شعب الله في العهد
۲۱ مايو ۲۰۱۹
الخضوع للسلطة
۲۸ مايو ۲۰۱۹

تقوى دورت

غالبًا ما يتم النظر إلى كالفن، والكالفينيّة، وبالتبعية، إلى إقرار الإيمان المُصلَح الرئيسي الذي يدوّن مُلخّصًا مُحكمًا للعقيدة المُصلَحة عن الخلاص — أي إقرارات سنودس دورت — من قبل غير المثقفين على أنها أمور باردة، وقاسية، وعقيمة. يرى أولئك الناس بعض الآراء مثل الفساد، والاختيار، والهلاك، والكفارة "المحدودة" كحِمل ثقيل وتعاليم قدريّة تعرقل المؤمنين من الاستمتاع بعلاقتهم مع الله. يُزعَم أن مثل تلك العقائد تُدمر مسئوليّة الإنسان، وتشجع على الأمان الزائف، وتعرقل الكرازة والإرساليات، وتُعيق الأعمال الصالحة والتقوى الحقيقية.

أولئك الذي يقضون الوقت الكافي لقراءة كالفن، والمُصلحين، وإقرارات سنودس دورت يعلمون أن تلك الاتهامات باطلة. فالتقوى (pietas) هي أحد أهم المواضيع عند كالفن والكالفينيّة. يذكر كالفن في مقدمة كتابه أسس الدين المسيحي (Institutes of the Christian Religion) أن غرضه من كتابة هذا اللاهوت النظامي كان "فقط أن ينقل بعض الأساسيات التي يمكن بها تشكيل أولئك الذين تلمسهم غيرة الدين للتقوى الحقيقية [pietas]". يقول جون ماكنيل (John McNeill) عن حق أن لاهوت كالفن هو "تقواه في شرحٍ مُطوّل".

بالنسبة لكالفن، أفضل وصف للعهد القديم عن التقوى هو "مخافة الرب" وأفضل كلمة في العهد الجديد هي "التقوى". باختصار، بالنسبة لكالفن تشير التقوى إلى اتجاه القلب المُبِجل لله، والذي يشمل على المعرفة الحقيقية، والإيمان الذي للخلاص، والمحبة الصادرة من القلب، والعبادة بشكر، والمخافة البنويّة، والخضوع لإرادته بإنكار الذات. سنفحص الخمسة علامات للتقوى الحقيقيّة كما قدمتها إقرارات سنودس دورت: التمتّع بمركزيّة الله، اكتساب يقين الإيمان، تقديم التمجيد الذي مركزه المسيح، ممارسة التواضع والشكر اليومي، والسعي نحو القداسة الشاملة.

مركزية الله:

إن التقوى الحقيقة هي في مركزيّة الله، وليست في مركزيّة الإنسان. إن مركزيّة الله واضحة بشدة في إقرارات سنودس دورت. فالإقرارات تضع الله في مركز كل اللاهوت وفي مركز الحياة ذاتها. الله هو رب الكل السرمدي والقدير، وبالأخص هو رب على الاهتمام الرئيسي للحياة: التحرير أو الفداء من الخطايا والشقاء. تقدم الإقرارات عمل الفداء في شكل ثالوثي.

الآب هو مركز القسم الرئيسي (أو الفصل) الأول من العقيدة، "عن سابق التعيين الإلهي"، الذي يتناول الاختيار والرفض. إن عدل الله ورحمته هي في مركز خطته للخلاص. إن الله يكون عادلًا لو أدان الجميع بالجحيم، إذ جميعنا خطاة، لكنه في محبته ورحمته، قرّر أنه يخلّص أولئك الخطاة الذين "اختارهم ... للفداء في المسيح" (البند 1: 7). "تمَّ في القضاء الأزلي العبور عن البعض الآخر، الذين قضى الله، ... بأن يتركهم في البؤس العام، الذي أغرقوا أنفسهم فيه بإرادتهم، " (البند 1: 15). إن كل من الاختيار والرفض هي أحكام بقضاء الله السيادي، لكن الأول هو دائمًا بالنعمة وبدون استحقاق، بينما الأخير عادل وعن استحقاق تمامًا. في يوم الدينونة، سيتم اجبار الذي حُكم عليهم بالجحيم على الاتفاق على أنهم يستحقون هذه العقوبة، بينما أولئك الذين سيُقبَلون في السماء سيعترفون بحرية أنهم لا يستحقون هذا الفداء. وبما أن كل أمور الخلاص تم إعدادها بالكامل وفقًا لخطة الله الأزليّة، تشجعنا الإقرارات على تسبيح الله من أجل يقينيّة وشموليّة خلاصنا في المسيح.

