ما هو التلميذ؟
۵ أغسطس ۲۰۱۹
الوسائط العامة للتلمذة
۱۳ أغسطس ۲۰۱۹

الفشل والإحباط في الكتاب المقدس

إن نظمنا مؤتمرًا حول "الفشل والإحباط"، هل تظن سيحضره أحد؟ إن كتبتَ كتابًا عن هذا الموضوع، هل تظن سيشتريه أحد؟ الفشل والإحباط ليست موضوعات شائعة. لا يمكن أن تبيع بها تذاكر أو كتب. وهي موضوعات لا تجتذب النقرات على الإنترنت، كما يؤكد لنا مسوقو الإنترنت. إننا لا نرغب أن نفكر في فشلنا الشخصي ولا في إحباطاتنا، كما لا نهتم بالاستماع إلى فشل الآخرين وإحباطاتهم. فنحن نعيش في "ثقافة النجاح" التي تشيد بالانتصارات والانجازات. ولكن هذا كله غير حقيقي.

عندما نتجه إلى الكتاب المقدس، فإننا نحصل على جرعة عميقة عن الواقع. فالفشل والإحباط مجودين في كل صفحة من صفحاته تقريبًا. سواء أعجبنا الأمر أم لا، فإن هذا حقيقي أكثر من قصص النجاح التي نسعى إليها ونحاول أن نكتبها لأنفسنا. يجب أن تستهدف العُلى، بكل يقين، ولكن يجب أن تدرك أنه لا ينجو أحد من الفشل والإحباط. فبالحري يجب أن نخطط ونستعد لهم بهدف الاستفادة منهم.

"الاستفادة من الفشل والإحباط؟ هل أنت جاد؟" نعم، مثل الكثير من شعب الله، اكتشفت أن مواسم الفشل والإحباط تكون من الأوقات الأكثر إثمارًا روحيًا في حياتي.

قبل أن نتجه إلى الكتاب المقدس ليساعدنا أن نخطط للتعامل مع الفشل والإحباط، ونستعد لهم، ونستفيد منهم، فإننا نحتاج إلى بعض التعريفات أولاً. الفشل هو عدم النجاح في القيام بشيء ما. إنه أقل من مستوى الأداء الذي وضعناه لأنفسنا أو الذي وضعه لنا الآخرون. قد يكون هذا أمرًا نتحمَّل مسؤوليته أو شيئًا نُلام عليه (مثلاً، نفشل في امتحانٍ لأننا لم نذاكر جيدًا)، أو قد يقع اللوم على شخص آخر (مثلاً، قد يفشل زواجنا لأن زوجتنا أو زوجنا اقترفوا خطية الزنا). وفي بعض الأحيان يمكن أن يكون لدينا إحساس بالفشل، بينما لم نفشل فعليًا (مثلاً، نخسر وظيفتنا بسبب دمج شركتين، أو بسبب إعادة التنظيم). الإحباط هو الإحساس بالحزن وخيبة الأمل الناتج عن الفشل، إما من فشلنا الشخصي، أو فشل الآخرين، أو كلاهما. والآن بعد أن وضعنا هذه التعريفات، ما الذي يعلِّمه لنا الكتاب المقدس عن الفشل والإحباط؟

الفشل حتمي:

