أيٌ من الناموس مُلزِم؟
۲ فبراير ۲۰۲۱
الشك واليقين
۹ فبراير ۲۰۲۱

ما يُعلِّمه سفر القضاة للكنيسة

وَقَامَ بَعْدَهُمْ جِيلٌ آخَرُ لَمْ يَعْرِفِ الرَّبَّ، وَلاَ الْعَمَلَ الَّذِي عَمِلَ لإِسْرَائِيلَ. (قضاة 2: 10)

يبدو أنه من غير المعقول أن يحدث ذلك. بعد جيل واحد فقط من يشوع، لم يعد شعب إسرائيل يعرف الرب. كيف يمكن أن يحدث مثل هذا التطوُّر؟

هذا سؤال مهم للغاية، ليس فقط لشعب إسرائيل القديم، ولكن بالنسبة لنا أيضًا. شهدت الكنائس أيضًا تدهورًا مفاجئًا من جيل إلى آخر. فكيف نفهم هذا النوع من المصائب ونمنعه؟

يقدِّم سفر القضاة إجابة واضحة جدًا على أسئلتنا. وهذه الإجابة لا تطرح كل ما يمكن قوله بشكل عام، لكنها تقول أشياء مُحدَّدة وهامة يجب علينا التفكير فيها لفهم كل من وضع إسرائيل وضعفنا.

في البداية، يُظهر لنا سفر القضاة أن إسرائيل انزلقت في كارثة عندما ابتعدت عن العيش بالإيمان بكلمة الله واتجهت نحو العيش بالعيان بحكمة العالم وقيمه. فكما نرى في قضاة 2-3، انحدرت إسرائيل بسرعة إلى الخطية الجسيمة والعصيان، حيث عبدت الأوثان وخدمت مذابح البعل وأقامت زيجات مُختَلَطة مع أولئك الذين لم يعبدوا الرب. إن عبادة الأوثان والزواج المُختَلَط مع الأمم هي الخطايا العظيمة التي حذَّر منها يشوع إسرائيل مرارًا وتكرارًا (يشوع 23: 6-13). وهو فعل ذلك لأسباب وجيهة، حيث إن هاتين الخطيَّتين العظيمتين مترابطتان. أحدهما يؤدِّي إلى الآخر ويعزِّزه.

لكن هذا الانحدار إلى عبادة الأوثان والزواج المُختَلَط مع الأمم لم يحدث من تلقاء نفسه. كانت هذه الخطايا الجسيمة هي النتائج النهائيَّة للمساومات المختلفة التي قدَّمتها إسرائيل في وقت سابق. لقد خدمت إسرائيل الرب بأمانة في بداية سفر القضاة، لكن بدأ ذلك يتغيَّر في قضاة 1: 19 حيث نقرأ: "وَكَانَ الرَّبُّ مَعَ يَهُوذَا فَمَلَكَ الْجَبَلَ، وَلكِنْ لَمْ يُطْرَدْ سُكَّانُ الْوَادِي لأَنَّ لَهُمْ مَرْكَبَاتِ حَدِيدٍ". لا يبدو أن شعب إسرائيل حاربوا بالفعل المركبات الحديد وهُزموا. بل يبدو أنهم رأوا مركبات من حديد وقرَّروا عدم القتال. يبدو هذا القرار منطقيًّا ومناسبًا للغاية لشعب يعيش بالعيان. كانت المركبات الحديد أقوى سلاح عسكري في ذلك الوقت.

ومع ذلك، فقد دُعيت إسرائيل للعيش بالإيمان بكلمة الله. فقد وصلت إليها كلمة الله على يد يشوع الذي قال: "فَتَطْرُدُ الْكَنْعَانِيِّينَ لأَنَّ لَهُمْ مَرْكَبَاتِ حَدِيدٍ لأَنَّهُمْ أَشِدَّاءُ" (يشوع 17: 18). لاحقًا في سفر القضاة، يتبيَّن لنا كيف حفظ الله وعده لأن دبورة وباراق كانا قادرين على هزيمة يابين ملك الكنعانيِّين، على الرغم من أنه كان لديه تسعمائة مركبة من حديد (قضاة 4: 3). تذكِّر كلمة الله شعب الله بأن الله: "لاَ يُسَرُّ بِقُوَّةِ الْخَيْلِ. لاَ يَرْضَى بِسَاقَيِ الرَّجُلِ. يَرْضَى الرَّبُّ بِأَتْقِيَائِهِ، بِالرَّاجِينَ رَحْمَتَهُ" (مزمور 147: 10-11).

