مثل وكيل الظلم
۱٤ أكتوبر ۲۰۲۰
هل يمكننا أن نثق بالعهد الجديد؟
۲۰ أكتوبر ۲۰۲۰

عامل الخوف

عندما انتقلت إلى وسط فلوريدا في عام 1992، قيل لي أن هذه المنطقة من الولاية لم تتعرَّض مباشرةً لإعصارٍ منذ الخمسينات. لقد ضربتنا الأطراف الخارجيَّة لبعض الأعاصير والعواصف الاستوائيَّة في بعض الأحيان، ولكن لم تكن بالشيء الخطير. كل ذلك تغيَّر في عام 2004 عندما لم يضرب هذه المنطقة الصغيرة من الولاية إعصارًا واحدًا، ولكن ثلاثة أعاصير قويَّة في غضون فترة قصيرة من ستة أسابيع. فقد ضربنا إعصار تشارلي مساء يوم 13 أغسطس. بعد ثلاثة أسابيع ضربنا إعصار فرانسيس. بعد ثلاثة أسابيع من ذلك ضربنا إعصار جين. لم يكن الوقت ممتعًا للعيش في هذا المنطقة من ولاية فلوريدا.

كان هناك أحد الآثار الجانبيَّة لموسم الأعاصير لعام 2004 الذي كان ينبغي أن أتوقَّعه ولكني لم أفعل ذلك، وهو التأثير الذي سيقع على خبراء الأرصاد الجويَّة المحليِّين لدينا. مع اقتراب موسم الأعاصير لعام 2005، فقد بعضهم عقولهم. إذا كان من الممكن السماح لي ببعض المُبالغة، فمن الممكن صياغة تقرير الطقس النموذجي في ذلك العام على هذا النحو: "تشكَّل منخفض استوائي قبالة سواحل أفريقيا. من المحتمل أن يتحوَّل إلى إعصارٍ كبير. ومن المحتمل أن يضربنا، وربما سنموت جميعًا". يبدو أن لهم هدفًا واحدًا —وهو خلق حالة دائمة من الخوف والقلق. فتوقَّفت عن المشاهدة بعد بضعة أسابيع من ذلك وطلبت من زوجتي أن تخبرني إذا ومتى كنَّا بحاجة إلى تغليف النوافذ بالألواح الخشبيَّة أو إخلاء وترك المكان.

من المحتمل أن أولئك الذين شاهدوا الأخبار أو قرأوها على مدى السنوات العديدة الماضية قد لاحظوا هذا التوجُّه بغض النظر عن المكان الذي يعيشون فيه. شاهد الأخبار لفترة طويلة بما فيه الكفاية وسينشأ هذا الحديث داخل ذهنك: "الاقتصاد سينهار قريبًا، مما يعيق حربنا ضد الإرهابيِّين الذين هم على وشك مهاجمتنا مرة أخرى. الشيء الوحيد الذي قد يوقفهم هو وباء إنفلونزا الطيور، أو إنفلونزا الخنازير، أو الطاعون الأسود، ولكن هذا الوباء سيؤثِّر فقط على مَن منَّا لم يستسلم بالفعل للآثار الوخيمة للاحتباس الحراري العالمي. وترقَّب تقريرًا عن المنتجات الغذائيَّة الشهيرة التي ثبت أنها تسبِّب السرطان في فئران المختبر والشمبانزي".

كيف نتعامل مع كل هذا الخوف والقلق الناجم عن وسائل الإعلام؟ هناك مثال من تاريخ الكنيسة ثبت أنه مفيد. عاش القديس أوغسطينوس (354-430) في زمن من الخوف والقلق الشديدين. لكن تغيَّر عالمه بشكلٍ كبير في عام 410 عندما دخل الملك ألاريك البربري روما. كانت هذه بداية النهاية للنصف الغربي للإمبراطوريَّة الرومانيَّة. وعندما فرَّ اللاجئون إلى شمال إفريقيا، وأحضروا كل أنواع التقارير المشؤومة، اضطر أوغسطينوس للتعامل مع المشاكل حيث ذهب الكثيرون إلى حد إلقاء اللوم على المسيحيَّة في سقوط روما. وقد كتب عمله الكلاسيكي "مدينة الله" للرد على الأزمة. أحد الاقتباسات المُفضَّلة لدي من هذا الكتاب يتناول مخاوف قرَّائه.

