الناموسيَّة في مقابل ديانة الإنجيل
۵ سبتمبر ۲۰۱۹
سر الحياة السعيدة
۱۹ سبتمبر ۲۰۱۹

في مواجهة السفسطائيين

إذا كان هناك مُعلِّمًا يعد الأبرز بين سجل المعلِّمين تاريخيًّا، فهو سقراط. يقف سقراط شامخًا وسط تاريخ الفلسفة التعليميَّة، ولا تكمن أهمية سقراط أو أهمية أفكاره في التاريخ القديم وحسب، بل في حاضرنا أيضًا.

تحلَّى سقراط بشغفٍ واهتمامٍ عميق بالخلاص. كان يحاول سقراط الحفاظ على الحضارة اليونانيَّة. والسبب وراء ذلك أن في عصره بزغت كارثة خطيرة كانت تشكِّل خطرًا صريحًا ومتجليًّا على الاستقرار المستمر لليونان. كانت كارثة تعليميَّة تفشَّت نتيجة السفسطائيَّة.

لفهم هذه الكارثة، علينا الرجوع قليلًا إلى الماضي وبالتحديد إلى القرن السادس ق.م. أي إلى فجر علم الفلسفة الغربيَّة في عصر ما قبل سقراط. لم يكن فلاسفة اليونان الأوائل مجرد حالمين بسطاء أو مفكِّرين متأمِّلين، بل كانوا في الوقت ذاته كبار علماء ذلك العصر. فقد اهتموا بمعضلات علوم الأحياء، والكيمياء، والفلك، والفيزياء. وبخلافنا، لم يفصلوا تمامًا بين دراسة علم الفيزياء ودراسة العلوم الميتافيزيقيَّة، التي هي دراسة الأمور التي تفوق المُحيط المادي. كان فلاسفة عصر ما قبل سقراط يتطلَّعون نحو الحقيقة المطلقة، تلك التي وراء العالم المادي.

مع ذلك، وقع مأزقًا حين فشل أفضل المفكرين، أمثال بارمينيدس وهرقليطس، في الاتفاق حول الحق المطلق. ونتيجة لهذا المأزق في البحث الفلسفي والعلمي، ظهرت مدرسة فكريَّة جديدة في أثينا. اعتنقت هذه المدرسة الفكريَّة مذهب الشكوكيَّة، معتقدة أنه إذا لم تستطع أعظم عقول الثقافة الاتفاق حول ماهيَّة الحق المُطلق، فمن المؤكَّد أن هذا الحق المطلق خارج نطاق الإدراك البشري. ما خلصت إليه هذه المدرسة الجديدة لم يكن في استحالة إدراكنا للحق المطلق فحسب، بل إن البحث عن الحق المطلق يعد مهمة حمقاء وساذجة. المعرفة الوحيدة التي يمكننا اكتسابها هي معرفة ما يمكننا أن نراه، ونتذوَّقه، ونشمَّه، ونلمسه، ونسمعه. فكل ما يمكننا اكتسابه هو معرفة المُحيط بنا والواقع الحالي الذي نحياه. نحن لا نعلم ما إذا كان هناك حقائق مطلقة أم لا. ما يهم حقًا هو التجربة اليوميَّة للحياة، لذلك يجب أن نوجِّه اهتمامنا بعيدًا عن هذا البحث عن الحق المطلق وندفعه نحو إدراك الحياة العمليَّة. لذا تحوَّل التعليم اليوناني بعيدًا عن السعي وراء الحقيقة من أجل الحقيقة إلى السعي خلف الأسلوب والمنهج الذي به يستطيع المرء الاهتمام بأموره العمليَّة. وعُرفت هذه المدرسة الفكريَّة بالسفسطائيَّة وعُرف أتباعها بالسفسطائيين.