لو كانت مدارسنا ترغب حقًا في إعداد أطفالنا للحياة، فستقدم دروسًا عن الفشل والإحباط. قد لا يحتاج أطفالنا أبدًا إلى معرفة الجبر أو الكيمياء في حياتهم البالغة، ولكنهم سيحتاجون قطعًا إلى معرفة كيفية التعامل مع الفشل والإحباط. بغض النظر عن المكان الذي نفتح فيه كتابنا المقدس، سنجد الفشل والإحباط: آدم وحواء (تكوين 3)، قايين وهابيل (تكوين 4)، نوح وابناؤه (التكوين 9)، إبراهيم وسارة (تكوين 16)، لوط وبناته (تكوين 19)، يعقوب وعيسو (تكوين 27)، يوسف وإخوته (تكوين 37)، نداب وأبيهو (لاويين 10)، هارون ومريم (عدد 12)، إسرائيل وكنعان (عدد 14)، موسى والصخرة (عدد 20)، شمشون ودليلة (قضاة 16)، صموئيل وأبناؤه (1 صموئيل 8)، داود وبثشبع (2 صموئيل 11)، سليمان ونساءه (1 ملوك 11). ثم نصل إلى العهد الجديد حيث نجد تلميذًا تلو الآخر وكنيسة تلو الأخرى يشوبهم الفشل والإحباط. إن رسالة الكتاب المقدس الموحدة هي أن الفشل والإحباط جزء حتمي من الخبرة البشريَّة. تخيل خطبة حفل تخرج تعكس هذا التأكيد الكتابي. كم سيكون ذلك أفضل إعداد لأولادنا لمواجهة الحياة، خاصة في مجال ضبط توقعاتهم.

الفشل متنوع:

بينما ندرس السرد الكتابي، يذهلنا تنوع الفشل واختلافه. فإن لم يصيبنا بطريقة ما، سيصيبنا بطريقة أخرى. الفشل الروحي والأخلاقي هو الأكثر شيوعًا، حيث توجد أمثلة متعددة للفشل في طاعة وصايا الله العشر المباشرة. على سبيل المثال، فشل شعب إسرائيل في عبادة الله وحده (إشعياء 2: 8)؛ فشل هارون عندما صنع تمثالاً منحوتًا للعبادة (خروج 32: 4)؛ فشل عُزَّةُ في احترام وتبجيل الله (2 صموئيل 6: 7)؛ فشل شعب إسرائيل في حفظ السبت (خروج 16: 27-30)؛ فشل عالي في تأديب أبنائه وفشل أبنائه في احترام وإكرام أبيهم (1صموئيل2: 22-25)؛ فشل داود في احترام قدسيَّة الحياة وقدسيَّة الزواج (2 صموئيل 11: 1-21)؛ فشل عخان بسرقته للذهب (يشوع 7: 1)؛ فشل حنانيا وسفيرة بالكذب على الروح القدس (أعمال الرسل 5: 3)؛ وفشل دِيمَاسَ باشتهائه لغنى العالم (2 تيموثاوس 4: 10). عشر وصايا، وعشر إخفاقات من الفشل.

يظهر الفشل العائلي في معاملة إبراهيم وسارة لهاجر (تكوين 16؛ 21) وفي التنافس المليء بالغيرة بين يعقوب وعيسو (تكوين 25: 29-34). نرى الفشل في الصدقات في الترحيب والقبلة الخادعة التي قدمها مَن خان يسوع (متى 26: 49) والخلاف الذي حدث بين الرسول بولس وبرنابا بشأن نفع مرقس (أعمال الرسل 15: 36-41). يتضح الفشل في القيادة في كل ملك من ملوك إسرائيل ويهوذا (مثلاً، 2 أخبار الأيام 12: 14؛ 22: 9-10). نجد الفشل الكنسي في كل كنيسة من كنائس العهد الجديد تقريبًا، كما يتضح من نبرة خيبة الأمل الموجودة في العديد من رسائل بولس لها (مثالاً، 1 كورنثوس 1: 11-13؛ غلاطية 1: 6) وفي خمسة من رسائل المسيح للكنائس السبعة (رؤيا 2-3). يتضح الفشل المادي في حياة جيحزي (2 ملوك 5: 22-27)، وصاحب الوزنة الواحدة (متى 25: 24-30)، وباني المخازن الطموح (لوقا 12: 16-21). يظهر الفشل القومي والسياسي بشكل خاص في تاريخ إسرائيل من التمرد المتكرر على الله. يذكر لنا الكتاب المقدس أيضًا الفشل الاجتماعي في الضيف الذي لم يرتدي لباس العرس (متى 22: 11-13). يلبس الفشل أشكال عديدة ومختلفة.