فقد شجَّع المسيحيِّين المُحاطين بالخطر من كل جانب، قائلًا: "وسط المخاطر اليوميَّة لهذه الحياة، يتعرَّض كل إنسان على الأرض للتهديد بنفس الطريقة بسبب احتمالات الموت التي لا تُحصى، ومن غير المؤكَّد أي منها سيصيبه. ولذا فإن السؤال هو ما إذا كان من الأفضل أن يتأَّلم المرء مرةً بالموت أو أن يخاف من جميع الاحتمالات في الحياة" (الكتاب 1، الفصل 11). هذه كلمات مَن يثق في سلطان الله. كان أوغسطينوس يعلم أنه لا فائدة من الشعور بالخوف الدائم من كل الأخطار المحيطة به. كان يعلم أن الله مُسيطر وأنه لا توجد شعرة واحدة يمكن أن تسقط من رأسه دون مشيئة الله.

العالم خائف وقلق، لكنَّه خائف وقلق من الأشياء الخاطئة. العالم خائف بشأن الاقتصاد. العالم خائف بشأن الحسابات البنكيَّة للتقاعد. العالم خائف من الكوارث الطبيعيَّة والكوارث التي من صنع الإنسان. العالم خائف من الارهاب والعالم خائف من المرض. ولكن العالم لا يخاف الله. يخبرنا يسوع أننا يجب ألا نخاف أولئك الذين يستطيعون قتل الجسد ولكن لا يمكنهم قتل الروح. بدلًا من ذلك علينا أن نخاف الله الذي يستطيع أن يُهلك كليهما (متى 10: 28). إن غضب الله يجعل كل الأشياء الأخرى التي يخاف منها العالم تبدو وكأنها لا شيء بالمقارنة. إن الشيء المخيف حقًا هو الوقوع في يدي الله الحي (عبرانيين 10: 31).

لكن أولئك الذين وضعوا إيمانهم في يسوع المسيح، ليس لديهم ما يخشونه من البشر أو من أي شيء آخر. أولئك الذين يثقون بالمسيح ليس لديهم ما يخشونه من الأعاصير، أو الأمراض، أو الانهيار الاقتصادي، أو الحرب، أو المجاعات، أو حتى الموت. فكل هذه الأشياء تحت سيطرة أبينا صاحب السيادة في السماوات. بالطبع، من السهل قول هذا، لكن أيضًا من السهل جدًا أن نحوِّل أعيننا عن الله ونفكر في المخاطر التي تحيط بنا.

هل هناك ما يمكننا فعله لمحاربة الخوف والقلق في الدنيا؟ أعتقد أن بولس يقدِّم دليلًا مُهمًّا من خلال مقارنة الخوف بالصلاة. فقد كتب قائًلا: "لاَ تَهْتَمُّوا بِشَيْءٍ، بَلْ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِالصَّلاَةِ وَالدُّعَاءِ مَعَ الشُّكْرِ، لِتُعْلَمْ طِلْبَاتُكُمْ لَدَى اللهِ. وَسَلاَمُ اللهِ الَّذِي يَفُوقُ كُلَّ عَقْل، يَحْفَظُ قُلُوبَكُمْ وَأَفْكَارَكُمْ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ" (فيلبي 4: 6-7). يؤدِّي إهمال الصلاة دائمًا إلى زيادة مماثلة في خوفنا وقلقنا. هذه ليست مصادفة. فالصلاة هي فعل يُعبِّر عن الإيمان بالله، والإيمان بالله يقود إلى سلام الله.

 

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

كيث ماثيسون
كيث ماثيسون
الدكتور كيث ماثيسون هو أستاذ علم اللاهوت النظامي في كليَّة الإصلاح للكتاب المقدس (Reformation Bible College) بمدينة سانفورد في ولاية فلوريدا، وهو مُؤلِّف للعديد من الكتب، بما في ذلك "العشاء الرباني: إجابات على الأسئلة الشائعة" (The Lord’s Supper: Answers to Common Questions).