استمرارية الإصلاح
۲ يوليو ۲۰۲۰
الإيمان والعقل
۱۳ يوليو ۲۰۲۰

مسرة الله في الاختيار

إن كنَّا سنأخذ الكتاب المقدس على محمل الجد، فلا بد أن نؤمن بالخطوط العريضة لعقيدة التعيين المُسبَق. في الواقع لم يُبتَدع مفهوم التعيين المُسبَق من قِبَل كالفن أو لوثر أو أوغسطينوس. يقول بولس الرسول في أفسس 1: 4-6 إن الله في المحبة "سَبَقَ فَعَيَّنَنَا لِلتَّبَنِّي بِيَسُوعَ الْمَسِيحِ لِنَفْسِهِ، حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشِيئَتِهِ، لِمَدْحِ مَجْدِ نِعْمَتِهِ الَّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَيْنَا فِي الْمَحْبُوبِ". إذن، التعيين المُسبَق كتابيًّا من حيث اللفظ والمفهوم.

لكن هذا المفهوم ذاته يثير السؤال: لماذا اختار الله أشخاصًا بعينهم دون آخرين؟ فنحن نعلم أن الأمر لا يستند إلى أي شيء نقوم به. فلا يعتمد على ما نسعى إليه، أو إرادتنا، أو فعلنا لأي شيء. بل يعتمد الأمر بالكامل على قصد الله، بحسب قول بولس في رسالته إلى كنيسة أفسس. لكن هذا يثير سؤالًا آخر: إذا كان سبب اختيار الله للبعض للحصول على بركة الخلاص العُظمى، دون غيرهم، ليس متأصِّلًا في أولئك المُختارين (رومية 9: 1-18)، ألا يعني هذا أن الله، بصورة أو بأخرى، استبدادي؟

دعونا نوضِّح ما نقصده بكلمة استبدادي. الأشخاص الاستبداديُّون يفعلون ما يفعلونه دون أي سبب. يفعلونه فحسب، وحين تسألهم لماذا فعلوا ذلك، في الغالب سيجيبونك: "لا يوجد سبب. فقط لمجرد نزوة". أعتقد أننا لا نحترم كثيرًا الأشخاص أصحاب الأهواء المُتقلِّبة مَن يفعلون أشياءً بلا سبب. فهل نحن، هنا، ننسب إلى الله هذا النوع من السلوك الأهوج أو العشوائي — بقولنا إنه استبدادي ومُتقلِّب؟  بكل تأكيد، لن يسمح لنا الكتاب المقدس بذلك.

هنا لا بد أن نُفرِّق بين فعل الله لشيء بلا سبب في المُطلق، وفعله لشيء بلا سبب فينا نحن. فنحن نعلن أننا نلنا نعمته ليس لأي سبب فينا. لكن حقيقة أنه ما من سبب فيَّ لخلاصي لا يعني أنه لا يوجد سبب لعمل الله. في الواقع يخبرنا الكتاب المقدس مرارًا وتكرارًا أن الله لديه سبب وراء اختياره البعض للخلاص وعدم اختياره الآخرين للفداء.

توضِّح أفسس 1: 11 القصد من وراء التعيين المُسبَق بإخبارنا أنه "حَسَبَ قَصْدِ الَّذِي يَعْمَلُ كُلَّ شَيْءٍ حَسَبَ رَأْيِ مَشِيئَتِهِ". يرتبط رأي مشيئة الله بحكمته وخطته وأفكاره. إن كلمة "رَأْيِ" ذاتها توحي بالذكاء وبسبب منطقي وراء الفعل، وأن مشيئة الله لا تنفصل أبدًا عن رأيه. فالشخص الاستبدادي تمامًا ليس له رأي، ولا يأخذ بأي رأي، ولا يسمع لأي رأي. هو يفعل فحسب. كما أن هذه الكلمة عينها، "رَأْيِ"، ينبغي أن تنبِّهنا إلى أن المفهوم الكتابي عن نعمة الله المُتسيِّدة جزء لا يتجزأ من حكمة الله، أي فكره الكامل. هذا ليس منافٍ للعقل، بل منطقي للغاية وبعيد كل البعد عن الاستبداد.