يمكن للفشل أن يتبع النجاح العظيم:

أحد الدروس التي تعلِّمها لنا هذه الاختبارات المتنوعة للفشل والإحباط هي أننا أكثر عُرضة لها عندما نكون أكثر نجاحًا. يولد النجاح الثقة، والتي تتحول في الكثير من الأحيان إلى ثقة مفرطة، وهي في الغالب ما تسبق الكارثة (أمثال 16: 18). انظر إلى شمشون، وداود، وسليمان لترى أدلة مؤلمة لهذا الأمر من العهد القديم. يبرز العهد الجديد بطرس كمثال لهذا (متى 26: 33-35، 69-75). لقد كان بطرس في دائرة يسوع المقربة، وكان يتحدث بأمور عظيمة عن الله، وكان الرب يستخدمه بقوة، وكان واثق جدًا في قدرته أن يكون قويًا في مواجهة التجربة. لكنه فشل ثلاث مرات، مرتين في انكاره أنه يعرف المسيح أمام جارية ومرة أمام الغرباء.  ما قاله الكتاب المقدس عن خطر الغطرسة ثبت صحته عبر التاريخ، وحتى يومنا هذا، حيث يسقط رجال أقوياء وناجحين يوميًا على يد ضحايا ضعفاء قد أوقعوا عليهم ظلمًا واستغلوهم سابقًا.

يمكن للفشل أن يتكرر:

توجد أقوال كثيرة مبتذلة وسطحيَّة عن الفشل بما فيها أن "الفشل أفضل معلم"، و "تعلم أن تفشل إلى الأمام". نشكر الله، كما سنرى لاحقًا، إن الكثير من الناس يتعلمون بالفعل من فشلهم، والكثير من الأفراد يتقدمون بالفعل إلى الأمام بعد الفشل. ولكن هذا الأمر ليس حتميًّا. يحذرنا الكتاب المقدس إن الفشل يمكن أن يتكرر. على سبيل المثال، فشل إبراهيم في الثقة بالله للاعتناء بسارة عندما نزل إلى مصر. وانتهى به الحال كاذبًا فيما يختص بعلاقته معها عندما تحدث مع ملك وثني، والذي اكتشف الأمر في النهاية ووبخه (تكوين 12: 10-20). ولكن الأمر لم يمنعه من الفعل هذا الأمر نفسه تقريبًا مرة أخرى (تكوين 20). كنت تظن أن يعقوب كان سيتعلَّم درسًا مؤلمًا عن التفضيل عندما ينظر إلى تجربة عائلته المرير. ومع ذلك، فقد فعل الأمر عينه إذ فضّل ابنه يوسف بشكل مفرط (تكوين 37: 3-4). وحتى تلاميذ يسوع، بالرغم من أنهم استفادوا من توبيخه باهتمام مستمر، إلا أنهم فشلوا مرارًا وتكرارًا في فهم من هو المسيح، وما الذي أتى ليفعله (متى 16: 21-23؛ لوقا 18: 34؛ 24: 25-27). في بعض الأحيان يمكن أن يتم مضاعفة الفشل بالتحوُّل من النقيض إلى النقيض الأخر كما فعلت الكنيسة في كورنثوس. في البداية فشلوا في تأديب أخ غير تائب (1 كورنثوس 5)، ثم فشلوا في الترحيب بعودته بعد توبته (2 كورنثوس 2: 5-11). الفشل ليس معلمًا مثاليًّا، ويرجع هذا جزئيًا لكوننا تلاميذ غير مثاليين.

