نقيض اللعنة
۳۰ يونيو ۲۰۲۰
مسرة الله في الاختيار
٦ يوليو ۲۰۲۰

استمرارية الإصلاح

إن عام 2017 هو عام مارتن لوثر حيث تذكَّرنا واحتفلنا بالإصلاح. ولكننا يجب أن نواصل الإصلاح، فهو ليس متحفًا نزوره من حين لآخر ضمن جولة سياحيَّة. كان الإصلاح ولا يزال حركة هامة للحق والحياة في كنيسة يسوع. كيف نحافظ على هدف الإصلاح وندفعه للأمام؟ يعتقد البعض أن الإجابة عن هذا السؤال نجدها في الشعار "مُصلَحون ودائمًا مُصلِحون". فنحن نواصل الإصلاح عن طريق أن نستمر في الإصلاح دائمًا. هذا الشعار هو بالفعل مفيد إذا فهمناه بشكلٍ صحيح. المشكلة هي أنه في بعض الأحيان يُستخدَم هذا الشعار لتبرير عكس ما كان يقصده في الأساس.

أولئك الذين يُسيئون استخدام هذا الشعار ينتهي بهم الأمر بقول شيء من قبيل: كان على الإصلاح أن يُغيِّر الأشياء الخاطئة التي كانت داخل الكنيسة، وعلينا أن نواصل تغيير الأشياء الخاطئة التي في الكنيسة. يجب أن نجعل المسيحيَّة مفهومة بشكلٍ أوضح وذات صلة بواقعنا اليوم. يجب أن نتخلَّص من الشكليَّات والناموسيَّة حتى نتمكَّن من المضي قُدمًا في العمل الكرازي العظيم. يجب أن نستمر في الإصلاح دائمًا.

للوهلة الأولى، قد يبدو هذا الاستخدام للشعار جيدًا. فجميعنا نريد أن تكون المسيحيَّة حيَّة فعَّالة، ومفهومة، وعاملة بالكرازة. ولكن في كثير من الأحيان، يبتعد في الواقع مَن يستمرِّون دائمًا في الإصلاح عن الإصلاح واهتماماته العظيمة بشأن الكتاب المقدس والتبرير، وبشأن العبادة، والوعظ، والفرائض المُقدَّسة. فهم يُبسِّطون أو يختزلون المسيحيَّة بطرق تتجاهل العديد من القضايا الهامة المرتبطة بالحق الكتابي. فتعبير "دائمًا مُصلِحون" صار يعني الازدياد في التوافق مع مُتطلِّبات ومعايير العالم.

هذا الأسلوب في التعامل مع الشعار ليس على الإطلاق ما كان يعنيه أصلًا — أو ما يجب أن يعنيه لنا اليوم. إن أصل هذا الشعار مُبهم، ولكن معناه ليس كذلك. لقد صُمِّم هذا الشعار ليوضِّح نقطتين في غاية الأهميَّة حول هويَّتنا كمؤمنين مُصلَحين.

مُصلَحون:

النقطة الأولى هي أننا مُصلَحون. يجب أن نتذكَّر أننا حين نُطلق على أنفسنا كلمة مُصلَحون فهذا في الواقع اختصار. فالعبارة الكاملة هي: نحن مؤمنون أصلحتنا كلمة الله. نحن مُصلَحون بمعنى أن كلمة الله قد غيَّرتنا وطهَّرتنا. ما زلنا مسيحيِّين ننتمي للكنيسة الجامعة، بمعنى أننا نقبل الأسفار القانونيَّة للعهد الجديد كما قبلتها الكنيسة الأولى، كما نقبل التعريفات القديمة لمفاهيم الثالوث والكريستولوجي. كما أننا أوغسطينيُّون في مفهومنا عن الخلاص. لكننا نتَّفق أيضًا مع المُصلِحين على أن تقاليد مختلفة للكنيسة، منذ العصور القديمة والوسطى، قد ابتعدت عن كلمة الله، وبالتالي كان يجب إصلاحها أو تصحيحها بواسطة الكتاب المقدس.

عندما نقول إننا مُصلَحون، فنحن نعني بذلك أن الإصلاح، ولا سيما الجناح الكالفيني للإصلاح، قد فهم الكتاب المقدس وقام بتطبيقه بشكل صحيح للمساعدة في تطهير العقيدة المسيحيَّة، والكنيسة، والمؤمنين أفرادًا. تم تلخيص وحِفظ الأفكار العظيمة للمُصلِحين عن كلمة الله في إقرارات الإيمان وأدلة الأسئلة والأجوبة للكنائس المُصلَحة. كانت هذه التعاليم صحيحة وما زالت صحيحة. فهي الإنجاز العظيم والراسخ للإصلاح. وفى استمراريَّة تمسُّكنا بها يكمن معنى أننا مُصلَحون أيضًا. مفهوم أننا مُصلَحون شيء تحدِّده إقرارات إيمان الكنائس المُصلَحة، والتي ما زال يؤمن بها المسيحيُّون المُصلَحون ويقبلونها بحق.