هناك كلمة رئيسيَّة أخرى مُستخدَمة كثيرًا فيما يتعلَّق بالتعيين المُسبَق والاختيار في الكتاب المقدس وهي كلمة "قَصْد". نقرأ في أفسس 1: 4-6 أن التعيين المُسبَق حسب قصد الله. إن الشخص الذي يفعل شيئًا استبداديًّا ليس لديه أي قصد. لكن يوضِّح العهد الجديد أن هناك قصد إلهي من نعمة اختيار الله، وجزء من هذا القصد هو إظهار غنى نعمته ليبيِّن رحمته (رومية 9: 22-24)، أي لإعلان شيئًا من شخصه البديع، إعلان من نعمته بالتأكيد. فهي تعلن عن رحمته المُدهشة الغنيَّة الرائعة. كما أن هناك قصد آخر، وهو قصد تمجيد المسيح. هل تتذكَّر الوعد إلى المسيح بأنه "مِنْ تَعَبِ نَفْسِهِ يَرَى وَيَشْبَعُ" (إشعياء 53: 11)؟ فبحسب رأي مشيئته، قرَّر الله منذ تأسيس العالم أن صليب يسوع المسيح سيحمل ثماره المُعدَّة، وأن المسيح سيشبع بثمار آلامه ومعاناته وموته.

لاحظ أنه حين يتحدَّث العهد الجديد عن الاختيار والتعيين المُسبَق، يقول دائمًا إننا مختارون في المحبوب، أي في المسيح. في الواقع، يخبرنا العهد الجديد أن الناس مختارون للخلاص كي يسكب الله الآب مجده ومحبته ورحمته على الله الابن (أفسس 1: 3-6). في الأساس، نحن لا ننال الفداء بسبب استحقاقنا بل بسبب استحقاق المسيح. فالله رؤوف معي كي يُكافئ ذاك الذي يستحق الجعالة — أي ابنه الوحيد. هل ترى هنا تقاطع النعمة مع العدل؟ إنه من الحق والعدل أن ينال المسيح ميراثًا، ونحن هذا الميراث. فأن نكون نحن هذا الميراث هو نعمة لنا وعدل للمسيح.

الأمر الأخير الذي أود ذكره نجده في أفسس 1: 5. إننا مختارون "حَسَبَ" — أي على أساس — "مَسَرَّةِ" مَشِيئَة الله. ما نوع المسرَّة التي يختارنا الله على أساسها؟ "حَسَبَ مَسَرَّةِ مَشِيئَتِهِ". فالله ليس لديه أي مسرَّة بمشيئة شريرة. وهذا أمر بالغ الأهميَّة هنا. الله لا يسر بالشر حتى وإن كنَّا نحن نسر به. في الحقيقة، نحن نُخطئ لأننا نُسر بالخطية. فإن لم تكن مُسِرَّة، لن ننجذب إليها أو نُجرَّب بها. لكن ما من شر في مشيئة الله. فالشيء الوحيد الذي يُسر الله دومًا هو الخير والصلاح، والمسرَّة الوحيدة التي لديه هي المسرَّة الصالحة، والقصد الوحيد الذي له هو قصد صالح.

من الواضح، إذن، أن الله في سر نعمته ليس هوائيًّا أو مُتقلبًّا أو استبداديًّا. على الرغم من أن سبب خلاصنا لا يعود إلى شيء فينا، فهذا لا يعني أن الله ليس لديه قصد من اختياره لمختاريه. بل لديه قصد، وهو قصد صالح.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

أر. سي. سبرول
أر. سي. سبرول
الدكتور أر. سي. سبرول هو مؤسِّس هيئة خدمات ليجونير، وكان أحد رعاة كنيسة القديس أندرو (St. Andrews Chapel) في مدينة سانفورد بولاية فلوريدا، كما كان أول رئيس لكليَّة الكتاب المقدَّس للإصلاح (Reformation Bible College). وهو مؤلِّف أكثر من مائة كتاب، بما في ذلك بما في ذلك "كلُّنا لاهوتيُّون" (Everyone’s A Theologian).