الفشل مؤلم:

كل الأمثلة الكتابيَّة عن الفشل تكشف الإحباط المؤلم الذي يتبعه: الإحباط من الذات، والإحباط من الآخرين، وحتى الإحباط من الله. ولكن توجد ثلاث حالات من الفشل في الكتاب المقدس مؤلمة بشكل خاص. أولاً، هناك إحباط موسى المؤلم الذي شعر به بسبب عدم دخول أرض الموعد عندما ضرب الصخرة بدلاً من اتِّباع إرشادات الله بالتحدُّث إليها (عدد 20: 10-13). تخيل كل الجهد، وكل الضغط، وكل تلك السنوات الأربعين من التيهان في البرية، كل شكوى وتذمر شعب إسرائيل، وبعد ذلك، بسبب مرة واحدة من فقدان السيطرة على الأعصاب، يتم إيقافك على حدود غايتك النهائيَّة. توسَّل موسى إلى الرب كي يخفف إحباطه ويسمح له بالدخول إلى الأرض. ولكن الله رفض وأعطاه بدلاً من ذلك عزاء رؤيتها من بعيد (تثنية 3: 23-27). تخيل مقدار احباط موسى.

الفشل الآخر المؤلم بشكل خاص في الكتاب المقدس هو داود الملك، والذي فشل أخلاقيًّا فاقترافه خطية الزنا مع بثشبع وقتل زوجها أوريا (2 صموئيل 11). وكما يتضح من المزامير 32 و51، إن إحباط داود المؤلم من نفسه لم يكن إحباط ذهني، وروحي، وعاطفي فقط، بل جسدي أيضًا. حتى بعدما غُفر له، ارتجَّت نتائج سقطاته عبر باقي حياته في تفسُّخ عائلته والفقدان المؤقَّت لعرشه. تبع فشله اضطرابات عنيفة جدًا.

الفشل الثالث هو بطرس، والذي فشل بإنكاره للمسيح ثلاث مرات. هاك رجل حذَّره يسوع المرة تلو الأخرى من ثقته المفرطة، كما حذَّره يسوع أنه سينكره ثلاث مرات، ومع هذا فعل ذلك. ثم صاح الديك، والتقت أعين المسيح بأعين بطرس، "فَخَرَجَ بُطْرُسُ إِلَى خَارِجٍ وَبَكَى بُكَاءً مُرًّا" (لوقا 22: 62). تخيل مقدار الألم الذي ملأ بطرس اليومين التاليين عندما كان يفكر في فشله الثلاثي. كم من المرات تمنَّى بطرس، وموسى، وداود لو لم يفشلوا قط. الفشل الموجود على موقع اليوتيوب قد يجعلنا نضحك، ولكن فشل الأبطال في الكتاب المقدس يجعلنا نبكي.

يجب مشاركة الفشل:

أحد مشكلات قصص النجاح المستمر التي نتجرَّعها اليوم هي الرسالة القائلة بأن النجاح هو للجميع وأن الجميع سينجحون. النتيجة هي أنه لا أحد مستعد عندما لا يزوره النجاح على الإطلاق، وعندما يقرع الفشل بابه بشكلٍ متكرر. بسبب وعي يوهانس هاوسهوفر (Johannes Haushofer) من جامعة برينستون بهذا الإخلال في التوازن، نشر سيرته الذاتيَّة عن فشل حياته المهنيَّة على التويتر. قام بهذا الأمر: "في محاولة لإضافة الاتزان على السجل ولتشجيع الآخرين على الاستمرار في المحاولة في وجه الإحباط". قال: "إن معظم محاولاتي تبوء بالفشل، ولكن هذا الفشل غير مرئي في الكثير من الأحيان، بينما النجاحات مرئية. لقد لاحظت أن هذا الأمر يعطي الآخرين في بعض الأحيان انطباعًا بأن معظم الأمور تنجح بالنسبة لي".

