سر الحياة السعيدة
۱۹ سبتمبر ۲۰۱۹
النجاح الكتابي
۸ أكتوبر ۲۰۱۹

سلطان الله ومسؤوليتنا

سيُذكر أر. سي. سبرول لأشياء عديدة، ولكن ربما أول كل شيء ستكون نظرته السامية عن الله. فخلال حياته، ساعد أر. سي. سبرول على بدء شيء من الإصلاح في العصر الحديث وجَّه الكنيسة نحو قبول ما يُمكن تسميته "ألوهية الله". وخدمته، التي استمرت من خلال مجلة تيبولتوك وخدمات ليجونير، قد بُنيت إلى حدٍ كبير على الفكرة المركزية بأنه إذا لم يكن الله صاحب السيادة الكاملة، فلا يمكن أن يكون هو الله. ذكَّرنا أر. سي. سبرول بشكل مستمر أن المنطق السليم يُثبت أن هذه الفكرة يجب أن تكون صحيحة. لأنه إذا كان هناك أي شخص أو أي شيء في الكون أقوى أو أكثر سيادة من الله، إذًا هذا الشخص أو هذا الشيء، بحكم تعريفه، سيكون هو الله.

ولكن المنطق السليم ليس الشيء الوحيد الذي يشير إلى هذا الاتجاه، فالتعليم الكثير في الكتاب المقدس يفعل هذا أيضًا بكل تأكيد. وقد ذكَّرنا أر. سي. سبرول دومًا بذلك أيضًا. وهكذا، نقرأ في 1 تيموثاوس ٦: ١٥-١٦ أن الله هو "الْمُبَارَكُ الْعَزِيزُ الْوَحِيدُ: مَلِكُ الْمُلُوكِ وَرَبُّ الأَرْبَابِ، الَّذِي وَحْدَهُ لَهُ عَدَمُ الْمَوْتِ، سَاكِنًا فِي نُورٍ لاَ يُدْنَى مِنْهُ". ونقرأ في مزمور ٩٥: ٣ أنه لا شيء أقوى أو أكثر سيادة من الله. فهو "مَلِكٌ كَبِيرٌ عَلَى كُلِّ الآلِهَةِ"، "مَن يُقَاوِمُ مَشِيئَتَهُ؟" (رومية ٩: ١٩)، ولا أحد يمنع يده (دانيال ٤: ٣٥)، وهو يتسلط على الأمم (مزمور ٢٢: ٢٨)، وملوك الأرض جميعًا خاضعين له (مزمور ٢).

ولكن ما هو أكثر من ذلك، فإن نصوص مثل أفسس ١: ١١  ومزمور ١١٥: ٣ توضح بشكل مفيد أن السيادة ليست فقط تختص بهوية الله ولكن أيضًا بما يعمله الله. فهو له السيادة المطلقة، وهو يتصرف بسيادة مطلقة. فقد "ثَبَّت لِلْقَضَاءِ كُرْسِيَّهُ" (مزمور ٩: ٧)، وهو "يَعْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ رَأْيِ مَشِيئَتِهِ" (أفسس ١: ١١)، ودائمًا "كُلَّمَا شَاءَ صَنَعَ" (مزمور ١١٥: ٣).

إن هذا النظرة عن الله — رغم كونها مشجعة للغاية — لا ينبغي أن تقودنا أبدًا إلى النظرة القدريَّة للحياة التي ترفُض تحمُّل مسؤوليَّة أفعالنا وقراراتنا. يقول الكتاب المقدس بوضوح أن البشر مسؤولون حقًا. على سبيل المثال، تخبرنا رومية ١٤: ١٢ بصراحة أن كل شخص "سَيُعْطِي عَنْ نَفْسِهِ حِسَابًا للهِ". والكتاب المقدس باستمرار يدعونا إلى التوبة (أعمال الرسل ١٧: ٣٠)، وإلى الإيمان (أعمال الرسل ١٦: ٣١)، وإلى الطاعة (متي ٢٨: ٢٠)، وإلى إتمام خلاصنا (فيليبي ٢: ١٢)، وإلى عمل الخير (غلاطية ٦: 9)، وإلى الاهتمام بما فوق (كولوسي ٣: 2)، وإلى الصلاة بلا انقطاع (1 تسالونيكي ٥: 17)، وإلى تلمذة جميع الأمم (متي ٢٨: ١٨). تشير هذه الأشياء إلى أن أفكارنا، وكلماتنا، وأفعالنا مهمة بالفعل.

