شمامسة للإغاثة
۱۵ أغسطس ۲۰۱۹
هل يوجد طريق واحد فقط للخلاص؟
۲۱ أغسطس ۲۰۱۹

دراسة اللاهوت معًا تحت قيادة الروح القدس

الجماعة. هي كلمة غريبة اليوم، داخل الكنيسة وخارجها. لقد ترك عصر ما بعد الحداثة، بكل وعوده الخاصة بالتحرُّر من قيود الهياكل الاستبداديَّة، مجتمعاتنا مجزَّأة، ووحيدة، ومخدوعة. لهذا السبب يبحث الجميع عن الجماعة. ومع ذلك، واحدة من المفارقات الرئيسيَّة في الثقافة الغربيَّة لعصر ما بعد المسيحيَّة هي أننا مازلنا نقدَّر بشدة الفرديَّة الصارمة بينما في ذات الوقت نأسف لافتقارنا للجماعة.

بكل تأكيد، إن كان تاريخ الكنيسة قد علَّمنا أي شيء، فقد علَّمنا أن الكنيسة ليست محصنة من تأثير الثقافة المحيطة بها. فليس من المدهش أن تُرى فكرة دراسة اللاهوت بشكل جماعي على أنها فكرة غريبة، إن لم تكن جديدة على الإطلاق، في الكنائس الإنجيليَّة. ولكن يعلِّمنا كل من الكتاب المقدس وتاريخ الكنيسة أن الروح القدس لا يرشد المؤمنين أفرادًا فقط (رومية 8: 4)، بل الكنيسة كجماعة.

الأساس الكتابي:

قبل المضي قدمًا، نحتاج أن نضع الأساس الكتابي الذي يؤكِّد ادِّعائنا بأن الروح القدس لا يعمل في الأفراد فحسب، بل في الكنيسة ككل. ثم سنتناول حالة لاختبار اطروحتنا قبل الختام بما أرجو أن يكون بعض التطبيقات العمليَّة من دراستنا.

يعلِّم العهد الجديد بشكل شامل أنه عندما يقر البشر بإيمانهم بالمسيح، سينضمُّون إلى مجموعة محليَّة من المؤمنين. في الحقيقة، أقول إن الكثير من العهد الجديد سيكون غير مفهوم إن قُرأ على أي نحو آخر. على سبيل المثال، يعطي يسوع القدرة على قبول أو رفض الأشخاص من ملكوت الله للرسل ولمن يعلِّموهم (متى 18: 18). علاوة على ذلك، يوصينا يسوع أن نعمِّد التلاميذ ثم أن نعلِّمهم (28: 20). كل من هذه الوصايا من الرب للكنيسة تفترض مسبقًا وجود كنيسة كي تستقبلهم.

ليس من المدهش أن أغلبيَّة رسائل بولس موجهة لكنائس محليَّة (على سبيل المثال: رومية 1: 7، 1 كورنثوس 1: 2، أفسس 1: 1). وبالمثل، حتى الرسائل الرعويَّة، بالرغم من أنها موجهة لأفراد من القسوس، هي في العموم إرشادات حول كيفيَّة الخدمة في الكنيسة المحليَّة. يأمر بولس أن تُقرأ رسائله في الكنائس (كولوسي 4: 16، 1 تسالونيكي 5: 27) ويفترض أن أوامره العديدة ذات "بعضكم بعضًا" ستُسمع في الكنيسة المحليَّة.

ولكن دعونا نركز للحظة على نصٍ واحد يعلِّم بوضوح أن الروح القدس فعَّال في الكنيسة، يرشدها أثناء رحلتها في بريَّة هذه الحياة. في يوحنا 14: 15-31، طمأن يسوع تلاميذه المحاصرين بأن موته لا يعني نهاية خدمته. سيرسلان هو والآب الروح القدس ليكون معهم للأبد (الآية 16). وسيعلِّمهم الروح القدس ويجعلهم يتذكَّرون ما قاله يسوع (الآية 26). ثم أكمل يسوع حديثه موضحًا أن الروح القدس سيرشدهم في كل الحق (16: 13).