دائمًا مُصلِحون:

مع ذلك، ندرك أن كل جيل لا يحتاج فقط إلى أن يتعلَّم مرة أخرى معنى أن يكون مُصلَح، ولكن كل جيل يحتاج أيضًا أن يكون فعَّال في الاستمرار في الإصلاح دائمًا. نحتاج أن نستمر في الإصلاح دائمًا لأننا خطاة. فنحن نخفق في فهم واتباع الحق الإلهي كما يجب. وإذ ندرك أن المُصلِحون كانوا أيضًا خطاة ولم يفهموا كل شيء بشكلٍ تام، فإننا نريد دائمًا إصلاح أنفسنا وحياة كنائسنا عن طريق الرجوع دائمًا وأبدًا إلى كلمة الله لنسمح لها أن تُصلِحنا. لا يعني الاستمرار في الإصلاح دائمًا أن نسمح لأفكارنا الذكية عن احتياجات العالم الحاضر أن تُغيِّر الموروث الكتابي الذي تسلَّمناه من الإصلاح. ولكن يعني الرجوع لكلمة الله مثلما فعل المُصلِحون والسماح لها أن تغيِّرنا.

إحدى الطرق التي يمكننا من خلالها رؤية الحاجة إلى إصلاح أنفسنا هي في مجال المسيحيَّة والثقافة. كان جون كالفن مقتنعًا بأن الكنيسة يجب أن تؤثِّر على الثقافة والمجتمع من خلال تأسيسها قانونيًّا من قبل الدولة وبجعل الدولة تحظر الديانات المزيَّفة. اليوم، يعتقد معظم المسيحيِّين المُصلَحين أن الكتاب المقدس يُعلِّمنا شيئًا مختلفًا تمامًا عن الكنيسة والدولة، وعن المسيح والمجتمع. يمكن تفُّهم قلق العديد من المؤمنين حول التغييرات الأخلاقيَّة والفكريَّة الكُبرى التي تحدث في ثقافتنا. تضافرت عقود من التعليم العلماني، ووسائل الإعلام الليبراليَّة، والترفيه غير الأخلاقي مع قوى أخرى لقيادة العديد من الناس إلى منهجيَّة ما بعد مسيحيَّة للتفكير والعيش. إن المسيحيُّون على حق في اداركهم لمخاطر هذه التطوُّرات وفى بحثهم عن بدائل ثقافيَّة.

ولكن يجب أن نكون حذرين ألا نخلط بين هذه الاهتمامات الثقافيَّة ورسالة الإنجيل. فرسالة الإنجيل نفسها ليست برنامجًا ثقافيًّا. من المؤكَّد أن رسالة الإنجيل لها أهميَّة وتطبيقات عمليَّة ثقافيَّة. لكن رسالة الإنجيل المسيحيَّة يمكنها أن تزدهر في أي ثقافة، من روما الوثنيَّة إلى الثيوقراطيَّة الإسلاميَّة حتى الاستبداد الشيوعي. فرسالة الإنجيل هي الأخبار السارة بأن يسوع قد أكمل كل بر، وغلب الخطية والموت من أجل شعبه، وهو يبني خليقة جديدة تشمل كل شخص يتوب ويؤمن.

نتعلَّم عن هذا الإنجيل وعن حياة هذه الخليقة الجديدة التي هي نتاج هذا الإنجيل في الكتاب المقدس. إن مفهوم استمراريَّة الإصلاح يعني الرجوع الدائم إلى الكتاب المقدس حتى نتغيَّر ونصير أفضل. إنه الشغف أن نعرف، ونحب، ونعيش كلمة الله.

يوضِّح الفحص الدقيق للإرساليَّة العظمى المذكورة في متى 28: 16-20 لنا هذه النقطة. غالبًا ما يلجأ هؤلاء الذين يسيئون استخدام شعار "استمراريَّة الإصلاح" إلى هذا النص المهم لتبرير أساليبهم المُبتكرة والاختزاليَّة في حياة الكنيسة المُعاصِرة. ولكن عندما ننظر حقًا إلى كلمات يسوع، نرى بوضوح أنه لم يقل: "أفعلوا أي شيء سيدفع هدف الكرازة إلى الأمام". فماذا إذن قال؟

أولًا، نرى أن يسوع في الإرساليَّة العظمى يأمر مَن كانوا تلاميذه ورسله، أي أولئك الذين عبدوه حتى وإن كان لديهم بعض الشكوك. فهو قصد إعدادهم للعمل الذي دعاهم ليتمِّموه. وهو أعطاهم حقًا البرنامج الذي أرادهم أن يسعوا لتحقيقه في الكنيسة.