ينشر الكتاب المقدس سير ذاتيَّة عن الفشل لكل الشخصيات به تقريبًا. حتى إن بعضهم نشر قصة فشله شخصيًّا. على سبيل المثال، لم يعترف كتّاب المزامير بفشلهم فحسب بل تغنُّوا به — ليس للاحتفال به بالطبع، بل للحزن عليه ولطلب مساعدة الله فيه. هم صادقون بشكل قاطع فيما يختص بحياتهم وكيف أن جزء كبير من الحياة لا يسير على ما يرام. في مزمور 73 و78، على سبيل المثال، يعترف آساف كيف أنه فشل في الوقت الذي نجح فيه الأشرار، مما نتج عنه فشل في إيمانه. كشف عن كل شيء حين قال فيما معناه: "أنا لا أتعامل مع الأمور بشكل جيد". ثم تدخَّل الله ليُذكِّره بوعوده وأهدافه، وبدأ آساف في استعادة اتزانه وتوازنه الروحي. كم يجب أن نكون شاكرين من أجل ترنيمات الفشل هذه، والتي يمكننا أن نتشارك فيها، والتي تذكرنا أننا لسنا وحدنا، مما يساعدنا أن نقبل أن غير الطبيعي هو الطبيعي، ويرشدنا أن نأتي بفشلنا أمام الله وأن نشاركه مع الآخرين.

يُعد أيوب مثالاً آخر لفشل مشترك. لقد كان رجل كَامِلاً (أيوب 1: 1). ولكن عندما أتت المعناة الشديدة، انتهى به الأمر إلى لوم الله في بعض الأوقات. نعم، كان ثباتًا في البداية (الآيات 20-22)، ونعم، كانت هناك لحظات من النجاح الروحي الفائق في مواجهة التجارب الروحيَّة الفائقة (19: 23-27؛ 23: 8-10). ولكن هذا ليس كل ما في القصة، وليس حتى ما حدث في معظمها. يشتمل سفره أيضًا على الكثير من الأحداث حيث كان رد فعله أبعد ما يكون عن الكمال، عندما أعرب عن إحباطه من أصدقائه وحتى من الله ورعايته. ومرة أخرى نتشجع بالتسجيل الصريح لأوقات الفشل في حياة أيوب كما نتشجع بأوقات النجاح (بالرغم من أن الوعَّاظ والكتَّاب يتجاهلون الأولى في الكثير من الأحيان).

إن مشاركة أحداث فشل هؤلاء الرجال تشجعنا أن نكون صادقين ومنفتحين في حياتنا الشخصيَّة. دعونا نترك قصص النجاح التي يرويها لنا العالم لنكتبها، ونتبع المثال الكتابي للأصالة الشُجاعة عن طريق مشاركة اخوتنا المؤمنين بمواضع الفشل كما بمواضع النجاح في حياتنا. كم سيختلف هذا الحال عن الكثيرين في صفحات الفيسبوك.

الفشل يمنع فشل أكبر:

لاحظت شيئًا في حياتي الشخصية عندما أنظر إلى الماضي وهو أن فشلي حال دون حدوث فشل أكبر، ليس فقط بسبب أني تعلمت من خلاله، ولكن بسبب تعليم الأخرين أيضًا. نرى هذا الأمر في الكتاب المقدس أيضًا. إن لم تكن كنائس العهد الجديد قد فشلت بهذه الدرجة في مناطق كثيرة جدًا، فلن يكون لدينا الرسائل الموجَّهة لهم في كتابنا المقدس والتي نتعلَّم منها ونتَّخذ الخطوات لتجنُّب أو لتدارك الفشل المشابه. كم من الكنائس مُنعت من السقوط في الفوضى الكارزماتيَّة بسبب الرسالة المرسلة لأهل كورنثوس الذين فشلوا في هذا الأمر؟ كم من الكنائس حُفظت من المساومة على عقيدة التبرير بالإيمان وحده بسبب الرسالة إلى أهل غلاطية الذين فشلوا في هذا الأمر؟ كم من الكنائس تم انقاذها من هوس آخر الأيام بسبب رسالة بولس إلى أهل تسالونيكي الذين فشلوا في هذا الأمر؟ كم من الكنائس عادت لمحبتها الأولى بسبب رسالة المسيح إلى أهل أفسس في سفر الرؤيا الذين فشلوا في هذا الأمر؟ كم من المسيحيين حُفظوا من فرط الثقة بالنفس بسبب فشل بطرس؟