لكن كيف نجمع هذين الأمرين معًا؟ كيف يمكن أن يكون الله صاحب السيادة لدرجة أن كل ما يحدث يتم "حَسَبَ رَأْيِ مَشِيئَتِهِ"، ولا يزال بالإمكان أن يكون البشر مسئولين حقًا عن أفعالهم وقراراتهم؟ للإجابة على هذا السؤال، اعتمد اللاهوتيون على تميزين رئيسيَّين. من ناحية، ميَّزوا بين إرادة الله السريَّة وإرادته المُعلنة، ومن ناحية أخرى، ميزَّوا بين العلَّة الأولى والعلل الثانويَّة. سوف نبحث في كل منها.

عندما نتحدث عن إرادة الله السريَّة، فإننا نسلِّط الضوء على حقيقة أن الله يعرف أشياء كثيرة لا نعرفها نحن. نشير إلى ما أسماه البعض بالإرادة المحتومة، أي الإرادة التي من خلالها — على حد تعبير إقرار إيمان وستمنستر — قد عيَّن الله "أيًّا كان ما يحدث". نحن لا يمكننا أن نعرف هذه الإرادة، فهي مخفية عنَّا. ولكن، شكرا لله، فهو لم يخفي كل شيء عنَّا. فقد أعلن لنا أشياءً كثيرة في كلمته ومن خلالها، وهذه الأشياء تشكِّل إرادته المُعلنة لحياتنا. قد لا نعرف ما سيحدث لنا غدًا أو الشهر المقبل أو العام المقبل، ولكننا نعرف أننا علينا أن نحب الرب إلهنا من كل قلبنا، ومن كل نفسنا، ومن كل فكرنا، ومن كل قدرتنا وأن نحب قريبنا كأنفسنا (مرقس ١٢: ٢٩-٣١). نحن نعلم أنه لا يجب أن يكون لنا آلهة أخرى سواه (خروج ٢٠: ٣). ونحن نعلم أننا يجب أن نطيع كل ما أوصانا به (متي ٢٨: ٢٠). هذه الأشياء مُعلنة لنا بوضوح. وكما يقول سفر التثنية ٢٩: ٢٩ "السَّرَائِرُ لِلرَّبِّ إِلهِنَا، وَالْمُعْلَنَاتُ لَنَا وَلِبَنِينَا إِلَى الأَبَدِ".

لذلك، فإن سيادة الله هي بأحد المعاني "ما لا يخصنا،" كما اعتاد أر. سي. سبرول أن يقول بصراحة. يجب أن ندع الله يكون الله. علينا أن ندعه يهتم بشأن ما سيحدث أو ما لن يحدث. ليس عملنا أن نولي اهتمامنا للأشياء الخفية أو السرية الخاصة بالله ولكن لتلك الأشياء المُعلنة. إن أفعالنا وقراراتنا، لأنه تحكمها كلمة الله، فهي "لَنَا وَلِبَنِينَا إِلَى الأَبَدِ".

يقدم سفر أعمال الرسل 27: ١٣- ٤٤ نموذج مثير للاهتمام عن إرادة الله السريَّة وإرادته المُعلنة وكيف تعمل السيادة الإلهيَّة جنبًا إلى جنب مع المسؤوليَّة الإنسانيَّة. في هذا النص، أعلن الله لبولس شيئًا في العادة يكون جزءًا من مشيئته السريَّة. في وسط عاصفة شرسة ضربت البحر "انْتُزِعَ... كُلُّ رَجَاءٍ فِي نَجَاتِنَا" (الآية ٢٠)، قال الله لبولس إنه لن يهلك في العاصفة وإنه سينجو هو والجميع على متن السفينة بحياتهم. ولكن، حتى بهذه المعرفة عن إرادة الله السريَّة، لا يزال بولس يأمر الجنود على متن السفينة أن يمنعوا البحارة من مغادرة السفينة عندما حاولوا الهروب في قارب النجاة (الآيات ٣٠-٣١)، وقال إنه لا يزال يطلب إلى "الجميع" أن يتناولوا طعامًا لإبقائهم على قيد الحياة (الآيات ٣٣-٣٤)، كما لا يزال قائد المئة يستبق خطط الجنود لقتل بولس وبقية السجناء بإطلاق سراح الأسرى في وقت مبكر (الآيات ٤٢-٤٤).