ثانيًا، قدَّم المسيح تصريحًا واضحًا عن نفسه. سوف يخدم التلاميذ يسوع بطريقة صحيحة وبأمانة فقط عندما يعرفون هويَّته. فهو ليس فقط مُعلِّمهم الذي مات وقام ثانية من الأموات، بل هو الرب العالي والمرتفع. إن قيامته لا تعني أنه على قيد الحياة مرة أخرى فحسب، بل أنه مُمجَّد باعتباره "رَئِيسِ مُلُوكِ الأَرْضِ" (رؤيا 1: 5). فقد دُفع إليه كل سلطان ليبني بالفعل كنيسته، ولا يمكن لأي قوى أرضيَّة أو روحيَّة أن تقف ضدَّه (متى 16: 18). فسلطانه يضمن النجاح الذي يبتغيه لكنيسته.

ثالثًا، كلَّف المسيح التلاميذ أن يتلمذوا آخرين. كان تكليفهم أن يتلمذوا آخرين من كل الأمم. فهم لا يقتصرون على إسرائيل أو اليهود بل تكليفهم هو إعلان الأخبار السارة لكل الأمم. ولكن، ما معنى أن يتلمذوا آخر ين، وهي طريقة آخري للسؤال ما معنى الوعظ بالإنجيل بشكل صحيح؟ إن تكليف المسيح له شقين، وهما التعليم والتعميد. يجب أن يُعلِّم الرسل الحق عن يسوع ليتلمذوا آخرين. طبقًا للمسيح، إن خدمة الكنيسة من وعظ وتعليم، خاصة ما يقوم به قادتها الرسميِّين، هي أمر ضروري لتلمذة الآخرين. كذلك يجب على التلاميذ المُكلَّفين بهذه الإرساليَّة أن يُعمِّدوا الآخرين أيضًا. تتطلَّب الإرساليَّة العُظمى خدمة الفرائض المُقدَّسة في الكنيسة وكذلك خدمة التعليم بها. إن المعموديَّة هي علامة وختم الحياة الجديدة للتلميذ وهويَّته الجديدة في المسيح.

رابعًا، حدَّد المسيح ما يجب أن يُعلِّمه التلاميذ. هذه النقطة في غاية الأهميَّة بشكل خاص. لم يأذن المسيح بموجز صغير عن خدمته. لا تتم صناعة تلاميذ جدد عن طريق أجزاء مُختارة من تعاليمه. بل يريد التلاميذ الحقيقيُّون كل تعاليم المسيح، ويستحقِّون ذلك، ويجب عليهم الحصول على ذلك. يتوق التلاميذ الحقيقيُّون إلى ملء الإعلان عن المسيح.

خامسًا، أكَّد المسيح لتلاميذه أنه أثناء قيامهم بإرساليَّته سيكون معهم دائمًا. فلن يتركهم سلطانه وسيادته. لا يحتاج النجاح في الإرساليَّة إلى المناورة والتلاعب لتحقيقه لأنه مضمون بحضور وبركة المسيح.

إن الإرساليَّة العُظمى هي بالفعل البرنامج الذي يجب أن تعمل الكنيسة من خلاله. لكن لا يجب أن نستخدم الإرساليَّة العُظمى كشعار لتبرير استخدام أي أسلوب للكرازة. لم يُكلِّف المسيح كنيسته أن تكرز بحسب حكمتها بل بحسب تعاليمه. إن الإرساليَّة العُظمى هي جزء من كلمته، ويجب أن تُصلِحنا دائمًا.

أحيانًا عبر التاريخ، تمر الكنيسة بتدهورٍ خطير في العقيدة أو السلوك ويجب إصلاحها بشكل شامل. وفى أوقات أخرى، قد يشعر المؤمنون بالإحباط من معدل نمو الكنيسة ويفترضون أن هناك حاجة إلى إصلاح جذري. لكن فقط الفحص الدقيق لكلمة الله يمكن أن يساعدنا في تحديد ما هو صحيح. حينما تكون هناك حاجة للإصلاح طبقًا لكلمة الله — كل كلمة الله — فيجب أن نسعى إليه بقوة. من ناحية أخرى، حينما تكون الكنيسة أمينة، يجب أن تثابر بصبرٍ وتنتظر مواسم نعمة أغنى من عند الرب.  قال لوثر عن إصلاحه: "كلمة الله فعلت ذلك". لذا، يجب أن نقول عن كل إصلاح جيِّد مُستمر: "كلمة الله يجب أن تفعل ذلك".

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

روبرت جودفري
روبرت جودفري
الدكتور روبرت جودفري هو عضو هيئة التدريس في خدمات ليجونير والرئيس الفخري لكليَّة لاهوت وستمنستر في كاليفورنيا والأستاذ الفخري لتاريخ الكنيسة بها. وهو الأستاذ المُميَّز في سلسلة ليجونير التعليميَّة المكوَّنة من ستَّة أجزاء بعنوان "مسح شامل لتاريخ الكنيسة" A Survey of Church History. تشمل كتبه العديدة "رحلة غير مُتوقَّعة" An Unexpected Journey، و"تعلَّم أن تحب المزامير" Learning to Love the Psalms.