علاقة الرب مع آدم مكونات العهد الأساسية: سيقود التزامه من نحو آدم إلى البركة نتيجة الإيمان والطاعة (1: 28؛ 2: 3)، ولكن عدم الإيمان والعصيان سيؤديان إلى اللعنة والدينونة (2: 17؛ 3: 17).

غير أن هذا العهد "الجديد" مع نوح سرعان ما أُزدُرِيَ بهِ في بابل. فُقدت البركة؛ وحلّت اللعنة بسبب العصيان. ولكن الله برحمته جاء مرة أخرى وأقام علاقة عهد أخر "جديد" مع إبراهيم. سيأتي النسل المُخلّص (3: 15) تحديدًا من خلال نسله وسيجلب البركة إلى الأمم (12: 1-3). وقد تأكّد هذا في مشهد درامي حدث ليلاً. فبشكل رمزي، مرّ الله بين جانبي الحيوانات المُقطّعة، مشيرًا بذلك إلى التزامه حتى الموت بتحقيق وعده لهذا العهد "الجديد" (15: 2-21). آمن إبراهيم وأطاع، على الرغم من تعثّره في بعض الأوقات. وتبعته البركات.

بعد ذلك جاءت مصر، والتسخير، والعبودية. مرة أخرى، أعلن الله عن نفسه تحديدًا باعتباره نفس الإله صانع العهد وحافظ العهد، إله إبراهيم وإسحاق ويعقوب الذي جاء لمعونة شعبه (خروج 3: 6، 13-17؛ 6: 2-9). أسّس الله حقبة جديدة من خلال عهد آخر "جديد". فقد فدى شعبه ودعاهم أن يثقوا فيه ويطيعوه، محذرًا إيّاهم بأن عدم الأمانة والعصيان سيقودان مرة أخرى إلى العنة والدينونة (تثنية ٢٨: ١-٦٨). فيما بعد، وعد الله داود بأن النسل المُخلّص سيأتي تحديدًا من نسله (2 صموئيل 7؛ مزمور 89: 19-37). وعندما جاء، سيتأسّس "عهدًا جديدًا" نهائيًّا (إرميا ٣١: ٣١-٣٤؛ عبرانيين ٨: ٨-١٢؛ ١٠: ١٥-١٧). إن يسوع هو النسل المُخلّص الذي صنع "الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي" (لوقا ٢٢: ٢٠). لذلك، من آدم إلى المسيح تخلق سلسلة العهود الإلهيّة الموحّدة هذه شجرة عائلة واحدة (لوقا ٤: ٢٣-٣٨).

يُقال أحيانّا أن كل شيء قد تغير الآن: اختفى "العهد" تقريبًا. نادرًا ما يتم ذكره مرة أخرى خارج الرسالة إلى العبرانيين. ولكن هذا يسيء فهم الأمر. لأنه عندما تحدث المسيح عن "الْعَهْدُ الْجَدِيدُ بِدَمِي"، كان يقصد أنه هو نفسه العهد. وقد ألمح الرب بالفعل إلى ذلك حين قال: "هُوَذَا عَبْدِي الَّذِي أَعْضُدُهُ مُخْتَارِي الَّذِي سُرَّتْ بِهِ نَفْسِي. ... وَأَجْعَلُكَ عَهْدًا لِلشَّعْبِ" (إشعياء 42: 1، 6-7). لم يعد "العهد الجديد" النهائي وعدًا ينتظر التحقيق وإنما هو شخص يُّجَسِّدْ تحقيقه. كلمة عهد لله هي الآن الكلمة الذي صار جسدًا (يوحنا 1: 14).

وهكذا، من آدم إلى نوح، ومن إبراهيم إلى موسى، ومن داود إلى المسيح، تحدّد شعب الله، واتحد، وتشكّل من خلال علاقة عهد دائمة التجديد ومتطورة. ولهذا السبب تحدّث آباء الكنيسة عن (ecclesia ab Adam) "الكنيسة من آدم" أو (ecclesia ab Abel) "الكنيسة من هابيل" — شعب واحد، في عصور مختلفة، يعيشون في مراحل عهديّة مختلفة للكشف عن وعد الله، ومنذ سقوط آدم وحواء، هم دائمًا خطاة يجدون "نِعْمَةً فِي عَيْنَيِ الرَّبِّ" (تكوين 6: 8)، متبرّرون دائمًا بالإيمان وحده، وليس بالأعمال، واثقون دائمًا بوعد الله، ومدركون دائمًا أنهم عائلة واحدة.

ينتمي موسى وبولس (وبالتالي نحن) إلى عائلة واحدة. "لَهُمُ" (شعب الله في العهد القديم)، يقول بولس: "التَّبَنِّي وَالْمَجْدُ وَالْعُهُودُ وَالاشْتِرَاعُ وَالْعِبَادَةُ وَالْمَوَاعِيدُ" (رومية ٩: ٤). والشيء نفسه ينطبق على بولس (وعلينا) في العهد الجديد — ولكن بالأكثر: فنحن أبناء الله بالتبني (رومية 8: 14-17)؛ نتغيّر من مجد إلى مجد (٢ كورنثوس ٣: ١٨)؛ تتم فينا وصايا الناموس بالروح القدس (رومية ٨: ٣-٤)؛ نحن الختان الحقيقي نعبد بالروح (رومية ٣:٣)؛ ونثق في ذاك الذي فيه تجد كل مواعيد الله "النعم" (٢ كورنثوس ١: ٢٠). إننا نحيا في حقب زمنية مختلفة، ولكننا شعب واحد، وعائلة واحدة.

