الشك واليقين| خدمات ليجونير
ما يُعلِّمه سفر القضاة للكنيسة
۳ فبراير ۲۰۲۱
سفر المزامير
۱٦ فبراير ۲۰۲۱

الشك واليقين

إن السعي في الحصول على اليقين التام للخلاص لطالما أزعج شعب الله. يضع العديد من المسيحيِّين إيمانهم في المسيح وحده من أجل الفداء، ولكنَّهم يظلوا يعيشون بشكوك حول موقفهم أمام الله. بالنسبة لهؤلاء القديسين الأعزاء، فإن الانحصار بين الشك واليقين يمكن أن يكون مُعوِّقًا لهم.

يمكن أن تحدث أزمة شك لأي من أتباع المسيح. حتى أقوى الوعَّاظ قد يفتقر إلى اليقين. اعترف جون أوين (John Owen) ذات مرة لأحد زملائه عن صراعه الشخصي من أجل يقين غفران الله. وأقرَّ قائلًا: "أنا شخصيًّا وعظت بالمسيح لعدَّةِ سنوات، في الوقت الذي لم يكن لديَّ فيه سوى معرفة اختباريَّة قليلة جدًا، إن وجدت، للدخول إلى محضر لله بالمسيح". على الرغم من أنه وعظ بالمسيح، إلا أنه شعر بالقليل من المسيح في حياته. ولكن بعد فترةٍ كانت فيه روحه "تحت قمع الرعب والظلام"، قال أوين إن الأمور بدأت تتغيَّر عندما "أراح الرب روحي بنعمته عن طريق تطبيق قوي" لمزمور 130.

بالنسبة للمسيحيِّين الذين يزعجهم الشك، توجد نصوص في الكتاب المُقدِّس تقدِّم الثبات مثل مزمور 130. كما قال تشارلز سبرجن، فإن كاتب المزمور يصعد من "أعماق الألم إلى ذروة اليقين". يرمز المزمور إلى الاختبار الذي يواجهه العديد من المؤمنين عند مواجهة الشك حيال إيمانهم. يمكن استخلاص أربع نقاط تطبيق على الأقل من هذا النص تتعلَّق بطبيعة الشك واليقين.

أولًا، أعماق الشك. "مِنَ الأَعْمَاقِ صَرَخْتُ إِلَيْكَ يَا رَبُّ. يَا رَبُّ، اسْمَعْ صَوْتِي. لِتَكُنْ أُذُنَاكَ مُصْغِيَتَيْنِ إِلَى صَوْتِ تَضَرُّعَاتِي" (الآيات 1-2). الشك المختص بموقف المرء أمام الله يمكن أن يُغرق حتى أكثر المؤمنين نضوجًا في هاوية الإحباط. قد ينشأ هذا النوع من الشك الروحي لعدة أسباب.  ربما نتيجة لدراسة الكتاب المُقدَّس أو الاستماع إلى وعظ أمين، يكون ضميرك قد تَبكَّت بسبب أنماط من الخطيَّة في حياتك. ربما كنت تمر بتجارب تسبَّبت في اهتزاز ثقتك في عناية الله. ومن الممكن أيضًا أن يكون شكك هو نتيجة عدم إيمان وعدم ثقة في وعود الله. في مثل هذه الأوقات، يجب أن نتذكَّر أن رب السماء والأرض يستمتع بالتنازل لسماع صرخات شعبه. فرحمته تصل إلى الأعماق. لذا، من أعماق الكوارث، في اقتباس لإعادة صياغة مارتن لوثر لهذا المزمور، نرفع أصواتنا بالرثاء، عالمين أن الله يسمع تضرعاتنا.

