الفناء أم العقاب الأبدي؟
۷ فبراير ۲۰۱۹

لماذا نغفر؟

عندما يأمرنا أحد ما بفعل شيء ما، أو يفرض التزامًا، من الطبيعي بالنسبة لنا أن نسأل سؤالين. السؤال الأول هو: "لماذا يجب عليَّ القيام بذلك؟" والثاني هو: "من طلب ذلك؟" إن السؤال عن السبب والسلطة وراء التكليف أمران هامان في مسألة الغفران.

للإجابة على سؤال لماذا يجب أن نغفر للأخرين، لننظر سريعاً إلى تعليم المسيح في العهد الجديد. في إنجيل متى، الأصحاح 18، والآية 21 وما تتبعها، نقرأ الآتي:

"حِينَئِذٍ تَقَدَّمَ إِلَيْهِ بُطْرُسُ وَقَالَ: «يَا رَبُّ، كَمْ مَرَّةً يُخْطِئُ إِلَيَّ أَخِي وَأَنَا أَغْفِرُ لَهُ؟ هَلْ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ؟» قَالَ لَهُ يَسُوعُ: «لاَ أَقُولُ لَكَ إِلَى سَبْعِ مَرَّاتٍ، بَلْ إِلَى سَبْعِينَ مَرَّةً سَبْعَ مَرَّاتٍ. لِذَلِكَ يُشْبِهُ مَلَكُوتُ السَّمَاوَاتِ إِنْسَاناً مَلِكاً أَرَادَ أَنْ يُحَاسِبَ عَبِيدَهُ. فَلَمَّا ابْتَدَأَ فِي الْمُحَاسَبَةِ قُدِّمَ إِلَيْهِ وَاحِدٌ مَدْيُونٌ بِعَشْرَةِ آلاَفِ وَزْنَةٍ. وَإِذْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَا يُوفِي أَمَرَ سَيِّدُهُ أَنْ يُبَاعَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ وَأَوْلاَدُهُ وَكُلُّ مَا لَهُ، وَيُوفَي الدَّيْنُ. فَخَرَّ الْعَبْدُ وَسَجَدَ لَهُ قَائِلاً: يَا سَيِّدُ، تَمَهَّلْ عَلَيَّ فَأُوفِيَكَ الْجَمِيعَ. فَتَحَنَّنَ سَيِّدُ ذَلِكَ الْعَبْدِ وَأَطْلَقَهُ، وَتَرَكَ لَهُ الدَّيْنَ.

وَلَمَّا خَرَجَ ذَلِكَ الْعَبْدُ وَجَدَ وَاحِداً مِنَ الْعَبِيدِ رُفَقَائِهِ كَانَ مَدْيُوناً لَهُ بِمِئَةِ دِينَارٍ، فَأَمْسَكَهُ وَأَخَذَ بِعُنُقِهِ قَائِلاً: أَوْفِنِي مَا لِي عَلَيْكَ. فَخَرَّ الْعَبْدُ رَفِيقُهُ عَلَى قَدَمَيْهِ وَطَلَبَ إِلَيْهِ قَائِلاً: تَمَهَّلْ عَلَيَّ فَأُوفِيَكَ الْجَمِيعَ. فَلَمْ يُرِدْ بَلْ مَضَى وَأَلْقَاهُ فِي سِجْنٍ حَتَّى يُوفِيَ الدَّيْنَ. فَلَمَّا رَأَى الْعَبِيدُ رُفَقَاؤُهُ مَا كَانَ، حَزِنُوا جِدّاً. وَأَتَوْا وَقَصُّوا عَلَى سَيِّدِهِمْ كُلَّ مَا جَرَى. فَدَعَاهُ حِينَئِذٍ سَيِّدُهُ وَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا الْعَبْدُ الشِّرِّيرُ، كُلُّ ذَلِكَ الدَّيْنِ تَرَكْتُهُ لَكَ لأَنَّكَ طَلَبْتَ إِلَيَّ. أَفَمَا كَانَ يَنْبَغِي أَنَّكَ أَنْتَ أَيْضاً تَرْحَمُ الْعَبْدَ رَفِيقَكَ كَمَا رَحِمْتُكَ أَنَا؟ وَغَضِبَ سَيِّدُهُ وَسَلَّمَهُ إِلَى الْمُعَذِّبِينَ حَتَّى يُوفِيَ كُلَّ مَا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ.

فَهَكَذَا أَبِي السَّمَاوِيُّ يَفْعَلُ بِكُمْ إِنْ لَمْ تَتْرُكُوا مِنْ قُلُوبِكُمْ كُلُّ وَاحِدٍ لأَخِيهِ زَلَّاتِهِ»".

في هذا المثل، إن الفكرة التي يُشير لها تعليم المسيح واضحة، وهي أن لماذا نغفر للآخرين متأصّل في حقيقة أننا نلنا رحمة وإحسان فائقين. فنحن جميعًا المديونون الغير قادرين على تسديد دينهم لله. لكن الله كان رحيمًا بالقدر الكافي ليمنحنا الغفران في يسوع المسيح. لا عجب أنه في الصلاة الربانيّة أوصى المسيح تلاميذه أن يقولوا "وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضاً لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا." هناك توازي، حركة مفصلية للرحمة، التي تم استقبالها من الله ثم بدورنا نمارس نفس الرحمة مع الآخرين. يعلن الله بوضوح أنه إن لم نقدم هذه الرحمة وراعينا انتقامًا في قلوبنا، بدلًا من الاستعداد للغفران مرة تلو الأخرى، سنفقد أي غفران أُعطيَ لنا.