من الملف للنظر أن ضمير المخاطب "أنتم" يُستخدم ثلاثين مرة تقريبًا في يوحنا 14: 15-31 ولم يأتي مرة بصيغة المفرد. فهو بصيغة الجمع دائمًا. لماذا؟ لأن يسوع يعد بإرشاد الروح القدس ليس للأفراد فقط بل لكنيسته. قاد الروح القدس الرسل وآخرين، وفقًا لوعد يسوع هنا، لكتابة الأسفار التي أصبحت العهد الجديد. يتحدَّث نفس الروح من خلال هذه الكلمات اليوم (إلى جانب العهد القديم، بالطبع)، ولكنه يتحدَّث من خلال النصوص الكتابيَّة لا للأفراد فحسب، بل لكنيسته أيضًا. لم يكن القصد من التلمذة المسيحيَّة أبدًا أن تتم بمعزل عن الآخرين، ولكن في خضوع، للمسيح ولكلمته الموحى بها بالروح القدس أولاً، وثانيًا من خلال أولئك الذين وهبهم الرب لكنيسته ليخدموا بمواهب التعليم والوعظ (انظر أفسس 4: 11-12؛ عبرانيين 13: 7).

السابقة التاريخيَّة:

لا يوجد فقط سابقة كتابيَّة لدراسة اللاهوت داخل الجماعة، ولكن الممارسة موثَّقة جيدًا عبر تاريخ الكنيسة. يقدم هيوز أوليفانت أولد (Hughes Oliphant Old) في كتابه الضخم المتعدِّد الأجزاء حول تاريخ الكتاب المقدس والوعظ في الكنيسة، صورة عن الوضع التاريخي الذي تعلَّم يسوع والرسل من خلاله كيفيَّة تقديم اللاهوت. كتب قائلاً: "كانت تمارس اليهوديَّة التي أتى منها يسوع والرسل خدمة الكلمة ليس فقط من خلال قراءة الكلمة والوعظ بها في المجامع، بل أيضًا من خلال جلسات دراسيَّة منتظمة في مدارس الرابيَّين". بعبارة أخرى، كان يتم تدريس اللاهوت داخل الجماعة في إسرائيل قديمًا. علاوة على ذلك، فإن ربنا ورسله قد تعلَّموا جيدًا أيضًا التقاليد الشفهيَّة للمدراش والميشناه، والتي كانت جزءً أساسيًّا من التعليم العبري، مما يؤكِّد مرة أخرى على التركيز الجماعي للتفسير.

لم يكن هذا النوع من الدراسة مخصصًا فقط للعلماء من اليهود. يكتب أولد قائلاً: "إن دراسة الأسفار المقدسة والتقليد لم تكن مهمة مخصصة للكهنة أو الرابيِّين، أو لأي منصب مهني. بل كانت واجبًا مقدسًا وبهجة سماويَّة لكل يهودي متديِّن". لاحظ هنا التوازن الذي رأيناه بالفعل في الكتاب المقدس نفسه؛ أي أن دراسة الكتاب المقدس كانت عمليَّة جماعيَّة مشتركة وفرديَّة أيضًا.

ولم يكن هذا الأمر مجرد ظاهرة يهوديَّة قديمة. عاد صديق لتوِّه من رحلته الأولى إلى إسرائيل. أثناء وجوده هناك، تمتَّع بتناول وجبة غذائيَّة في المدينة القديمة مع مجموعة من الحاخامات عشية يوم السبت اليهودي. روى صديقي ما حدث. في البداية، قرأ الحاخام الرئيسي جزءًا من العهد القديم باللغة العبريَّة. ثم تناقش الحاخامات الآخرين في هذا الجزء لمدة عشرين دقيقة. بدأت العملية كلها حوالي الساعة الثامنة والنصف مساءً. ولكونه مرهقًا من السفر، غادر صديقي أخيرًا في الساعة الحادية عشر مساءً، بينما كان الحاخامات مازالوا مستمرين بقوة. في اليوم التالي، رأى صديقي الحاخام الرئيسي، الذي أبلغه على الفور أنهم انتهوا في حوالي الساعة الثانية صباحًا كعادتهم.

تقدِّم كتابات المصلحين الأدلة الكافية على استمرارهم في دراسة اللاهوت بهذه الطريقة اليهوديَّة. من المصلحين الأوائل وحتى التطهيريِّين، كانوا في حوار مع كل شخصٍ بداية من المفسرين اليهود الأوائل إلى آباء الكنيسة ثم الكُتّاب المعاصرين. لم يدرسوا أبدًا اللاهوت بمعزل عن الباقين، ولكنهم تعلَّموا من كتابات الماضي في حين لم يجعلوا هذه الكتابات تعوق بأي حال من الأحوال السلطة المطلقة للكتاب المقدس.

يلخص المؤرخ ريتشارد مولر (Richard Muller) نهج المصلحين قائلاً: "هم... افترضوا أهمية صوت الكنيسة وخصوصًا في الحوار التفسيري... كانت النصيحة للمفسرين، في كتب التفسير، أن يستشيروا تفاسير التقليد الأقدم، ليس كسلطة بمفهوم الكنيسة الكاثوليكيَّة بروما بل كمصادر سليمة للإرشاد". على هذا الأساس، من الأفضل للكنيسة الإنجيليَّة الحديثة أن تحاكي أسلوب الكنيسة المُصلَحة الأولى التي أنجبتها.