ابن الله المتجسد وعمله الكفاري هم مركز القسم الرئيسي الثاني من العقيدة. يشدّد هذا القسم على قيمة موت المسيح الكفاري غير المحدودة ويؤكد أنه كي يفدي المختارين، قد أرضى عدل الله بالتمام. وبما أن المسيح أتمَّ كل بر بطاعته الفاعلة للناموس وبطاعته الخاضعة في آلامه وموته عن الخطاة المستحقين تمامًا للجحيم، فإن خلاص المختارين قد أُكمل بالتمام فيه وفي عمله الفدائي "لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ [المسيح]" (2 كورنثوس 5: 21).

الروح القدس يتمم خطة الآب عن طريق تطبيق العمل الخلاصي للابن على المختارين. يوضح القسمان الرئيسيان الثالث والرابع المجتمعان معًا عمل الروح القدس في جعل الخطاة المختارين خليقة جديدة في المسيح يسوع من خلال التجديد والتقديس. يُظهر القسم الرئيسي الخامس عمل الروح القدس في تمكين المختارين من المثابرة في الإيمان والنعمة طوال حياتهم ومن النمو في اليقين الشخصي للخلاص.

إن الاستمتاع بعمل الله الثالوث للخلاص من أجلنا وفينا ينبغي أن يحركنا نحو التقوى الحقيقيّة، فيما نحن نشكره، ونسبحه، ونمجده من أجل "خَلاَصًا هذَا مِقْدَارُهُ" (عبرانيين 2: 3). إن الله الثالوث صديقًا (لا عدوًا) للخطاة. بدون عمله الذي للخلاص، لن يخلص أحد قط.

يقين الإيمان:

تضع الإقرارات صفة مميزة أخرى للتقوى: اكتساب يقين الإيمان الشخصي. يُظهر البند 1: 12 العلاقة الوثيقة بين الاختيار الإلهي واليقين البشري: "يَصِل المختارون في الوقت المعيَّن، وإن كان بدرجات متفاوتة وقياسات مختلفة، إلى يقينٍ من اختيارهم الأزلي وغير المتغير." إن الاختيار هو وعد الله للمؤمن بأنه في أمان بين أحضان الله. يتم دعم هذه القناعة بالإيمان بوعود الله، وشهادة الروح القدس، والثمار الصالحة في حياة المؤمنين (البند 5: 10). يمنح هذا اليقين تعزية تفوق الوصف ويقود إلى فرح روحي، وسرور مقدَّس، واتضاع عميق، ورغبة متجددة أن يزدادوا في القداسة وأن يعملوا على نمو هذه القداسة (البند 1: 13).

تمجيد مركزه المسيح:

تحت القسم الرئيسي الثاني، تؤكد الإقرارات أنه بينما موت المسيح "يحظى بقدرٍ وقيمةٍ غير محدودة، والكافي بسعةٍ للتكفير عن خطايا العالم أجمع" (البند 2: 3)، فقد قصد الله أن يكفّر موت المسيح بفاعليّة فقط عن خطايا المختارين (البند 2: 8). تأسّس الإقرارات هذا التمييز الهام بيم "الكفاية/الفاعلية" على تأكيد الكتاب المقدس لحرية ومسرة الله الصالحة: "إن مسرة الله هي السبب الأوحد وراء هذا الاختيار المُنعِم" (البند 1: 10). لهذا "نجيب أولئك الذين يتذمَّرون على نعمة الاختيار المجانيّة وعلى الصرامة العادلة لعقيدة الرفض، قائلين مع الرسول: "بَلْ مَنْ أَنْتَ أَيُّهَا الإِنْسَانُ الَّذِي تُجَاوِبُ اللهَ؟" (رومية 9: 20)" (البند 1: 18).

يستجيب المؤمن المُختار لكفارة المسيح المُكلفة والفعّالة بتمجيدٍ مركزه المسيح وعبادة صادرة من القلب، محبًا للعريس كعروسٍ غير مستحقة. تعزي هذه العقيدة الغالية عن الكفارة المحدودة أو الفداء المحدّد أعضاء الكنيسة الحيّة غير المنظورة عن طريق طمأنتهم أن المسيح قد اشترى عروسته بدم نفسه. لذلك، كما كتب كيرنيلوس فينما (Cornelis Venema)، فإن النقاط الرئيسية للإقرارات هي "تسبيح الله الثالوث من أجل نعمته العجيبة وغير المُستحقَّة في المسيح، والثقة الرائعة في فضله المنيع" (البند 2: 9).