يمكننا أن نرى الخطأ الذي حدث وهو العيش بالعيان وليس بالإيمان، لكن هذا لا يوضِّح لنا سبب حدوث الأخطاء. لذلك، يجب أن نعود مرة أخرى إلى كلمات يشوع:

فَقَالَ يَشُوعُ لِلشَّعْبِ: «لاَ تَقْدِرُونَ أَنْ تَعْبُدُوا الرَّبَّ لأَنَّهُ إِلهٌ قُدُّوسٌ وَإِلهٌ غَيُورٌ هُوَ. لاَ يَغْفِرُ ذُنُوبَكُمْ وَخَطَايَاكُمْ. وَإِذَا تَرَكْتُمُ الرَّبَّ وَعَبَدْتُمْ آلِهَةً غَرِيبَةً يَرْجعُ فَيُسِيءُ إِلَيْكُمْ وَيُفْنِيكُمْ بَعْدَ أَنْ أَحْسَنَ إِلَيْكُمْ». (يشوع 24: 19-20)

ربما تقول: "انتظر لحظة لأفهم". إذا كانت إسرائيل غير قادرة فكيف كانت مسؤولة؟ بأي معنى لم يكونوا قادرين؟ ماذا قصد يشوع عندما قال هذه الكلمات؟ لم يقصد أن الشعب كان غير مُجدَّد بشكل فردي وبالتالي غير قادر. ولم يقصد أنهم لن يكونوا كاملين في حفظ الناموس وبالتالي لن يكونوا قادرين. يبدو أنه قال إنهم سيكونون بلا قائد إذ ليس لديهم موسى ولا يشوع ولا الشيوخ الذين عرفوهم، وبالتالي لن يتم قيادتهم وحمايتهم بأمانة لكلمة الله.

كان يشوع يدرك أن الله لن يعطيهم موسى أو يشوع آخر. كان سيعطيهم قضاة يكونون لهم مُخلِّصين (قضاة 2: 16). لكن هؤلاء القضاة سيكونون قادة محليِّين ومؤقَّتين فقط. الدرس الذي كان يُعلِّمه الله لإسرائيل ولنا بطرق مختلفة في سفر القضاة هو أن الشعب كان بحاجة إلى ملكٍ صالحٍ وأمين. كانت مشكلة إسرائيل واضحة: "وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ لَمْ يَكُنْ مَلِكٌ فِي إِسْرَائِيلَ. كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ يَعْمَلُ مَا يَحْسُنُ فِي عَيْنَيْهِ" (17: 6).

كان على إسرائيل أن تتعلَّم احتياجها إلى ملكٍ، وبالتالي تتوق إلى ملكٍ، ليس ملكًا مثل سائر الأمم كما كان الحال مع شاول، بل رجل بحسب قلب الله، أي داود. ولكن حتى داود لم يستطع حماية شعب الله وقيادته إلى النهاية. لقد أخطأ، وانقسم بيته، ومات. إذن، مَن هو ذلك القائد —الكامل، والأمين، والذي لا يموت— لشعب الله؟ من الواضح أن يسوع هو ذلك الملك.

إذن، ما هو العلاج للكنيسة ومشاكلها؟ ما الذي سيحافظ على معرفة الله الخلاصيَّة من جيل إلى جيل؟ إنها تبعيَّة الملك يسوع حسب كلمته. وحين تفشل الكنيسة في القيام بذلك، ستجد نفسها مثل إسرائيل، غير قادرة على العيش بالإيمان بدلًا من العيان. ولكن عندما تتجه الكنيسة إلى يسوع وتتبع الخدَّام الذين يكرزون بكلمته بأمانة، فإنها ستعيش في محضره. إن سفر القضاة هو مرآة مرفوعة أمام الكنيسة تجبرنا على أن نسأل أنفسنا: "هل يسوع هو ملكنا ونعيش بالإيمان بكلمته؟" إذا كان الجواب نعم، فإن الكنيسة ستعرف الرب من جيلٍ إلى جيل.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

روبرت جودفري
روبرت جودفري
الدكتور روبرت جودفري هو عضو هيئة التدريس في خدمات ليجونير والرئيس الفخري لكليَّة لاهوت وستمنستر في كاليفورنيا والأستاذ الفخري لتاريخ الكنيسة بها. وهو الأستاذ المُميَّز في سلسلة ليجونير التعليميَّة المكوَّنة من ستَّة أجزاء بعنوان "مسح شامل لتاريخ الكنيسة" A Survey of Church History. تشمل كتبه العديدة "رحلة غير مُتوقَّعة" An Unexpected Journey، و"تعلَّم أن تحب المزامير" Learning to Love the Psalms.