يمكننا أن ننظر حولنا اليوم ونسمع صفارات الإنذار تدوي عاليًا من حطام الكنائس والقساوسة الذين فشلوا في الثبات من أجل العقيدة والنقاء الأخلاقي. نحن لا نحتاج حتى أن ننظر إلى خارج حياتنا الشخصيَّة بحثًا عن إشارات تحذير. فشلت حالتي الصحية منذ عدة سنوات نتيجة للإرهاق والإجهاد. انتهى بي الأمر في المستشفى مرتين بأمراض تهدد الحياة. إلا أنه عند النظر إلى الماضي، يمكنني أن أرى أن الله ربما قد استخدم فشل حالتي الصحية لمنعي من فشل روحي محتمل. بهذا المعنى، يمكن للفشل أن يكون عطية قيّمة. يعمل الله حتى من خلال فشلنا من أجل خيرنا (رومية 8: 28).

الفشل يمكن غفرانه:

في الكثير من الأحيان، ليس السؤال هو متى، وأين، وكيف سنفشل. بل السؤال الأهم هو ما الذي سنفعله بفشلنا. كما رأينا، فإن العديد من أحداث الفشل ليست مجرد دروس يجب تعلُّمها، ولكنها خطايا يجب الاعتراف بها. يجب ألا نضعها في أذهاننا ونتعلَّم من خلالها فحسب، بل يجب أن نضعها أمام الله لتُغفر لنا. هذا الأمر صعبًا، ولكنه محررًا أيضًا. فالاعتراف يحررنا من الذنب والخجل ويضمن لنا الغفران والقبول (أمثال 28: 13). بدلاً من انكار فشلنا، أو التقليل منه، أو اخفاءه، أو تجنُّبه نضعه في ضوء النهار ونور الله، ونتحدث بصدق عنه أمام الله، مقرين بأي ذنب ومصلين من أجل رحمته. بغض النظر عن سوء فشلنا، أو عدد تكراره، أو مدى الحماقة التي فشلنا بها، إن اعترفنا بفشلنا أمام الله، سنجد رحمة (1 يوحنا 1: 9). يمكنك أن تضع أمامه الفشل من كل جوانب حياتك وسيجعلك أبيض كالثلج. إن كان بإمكاني أن أقترح تعديلاً على ترنيمة عيد الميلاد المحبوبة جدًا، فإن الترنيمة ستكون "تعالوا يا كل الفاشلين".

ليس هذا فقط، بل المسيح يعطينا كماله أيضًا. هذا صحيح، فهو لا يأخذ الأمور السلبيَّة الخاصة بنا فقط، ثم يتركنا في حالة محايدة. بل هو يعطينا بره ويتركنا في وضع إيجابي (2 كورنثوس 5: 21). يُحتسب كمال المسيح لنا ويعتبر ملكنا (رومية 3: 21-26). لا يهم ما حدث في ماضينا أو ما سيحدث في مستقبلنا، عندما ينظر الله إلينا كقاضٍ، لا يرى الفشل بل النجاح، لا يعرى العيوب بل الكمال، لا يرى عدم البر بل البر، لا يرى أي سبب للدينونة بل سبب للاحتفال (8: 1). بالإيمان بالمسيح، يُستبدَل فشلنا بإنجازاته.