التواضع والشكر اليومي:

يغرس يقين المؤمن في اختياره تواضعًا مستمرًا ومتزايدًا ويعزّز الشكر: "إن الوعي بهذا الاختيار والتيقُّن منه يمدَّان أولاد الله بسببٍ إضافيٍّ كي يتَّضعوا قدامه كلَّ يومٍ، ويحمدوا شدة مراحمه، ويطهِّروا أنفسهم، ويردُّوا في امتنانٍ محبةً حارةً لذاك الذي أظهر أولاً محبةً شديدة بهذا القدر من نحوهم" (البند 1: 13). تزعم الإقرارات أنه لو كان الاختيار مشروطًا حتى ولو جزئيًّا بشيء يحققه المؤمن بقوته، فسوف يضيع تواضعه وسيكون للكبرياء اليد العليا. لكن بما أن الخلاص هو بالكامل من نعمة سيادة الله واختياره، وليس مؤسسًا عن أي شيء سبق الله فراه في الإنسان، فإن التواضع والشكر هما الاستجابات الوحيدة المناسبة (البند 3-4: 15).

القداسة الشاملة:

تقدم الإقرارات الخطية باعتبارها مشكلة الحياة العُظمى، فالإنسان الطبيعي الخاطئ وُلد بـ"عمى الذهن" و هو "نجسًا في عواطفه" (البند 3–4: 1). فكما كانت طبيعة الإنسان مُقدسة قبل السقوط، كذلك من الطبيعي أن تكون غير مقدسة بعد السقوط. لأن الخاطئ أعمى، ونجس بالطبيعة، فهو لا يقدر أن يؤمن وأن يخلص.

تقدم أيضًا الإقرارات علاج الله السيادي لفساد الإنسان الكلي في الخطية: يجدّد الروح القدس إرادة الإنسان في التجديد، والنتيجة أن يرجع الإنسان إلى الله بالإيمان والتوبة. منذ وقت التجديد لنهاية أيامه، يسعى المؤمن نحو القداسة في كل مجال من مجالات حياته، على الرغم من معاركه المستمرة ضد الخطية. تعترف الإقرارات، بالأخص في القسم الرئيسي الخامس، بأن هذه المعركة شديدة. وليس هناك طرق مختصرة من الخطية إلى المجد ولا وعود للإعفاء من الضيقات في هذه الحياة.

تؤكد أيضا الإقرارات أن المسيحي ليس وحيدًا في سعيه المُضنى إلى القداسة الشاملة. يُمكّنه الروح القدس أن يثابر في الإيمان والقداسة باستخدام "الكلمة، والفرائض المقدسة، والتأديب" كي يسترد الله أولاده المخطئين ويبنيهم في النعمة بجعلهم أكثر قداسة (البند 3–4: 17؛ 5: 14). كل هذا مدعومًا دائمًا بالمواظبة على "الصلوات وتدريبات التقوى الأخرى" (الرفض 5: 6). بمرور الوقت، يشجع يقينهم المتزايد ومثابرتهم المستمرة في الإيمان هذا السعي الشامل للقداسة (البنود 1: 13؛ 5: 12)، والذي بدوره يجعلهم نشيطين في الكرازة والشهادة من أجل المسيح.

يؤكد تاريخ الكنيسة على حقيقة تحفيز الإقرارات على الكرازة من أجل المسيح. كما يلخص روبرت جودفري (W. Robert Godfrey):

لم يضرب لاهوت الإقرارات المجتمع المُصلح بالتراخي ولكن بالأحرى سلّح الكنيسة المُصلَحة بكل مشورة الله. أصبح المؤمنون المُصلِحون، الذين تقوّوا بثقة في الله علّمتها الإقرارات، أكثر الشهود الفعّالين والمؤثرين للمسيح في أوروبا.

التقوى الحقيقية:

تُظهر إقرارات سنودس دورت باستمرار، وبدقة، وبإقناع أن عقائد الإيمان المُصلح تعزّز ولا تعيق التقوى المسيحيّة الحقيقية. تم تلخيص هذا جيدًا في البند 5: 13:

إلا أنَّ هذا اليقين في المثابرة بعيدٌ كل البعد عن كونه يُثير داخل المؤمنين روح الكبرياء، أو يمنحهم شعورًا جسديًّا بالأمان؛ بل على النقيض، هذا اليقين هو المصدر الحقيقي للاتضاع، وللتوقير البنوي، وللتقوى الحقيقية، وللصبر في كل ضيق، وللصلوات الحارة، وللثبات في الألم، وفي الإقرار بالحق، وللفرح الراسخ بالله؛ [ولا بد] أن يكون بمثابة حافزٍ على الممارسة الجادة والمستمرة للشكر والأعمال الصالحة.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

جويل بيكي
جويل بيكي
الدكتور جويل بيكي هو رئيس كلية بيويرتان المُصلَحة للاهوت (Puritan Reformed Theological Seminary) وأستاذ اللاهوت النظامي والوعظ بها، وهو قسيس في كنيسة (Heritage Netherlands Reformed Congregation) بمدينة جراند رابيدز في ولاية ميشيجان، ورئيس تحرير دار النشر (Reformation Heritage Books). وهو مؤلف العديد من الكتب منها "العيش لمجد الله: مقدمة إلى الكالفينية" (Living for God’s Glory: An Introduction to Calvinism).