يتم التعبير عن هذه الوحدة بشكل واضح جدًا في وصف رسالة العبرانيين لموسى، الذي "بِالإِيمَانِ ... أَبَى أَنْ يُدْعَى ابْنَ ابْنَةِ فِرْعَوْنَ، مُفَضِّلاً بِالأَحْرَى أَنْ يُذَلَّ مَعَ شَعْبِ اللهِ. ... حَاسِبًا عَارَ الْمَسِيحِ غِنًى أَعْظَمَ مِنْ خَزَائِنِ مِصْرَ" (عبرانيين ١١: ٢٤-٢٦). فطوال عصور العهد، هناك ايمان واحد، مسيح واحد، وشعب واحد.

تصف عبرانيين 3: 1-6 الأمر هكذا: في كل من أزمنة العهد القديم والعهد الجديد، ينتمي المؤمنون إلى نفس البيت ونفس العائلة. سكنوا في نفس البيت على الرغم من التغييرات التي حدثت. والآن موسى الخادم قد أفسح الطريق ليسوع الابن. تم رفع القيود (لم نعد ورثة قاصرين). الآن، يحيا المؤمنون في ملئ النعمة والحق صارخين: "يَا أَبَا الآبُ" (غلاطية ٤: ١-٧). ولكن بيت الآباء لا يزال نفسهُ واحدًا.

يا له من امتياز أن ننتمي لعائلة العهد هذه التي عمرها آلاف السنين. فإن كان يمكن أن يُقال لأهل كورنثوس أن "بُولُسُ ... أَبُلُّوسُ ... صَفَا ... الْعَالَمُ ... لَكُمْ" (1 كورنثوس 3: 22)، فحتمًا يمكننا أن نضيف أن "إبراهيم ... إيليا ... إشعياء ... دانيال ... هم أيضًا لنا"، لأننا "لِلْمَسِيحِ، وَالْمَسِيحُ للهِ". لذلك، كلما قرأنا العهدين القديم والجديد، فنحن ننظر إلى ألبوم عائلتنا. إن التعلّم عن تاريخ الكنيسة هو ببساطة زيارة أقاربنا. الاجتماع للعبادة هو الذهاب إلى لم شمل الأسرة الأسبوعي حيث نأتي "إِلَى رَبَوَاتٍ هُمْ مَحْفِلُ مَلاَئِكَةٍ ... وَكَنِيسَةُ أَبْكَارٍ". وأكثر من هذا، إننا نأتي "إِلَى أَرْوَاحِ أَبْرَارٍ مُكَمَّلِينَ" — بعضهم جلس مرة بجانبنا في الكنيسة. وكل ذلك لأنه بالإيمان نحن، مثلهم — بما في ذلك مَنْ عاشوا في ظل العهد القديم — قد أتينا "إِلَى وَسِيطِ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ، يَسُوعَ" (عبرانيين 12: 22-24). إنك تنتمي إلى كنيسة كبيرة جدًا. وشعب هذه الكنيسة أكبر بكثير مما تظن.

يلهب مفهوم العهد هذا قلوبنا لأننا ندرك أننا جزء من خطة المسيح العظيمة التي تمتد لعصور. وهذا يعطينا إحساسًا بالهوية — فنحن نعرف جذورنا. كذلك يمنحنا هذا شعورًا بالاستقرار — فنحن نعلم أن أبواب الجحيم عن تقوى على شعب الله في العهد. عبّر د. سبرول عن كل هذا بشكل رائع في الترنيمة التي كتبها بعنوان "قديسو صهيون" حيث تقول:

من ذبيحة هابيل المُفضّلة إلى صليب المسيح المقدس،

انتصرت كنيسة الله المُختَاَرة على الضياع.

فهلّموا، يا قديسي صهيون في لذة رباط الشركة؛

العروس في انتظار مجدها: الرب يسوع المسيح، رأسها.

بالإيمان جاهد آباؤنا: في الإيمان عاشوا وماتوا.

من إبراهيم إلى داود، صمد الإيمان عندما أُمتحن.

عهد النعمة الإلهيّة هذا، بدم المسيح أشتُرى؛

لن تُبطل أبدًا وعود البركة.

بموت الشهداء زُرعت بذرة مقدسة بالحزن والألم،

ستزدهر تلك البذرة المقدسة إلى أن يأتي المسيح ثانية.

في ذلك اليوم الأخير سيجتمع أبناء وبنات كنيسة الله المنتصرة

في دارهم من معركة الجهاد الحسن.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

سينكلير فيرجسون
سينكلير فيرجسون
الدكتور سنكلير فيرجسون هو عضو هيئة التدريس في خدمات ليجونير وأستاذ استشاري لعلم اللاهوت النظامي في كلية اللاهوت المُصلَحة. شغل سابقًا منصب الراعي الأساسي في الكنيسة المشيخيّة الأولى في مدينة كولومبيا، بولاية ساوث كارولاينا، وقد كتب أكثر من عشرين كتابًا، بما في ذلك "المسيح كاملاً" (The Whole Christ).