مَثَل الفعلة في الكرم
۹ مارس ۲۰۲۱
الخوف من التعرُّض للكراهيَّة
۱۲ مارس ۲۰۲۱

طوبى للودعاء

من المعتاد للمفسِّرين ومعلمي الكتاب المُقدَّس أن يفسِّروا كلمة "طوبى" في التطويبات على أنها تعني "أن نكون سعداء". الكلمة اليونانيَّة المُترجمة "طوبى" هي مكاريوس، وعلى الرغم من أن "السعادة" هي إحدى الطرق التي يمكن أن نترجم بها الكلمة، إلا أنها في السياق الأوسع للتطويبات، يبدو أن السعادة ليست هي المقصودة. فمن جهة، السعادة هي حالة عاطفيَّة شخصيَّة، وبالتأكيد في متى 5: 11، أن يتم الشتم والاضطهاد لا ينسجم مع مثل هذه الحالة. علاوة على ذلك، فإن ترجمة كلمة مكاريوس على أنها سعادة يؤدِّي إلى خطأ النظر إلى التطويبات على أنها سلسلة من النصائح حول كيف تكون سعيدًا، وهو ما لا يبدو أنه ما يفعله المسيح هنا. على العكس من ذلك، فإن التطويبات هي سلسلة من التصريحات النبويَّة لما يمنحه الله لمَن يقبله في ملكوته.

والسبب في منح تلك الميزات والفضائل أو إعطائها هو عدم امتلاكها بشكل طبيعي من قِبل المُتلقِّين لها، ولا يستطيع مُتلقُّوها من ذواتهم إظهار هذه الصفات. لأخذ خطوة أخرى إلى الأمام، فإن السمات الشخصيَّة المنصوص عليها في التطويبات ليست ما نطمح إليه في حالتنا الساقطة. هذا هو الحال بالتأكيد في متى 5: 5: "طُوبَى لِلْوُدَعَاءِ، لأَنَّهُمْ يَرِثُونَ الأَرْضَ". إن فكرة ربح العالم، سواء كأفراد أو كأمَّة، قديمة قدم تاريخ البشريَّة، وتردِّد صدى روح بُناة برج بابل من خلال كل مجهوداتهم: "هَلُمَّ نَبْنِ لأَنْفُسِنَا مَدِينَةً وَبُرْجًا رَأْسُهُ بِالسَّمَاءِ. وَنَصْنَعُ لأَنْفُسِنَا اسْمًا" (تكوين 11: 4). يبدو أن هذا هو هدف البشريَّة الساقطة، أفرادًا وجماعات: أن نصنع اسمًا لأنفسنا من خلال التجميع، أو الإنجاز، أو من خلال توسيع حدودنا. وعندما تكون هذه الأشياء هي المساعي التي تحدِّد الشخص أو الشعب، فإن الشخصيَّة المُميِّزة لذلك الشخص أو الشعب ستميل في اتجاه الجشع والكبرياء.

لذلك عند النظر إلى متى 5: 5، نلاحظ أن هذه الآية مرتبطة بنصوص مثل مزمور 37، حيث يتناقض طموح الأشرار العنيف في ربح الأشياء العالميَّة مع الأبرار الذين يُسلِّمون طريقهم إلى الرب ويتَّكلون عليه (مزمور 37: 5). في الآيات 9-10، نقرأ أن الأشرار سيُقطعون. علاوة على ذلك، لن يتم فقط ربح الأرض بل سيتم ورثها (الآيات 9، 11، 22، 34). وها هي المفاجأة: أولئك الذين يرثون الأرض هم الودعاء.

على عكس ما قد يعتقده الكثيرون، الوداعة ليست ضعفًا. في مزمور 37 وفي التطويبات، الوداعة هي التواضع والخضوع لله. مرة أخرى، بالنظر إلى مزمور 37، يسعى الأشرار إلى الربح بأي ثمن. في الآية 14 "الأَشْرَارُ قَدْ سَلُّوا السَّيْفَ وَمَدُّوا قَوْسَهُمْ لِرَمْيِ الْمِسْكِينِ وَالْفَقِيرِ"، وبينما يربحون أشياء تجلب المتعة المؤقَّتة، فقط الودعاء، أولئك الذين يتلذَّذون بالرب (الآية 4)، سيرثون الأرض.

لكن هذا يثير التساؤل حول كيف يصبح المرء وديعًا. أشرت سابقًا إلى أن التطويبات هي سلسلة من التصريحات لما يمنحه الله لمَن يقبله في ملكوته. لذلك، في ضوء متى 5: 5، يعطي الله الأرض كميراث. لكنه يعطي أيضًا الوداعة. أقول هذا بناءً على شيئين. من ناحية، الوداعة هي فضيلة يمتلكها المسيح في طبيعته البشريَّة (متى 11: 29)، مما يعني أنها جزء من برِّه العامل والفعَّال الذي يُنسب إلينا لتبريرنا. لكن من ناحية أخرى، الوداعة هي ثمر الروح القدس الذي يجعلنا الروح القدس نظهره في تقديسنا، كما تخبرنا غلاطية 5 :23.

النقطة المهمة هي أن الوداعة ليست أصيلة في حالتنا الساقطة. لذلك، في تبريرنا تُنسب وداعة المسيح إلينا بالإيمان وحده، وفي تقديسنا يشكِّلنا الروح القدس لنكون على صورة المسيح التي تتضمَّن وداعته. إذًا، بركة هذه التطويبة هي أن أولئك الذين ينظرون إلى المسيح بإيمان سيرثون الأرض لأن وداعته قد احتُسبت لهم وقد نالوا عطية الروح القدس، الذي يربطنا بالمسيح ويشكِّلنا لنكون شبهه.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

كين جونز
كين جونز
القس كين جونز هو راعي كنيسة جلينديل المعمدانيَّة (Glendale Baptist Church) بمدينة ميامي في ولاية فلوريدا.