ثانيًا، الشلل الذي يُسبِّبه الشك. "إِنْ كُنْتَ تُرَاقِبُ الآثَامَ يَا رَبُّ، يَا سَيِّدُ، فَمَنْ يَقِفُ؟ لأَنَّ عِنْدَكَ الْمَغْفِرَةَ. لِكَيْ يُخَافَ مِنْكَ" (الآيات 3-4). إن اكتشاف الخطيَّة الساكنة فينا مصحوبًا بفهم ما تستحقه هذه الخطيَّة هو اختبار مخيف. إن كان الله يطلب "طهارة اليدين ونقاء القلب"، فإن نظرة واحدة إلى أيدينا وقلوبنا ستكشف أن لا أحد منَّا مُؤهَّل للوقوف "فِي مَوْضِعِ قُدْسِهِ" (مزمور 24: 3-4). الطريقة الوحيدة للصعود إلى جبل الرب هي من خلال بوابة مغفرته. يقوم مزمور 130: 3-4 بدور يشبه رومية 7-8 بالنسبة للرسول بولس. تلخِّص الآية 3 الثقل الساحق الذي نشعر به بسبب ذنب خطيتنا أمام الله القدوس. تعبِّر الآية 4 عن الحريَّة التي نتمتَّع بها في الاقتراب من الله ليس على أساس الاستحقاق الشخصي بل على أساس الغفران الإلهي. فقط نعمة الله يمكنها أن تحرِّرنا من الشلل الروحي الناتج عن إثمنا. ويذكِّرنا أوين أن "اكتشاف الإيمان لغفران الله هو أعظم دعم لنفس تُربكها الخطيَّة".

ثالثًا، تأخُّر اليقين. "انْتَظَرْتُكَ يَا رَبُّ. انْتَظَرَتْ نَفْسِي، وَبِكَلاَمِهِ رَجَوْتُ. نَفْسِي تَنْتَظِرُ الرَّبَّ أَكْثَرَ مِنَ الْمُرَاقِبِينَ الصُّبْحَ. أَكْثَرَ مِنَ الْمُرَاقِبِينَ الصُّبْحَ" (مزمور 130: 5-6). يدرك كاتب المزمور أن رجاءه لا يكمن في نفسه بل في كلمة الله. إن تكرار كلمة "الْمُرَاقِبِينَ" يؤكِّد على الحاجة إلى الصبر اليقظ. يجب أن يكون لدينا رجاء نشط في كلمة الله وننتظره بصبر لكي يعزينا. نادرًا ما يكون اليقين فوريًّا. ولكن كما ينتظر المراقب شمس الصباح، هكذا ننتظر الرب بشغفٍ.

رابعًا، رجاء اليقين. "لِيَرْجُ إِسْرَائِيلُ الرَّبَّ، لأَنَّ عِنْدَ الرَّبِّ الرَّحْمَةَ وَعِنْدَهُ فِدًى كَثِيرٌ، وَهُوَ يَفْدِي إِسْرَائِيلَ مِنْ كُلِّ آثَامِهِ" (الآيات 7-8). رجاؤنا هو أن رب العهد سيأتي بكل تأكيد لمن ينتظرونه. وعندما يأتي، يُحضر الرحمة وفدًى كثير ليُخلِّص شعبه من كل آثامهم. إن الرجاء في الله يحوِّل شك كاتب المزمور إلى يقين.

اليقين ليس ضروريًّا للإيمان بالمسيح، ولكنَّه حيوي لسلامة إيمانك. كما قال البيرويتان التطهُّري توماس بروكس (Thomas Brooks)، أن تنال نعمة الله —وأن تعرف أن لك نعمته — هو أن تختبر "السماء على هذا الجانب من السماء". يكمن جمال اليقين في أنه يُحضر بركات السماء إلى الأرض هنا والآن ليستمتع بها شعب الله المصابين بالشك.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

جون تويدال
جون تويدال
الدكتور جون تويدال هو العميد الأكاديمي وأستاذ اللاهوت في كلية الكتاب المقدس للإصلاح (Reformation Bible College) بمدينة سانفورد في ولاية فلوريدا، وقسيس في الكنيسة المشيخيَّة في أمريكا (Presbyterian Church in America).