التطبيقات العمليَّة:

ربما تكون الأسئلة الرئيسيَّة التي تُطرح هنا هي، إن كان الروح القدس يرشد شعب الله، فلماذا هناك الكثير من الأخطاء في تاريخ الكنيسة، ولماذا دُفنت الكثير من الحقائق المهمة لفترة طويلة؟ هذا سؤال مشروع وصعب. دعوني أحاول الإجابة من خلال فكرتين.

أولاً، يوضح ربنا أن التعاليم الغريبَّة ستصيب الكنيسة دائمًا حتى عودته (متى 24: 11). يتنبأ الرسول بولس بالشيء نفسه (أعمال الرسل 20: 29؛ 2 تيموثاوس 4: 3-4)، بينما قضى يوحنا الرسول رسالتين من رسائله الثلاثة مركزًا على مشكلة المعملين الكذبة. لذلك، لا يجب أن نندهش من وجود أنبياء كذبة، وديانات كاذبة، وتعاليم كاذبة تخرب رسالة الإنجيل وتهدِّدها. كان هذا الأمر شائعًا في الكنيسة الأولى.

توضِّح عقيدة التبرير بالإيمان وحده هذه المشكلة. يشتكي المدافعون الكاثوليك في كنيسة روما المقدامون من أن العقيدة البروتستانتيَّة جديدة في تاريخ الكنيسة. ويسألون: "أين كانت قبل الإصلاح؟" وعلى الرغم من أن الإجابة الكاملة على هذا السؤال تتجاوز نطاق هذه المقالة، وأن السؤال يفترض بشكل غير دقيق الغياب الكامل لهذا العقيدة قبل الإصلاح، إلا أنه لا يجب أن نقلق من هذا الاعتراض. ففي النهاية، كان بولس يتعامل بالفعل مع انشقاق واسع النطاق عن عقيدة التبرير بالإيمان وحده في كنيسة غلاطية في القرن الأول. علاوة على ذلك، فإن القراءة الشاملة الجيدة للكتاب المقدس تعلِّمنا أن نتوقَّع هذا النوع من الخطأ العقائدي. فالخطية تجعلنا نفكِّر أن نعمة الله القوية صالحة جدًا بشكل لا يمكن تصديقه. إن اختفاء عقيدة التبرير بالإيمان وحده في كنيسة العصور الوسطى لا يدل على غياب الروح القدس بل على تأكيد تحذيراته السابقة.

ثانيًا، وفي الختام، يجب علينا ببساطة العودة إلى سيادة الله. لماذا سمح بالكثير من التعاليم الخاطئة؟ قد لا نعرف الأسباب المحدَّدة، ولكننا نعرف السبب العام: الله كلي السيادة، أما نحن فلسنا كذلك. لقد اختار أن يجري الأمور بهذه الطريقة، ويجب علينا أن نسجد في فهمنا الضعيف أمام حكمته العظيمة وغير المحدودة.

ولكننا دعونا ألا نتوقف هنا. دعونا نتذكَّر أنه على الرغم من أننا قد لا نفهم طرق الله، إلا أنه يمكننا أن نثق بها جميعها. لأن ملك الكنيسة، ربنا يسوع المسيح، وعد بأنه بينما يرشد شعبه بروحه إلى المجد، فإنهم سيصمدون في مواجهة كل خراب العالم. لذلك، لنتشجع جميعًا بكلمات جون أوين (John Owen) الخالدة، ونحن ندرس اللاهوت كأفراد وبشكل جماعي مشترك:

لكي يأخذ إنسان على عاتقه، وبشكل رسمي، تفسير أي جزء من الكتاب المقدس بدون التوسُّل إلى الله أن يتعلَّم بروحه القدوس وتحت إرشاده هو أمر بغيض جدًا له؛ ولا أتوقَّع اكتشاف الحق من قبل أي شخص يشارك بشكلٍ متعجرف في عملٍ أكبر بكثير من قدراته.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

جبرائيل فلورير
جبرائيل فلورير
الدكتور جبرائيل فلورير هو قسيس شريك للتلمذة في الكنيسة المشيخيَّة الأولى بمدينة كولومبيا، في ولاية ساوث كارولينا. وهو محرر كتابي "الكفارة" (Atonement) و"الأساس الراسخ" (Solid Ground).