الفشل لا يصفنا:

نتيجة هذا الأمر ليست أننا لا نخطئ ثانية أبدًا. لا، بل نتيجة هذا الأمر هي أن الفشل لم يعد يصفنا. إلهنا ومخلصنا لا يصف شعبه بفشلهم بل بإيمانهم. انظر إلى كل قصص الفشل في حياة قديسي العهد القديم، وانظر أيضًا إلى كيفية وصف الله لهم في عبرانيين 11. فهي ليست قائمة الفشل بل قائمة الإيمان. وهو لا يذكر مرات تعثُّرهم بل يحتفل بنجاحاتهم من خلال إيمانهم بالمسيح وحده. مازال الفشل جزءًا من هويتنا، ولكنه لم يعد الجزء الرئيسي. مازال جزءًا من حياتنا ولكنه لا يصفنا، ليس هو الكلمة الأخيرة، وهو ليس الكلمة الأولى بكل تأكيد. الفشل ليس ما يراه الله أولاً عندما ينظر إلى شعبه، ولا يجب أن يكون ما نراه أولاً عندما ننظر إلى ذواتنا أو إلى مسيحيين آخرين أيضًا. نحن أبرار في المسيح. هذه هي هويتنا الأولى. هذا ما يراه الله أولاً، وهذا ما يجب علينا أن نراه أولاً أيضًا.

الفشل يجعل السماء أقرب:

لا يهم عدد المرات التي نعترف فيها بفشلنا، والتي يُغفر فيها لنا فشلنا، ونبدل فشلنا ببر المسيح، طالما نحن في هذا العالم، فإننا سنفشل. المرة تلو الأخرى. يبقينا هذا متضعين، ويبقينا معتمين على المسيح، ويبقينا ناظرين إليه. ولكن، أول كل شيء، فإنه يبقينا ناظرين نحو السماء، المكان الذي لن يُعرف فيه الفشل ثانية. هل سنتذكر فشلنا هناك؟ نعم، ولكن بدون أي وجع، فقط بكونه مُغطى بغفران المسيح، وفقط ليُعلي من صوت تسبيحنا له:

الَّذِي أَحَبَّنَا، وَقَدْ غَسَّلَنَا مِنْ خَطَايَانَا بِدَمِهِ، وَجَعَلَنَا مُلُوكًا وَكَهَنَةً للهِ أَبِيهِ، لَهُ الْمَجْدُ وَالسُّلْطَانُ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. آمِينَ. (رؤيا 1: 5-6)

كما أننا سنرى فشلنا من منظور جديد تمامًا، ليس مجرد فشلنا الأدبي والروحي، ولكن احباطاتنا في العلاقات وفي العمل. سوف نرى عناية الله الحكيمة في السماح بكسر هذه العلاقة، وبالمأساة في مقابلة العمل تلك، وفي فقدان هذه الوظيفة، وهذا الاختبار الذي فشلنا به. عندما يضع الله فشلنا في إطار جديد، فيضع حوله الإطار الذهبي لسيادته الحكيمة، تتحول من قطع عشوائيَّة مجردة وقبيحة إلى تصميمات مصنوعة بجمال.

هل سنختبر أي فشل هناك؟ لا، أبدًا. لن نفشل ولن يفشل أي شخص آخر. ستكون دموع الإحباط جزءًا من الغمر الذي سيُمسح من أعيننا (رؤيا 21: 4). ستكون السماء قصة نجاح واحدة عظيمة وطويلة: نجاح أخلاقي، نجاح روحي، نجاح فكري، نجاح جسدي، نجاح علاقاتي، نجاح وظيفي، نجاح كنسي.

لذا، نعم، إن فشلنا الحالي يجب أن يقودنا للمسيح، ولكنه يجب أن يجعلنا نتوق للسماء أيضًا، وأن نستعجل اليوم الذي سيزول فيه ألم الفشل وعذاب الإحباط للأبد.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

ديفيد موري
ديفيد موري
الدكتور ديفيد موري هو أستاذ العهد القديم واللاهوت العملي في كلية التطهيرين المُصلَحة للاهوت، بمدينة جراند رابيدز، في ولاية ميشيجان، وهو قس لكنيسة جراند رابيدز المُصلَحة (Grand Rapids Reformed Church). وهو مؤلف كتاب "استكشاف الكتاب المقدس: خطة لقراءة الكتاب المقدس للأطفال" (Exploring the Bible: A Bible Reading Plan for Kids).