وفي سياق المناظرات الحديثة، ربما سمعت أحد الأطراف ينعت الآخر قائلًا: "أنت تُسفسط". بهذا يقصد الشخص الذي وجه الاتهام أن خصمه يستخدم تفكيرًا سطحيًّا وغير مُطلع وضعيف الحُجة، أي تفكيرًا لا يرنو للمبادئ السامية. إن كلمة سفسطة مشتقة من سفسطائي وهو الشخص الذي شدَّد على التعليم بالبلاغة والفصاحة والتي لها دور في الخطب العامة. والآن، من الطبيعي تمامًا اتقان العامة الألفاظ ومفرداتها واستخدام المناسب منها في الخطب العامة. لكن تذكَّر أن السفسطائيين يؤمنون أن الحق في ذاته لا يمكن معرفته، لذا وضعوا فاصلًا بين البرهان والإقناع. فالبرهان ينطوي على تقديم دليل قوي من خلال التفكير المنطقي الذي بمقتضاه تتضح الفرضيات من خلال استنتاجاتها المنطقيَّة. أما الإقناع، على الجانب الآخر، يتعلَّق بالاستجابة العاطفيَّة. يمكن إقناع المرء دون التفكير في الأمر جديًّا. بمعنى آخر، يمكن للناس أن يتأثروا بأنماط الإقناع الماكرة عوضًا عن الاستجابة للحجج المُعدَّة والمُقدَّمة بعناية. بالنسبة للسفسطائيين، لا يهم ما إذا كان كلامهم حقيقي أم لا. ما يهم أنه أتى بثماره. هل كان الخطاب مقنعًا؟ إذا اقتنع السامعون، لا يهم إذا كان حقيقيًّا أم لا. لم يكن من الضروري أن تكون الحجة سليمة طالما كانت مقنعة. للأسف، تُستخدم هذه الفلسفة في الكثير من الحملات الإعلانيَّة الحديثة والخطابات السياسيَّة.

ظهر سقراط وسط هذا البيئة الفكريَّة وقال إذا انتصرت السفسطائيَّة في ثقافتنا، ستكون نهاية حضارتنا لأن هذا النمط الشكوكي والإقناع السطحي ينتزع الحياة من محيط الحق والحقيقة. إن كان لا يمكن تمييز أي شيء على إنه حق، فالذي سيتدمَّر هو القواعد والأسس التي يفرِّق بها البشر بين ما هو خير وما هو شر. قال سقراط إنه إن لم نستطع معرفة الخير، ستنهار الأخلاق والقيم المجتمعيَّة وتعود الحضارة للغوغائيَّة والبربريَّة.

حين تسيطر الشكوكيَّة على نظامنا التعليمي، فنحن على المسار السريع لانتحار حضارتنا. نراها حولنا الآن لأن الكثير من الناس في ثقافتنا ملتزمون بفلسفة النسبيَّة التي أساسها لا يختلف كثيرًا عن الافتراضات التي طرحها السفسطائيين القدماء في مجال التعليم. هذه النسبيَّة تتوسَّع في نظامنا التعليمي الذي تشكَّل بالفلسفة البراجماتيَّة (العمليَّة). تنادي البراجماتيَّة بأننا لا نستطيع معرفة أي شيء عن الحق المطلق، ولذلك فمهمتنا هي تعلُّم ما ينفع. وهذه سفسطائيَّة مرة أخرى من جديد.

إن الكارثة التي تُحيق بنا اليوم هي إعادة إحياء الشكوكيَّة التي غذت السفسطائيَّة. هذه الشكوكيَّة تقود التعليم، والأخلاق الاجتماعيَّة، والأعمال، وحتى القرارات السياسيَّة الصادرة عن العاصمة. فنحن في حاجة إلى سقراط جديد على استعداد أن يتجوَّل في الشوارع مشاركًا العامة في نقاشاتٍ جادة لكي يحفِّز فكرهم، ويظهر لهم أن هذا النهج يجعل المعرفة بحد ذاتها مستحيلة ولن تقود سوى إلى الجهل.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

أر. سي. سبرول
أر. سي. سبرول
الدكتور أر. سي. سبرول هو مؤسس هيئة خدمات ليجونير، وكان أحد رعاة كنيسة القديس أندرو في مدينة سانفورد بولاية فلوريدا، كما كان أول رئيس لكلية الكتاب المقدس للإصلاح. وهو مؤلف أكثر من مائة كتاب، بما في ذلك "قداسة الله" (The Holiness of God).