الشيء المثير للاهتمام في هذه القصة هو أن بولس وقائد المئة على حدٍ سواء يعرفون إرادة الله السريَّة. كلاهما يعلم أن الله قد قرَّر نجاة كل شخص على متن السفينة (الآية ٢١). بولس، على الأقل، كان واثقًا من أن قصد الله سوف يتم حقًا في حياتهم وأنهم جميعًا سينجون (الآية ٢٥). ومع ذلك، وعلى الرغم من هذه الثقة، لا يزال بولس وقائد المئة يتصرفون كما لو أن أفعالهم وقراراتهم مهمة حقًا. التفسير الأكثر احتمالاً لذلك هو أن بولس، على الأقل، قد فهم أن إرادة الله المحتومة ستتحقق من خلال أفعاله وقراراته هو وقائد المئة وبهما. فبدلاً من جعل أفعالهم وقراراتهم غير ضروريَّة، فإن سيادة الله استخدمت تلك الأفعال والقرارات لتحقيق ما قصد الله أن يحدث بالضبط.

وهذا يقودنا إلى التمييز الثاني، وهو التمييز بين العلَّة الأولى والعلل الثانويَّة. عندما نشير إلى الله بوصفه العلَّة الأولى أو المطلقة لكل شيء، فإننا ببساطة نعترف بأن الله هو صاحب السيادة وأنه يتصرف بسيادة. فنحن نقول إنه لا شيء يفاجئه أو يدهشه، ولا شيء يحدث عن طريق الصدفة، وأنه لا يوجد "ذرة مستقلة" أو قوة مستقلة في الكون خارج سلطة وسيطرة الله، وأن كل ما يحدث هو جزء من إرادة الله المحتومة.

لكن على الرغم من أن الله هو العلَّة الأولى أو المطلقة لكل ما يحدث، فهو ليس العلَّة الوحيدة. في سفر أعمال الرسل ٢٧، على سبيل المثال، نرى العديد من العلل الثانويَّة التي بها أُنقذ بولس والآخرين. نرى بولس يحذِّر قائد المئة والجنود لإبقاء البحارة على متن السفينة، ونرى قائد المئة والجنود يقطعون حبال قارب نجاة، ونرى بولس يطلب من الناس أن يتناولوا طعامًا، ونرى قائد المئة يقوم بإحباط خطة الجنود لقتل السجناء. لا شيء من هذه العلل هو العلَّة المطلقة، لأن الله وحده هو العلَّة المطلقة لكل الأشياء. ولكنها كلها علل ثانويَّة؛ فهي وسائل من خلالها يحقق الله مقاصده. وهي علل حقيقيَّة أيضًا، فنحن نعلم من تحذير بولس للجنود: "إِنْ لَمْ يَبْقَ هؤُلاَءِ فِي السَّفِينَةِ فَأَنْتُمْ لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَنْجُوا" (الآية ٣١).

أمضى أر. سي. سبرول حياته يدعونا أن نقبل "ألوهية" الله — إلى جانب البركات العديدة التي تصاحبها — بينما في الوقت نفسه تحدَّانا بأن نعيش وفقًا لإرادة الله المعلنة. عرف أر. سي. سبرول أن أفعالنا وقراراتنا مهمة حقًا. كان يعلم أن إله الكون صاحب السيادة المجيدة يحقق بالفعل مقاصده الكاملة من خلال أفعالنا وقراراتنا غير الكاملة وبهما. وبسبب ذلك، كان يعرف أن ما يحدث الآن وما نفعله الآن له أهميَّة أبديَّة.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

جاي ريتشارد
جاي ريتشارد
الدكتور جاي ريتشارد هو المدير التنفيذي لكلية اللاهوت المُصلَحة في مدينة أتلانتا وأستاذ مساعد لعلم اللاهوت النظامي بها. وهو مؤلف كتب "ما هو الإيمان؟" (What Is Faith?) و"سمو الله في لاهوت صموئيل روثرفورد" (The Supremacy of God in the Theology of Samuel Rutherford.).