هكذا، فإن أساس الروح الغافرة هو اختبار النعمة الإلهية. بالنعمة خلُصْنا. بالنعمة نَحْيا. بالنعمة غُفر لنا. إذا، السبب وراء الغفران هو إعلان امتنانُنا للنعمة التي نلناها. مرة أخرى، يُشير المثل الذي قاله الرب يسوع إلى الشخص الذي أخذ النعمة التي مُنحَت له ورفض التصرّف بالطريقة التي تعكس وتنقل لطف الله. لماذا يجب أن نغفر؟ ببساطة، لأن الله غَفَر لنا. كذلك من المهم أن نضيف إلى السبب أننا أُمِرنا من إله النعمة أن نقدم النعمة بدورنا.

لكن عندما ننظر إلى مسألة الغفران يجب أن نطرح السؤال الثاني: "من طلب ذلك، وتحت أي شروط يجب أن نتمم هذا الطلب؟" إن وجهنا انتباهنا إلى إنجيل لوقا 17 (الآيات من 1 -4):

"وَقَالَ لِتَلاَمِيذِهِ: «لاَ يُمْكِنُ إِلاَّ أَنْ تَأْتِيَ الْعَثَرَاتُ، وَلَكِنْ وَيْلٌ لِلَّذِي تَأْتِي بِوَاسِطَتِهِ! خَيْرٌ لَهُ لَوْ طُوِّقَ عُنُقُهُ بِحَجَرِ رَحىً وَطُرِحَ فِي الْبَحْرِ، مِنْ أَنْ يُعْثِرَ أَحَدَ هَؤُلاَءِ الصِّغَارِ. اِحْتَرِزُوا لأَنْفُسِكُمْ. وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ فَوَبِّخْهُ، وَإِنْ تَابَ فَاغْفِرْ لَهُ. وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ، وَرَجَعَ إِلَيْكَ سَبْعَ مَرَّاتٍ فِي الْيَوْمِ قَائِلاً: أَنَا تَائِبٌ، فَاغْفِرْ لَهُ»."

من الهام أن ننظر عن كثب إلى هذا التوجيه من الرب يسوع بشأن الغفران. غالبًا ما يتم التعليم في المجتمع المسيحي أن المؤمنين مدعوين إلى تقديم الغفران من جانب واحد لأولئك الذين أخطأوا ضدهم بشكل عام. نرى مثال المسيح على الصليب، طالبًا من الله أن يغفر لأولئك الذين صلبوه، بالرغم من أنهم لم يقدموا أي إشارة واضحة للتوبة. من مثال المسيح هذا، تم استنتاج أن المؤمنين يجب أن يغفروا كل الإساءات الموجهة ضدهم دائماً، حتى عندما لا تكون التوبة مُقدمَة. مع ذلك، أقصى ما يمكن استخلاصه بشكل صحيح مما عمله المسيح في هذه الحادثة هو أنه لدينا الحق في أن نغفر للناس من جانب واحد. رغم أن هذا ربما يكون شيء رائع بالتأكيد، إلا أنه ليس وصية. إذا نظرنا للوصية التي أعطاها المسيح في لوقا 17: 3، يقول: "وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ فَوَبِّخْهُ". لاحظ أن الرد الأول للإساءة ليس هو الغفران لكن بالحري التوبيخ. فلدى المؤمن الحق في توبيخ مَن يرتكبون خطأ موجه ضده. هذا أساس عملية التأديب الكنسي برُمتها في العهد الجديد. فإن كانت هناك وصية بمنح الغفران من جانب واحد للجميع، في كل الأحوال، إذا عملية التأديب الكنسي لتصحيح الخطأ بأكملها تكون في حد ذاتها خطأ. لكن المسيح يقول: "وَإِنْ أَخْطَأَ إِلَيْكَ أَخُوكَ فَوَبِّخْهُ، وَإِنْ تَابَ..." — هنا تصبح الوصية إلزاماً — إن تاب المُسيء، عندئذ يُصبح لزاماً على المسيحي أن يغفر للشخص الذي أساء إليه. إن رفضنا الغفران عندما تكون التوبة مُعلنة، عندئذ نُعرّض أنفسنا لنفس مصير العبد الذي لم يغفر. فنحن نجعل أنفسنا عُرضَة لغضب الله. بكل تأكيد إن أهنتُ أحدهم ثم توبتُ وعبّرتُ عن آسفي له، لكنه رفض أن يغفر لي، عندئذ فالجمر يكون موضوع على رأسهِ. وبالمثل، إن فشلنا في تقديم الغفران، عندما يتوب الذي أساء إلينا عن إساءته، نُعرّض أنفسنا لجمر النار، ونكون في وضع أسوأ من الذي أساء إلينا. بكلمات أخرى، إنها خطية ضد الله عندما نرفض أن نغفر لأولئك الذين تابوا عن إساءتهم لنا. هذا هو تعليم المسيح. إنها وصية وتكليف المسيح. بما أننا متحدين مع المسيح، يجب أن نُظهر هذا الاتحاد بتقديم نفس النعمة التي قدمها هو لنا للأخرين.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

أر. سي. سبرول
أر. سي. سبرول
الدكتور أر. سي. سبرول هو مؤسس هيئة خدمات ليجونير، وكان أحد رعاة كنيسة القديس أندرو في مدينة سانفورد بولاية فلوريدا، كما كان أول رئيس لكلية الكتاب المقدس للإصلاح. وهو مؤلف أكثر من مائة كتاب، بما في ذلك "قداسة الله" (The Holiness of God).