لماذا نغفر؟
٦ فبراير ۲۰۱۹
هل يتوافق الكتاب المقدس مع العلم؟
۸ فبراير ۲۰۱۹

الفناء أم العقاب الأبدي؟

نظرية الفناء هي وجهة النظر التي تؤمن بأن الخطاة في الجحيم سيُبادون بعد أن يدفعوا جزاء خطاياهم. يقدّم أتباع هذا الاعتقاد ست حجج رئيسيّة كالتالي:

تستند الحجة الأولى على استخدام الكتاب المقدس لصور النار في وصف الجحيم. ونعرف أن النار تلتهم ما يتم رميه بها، وهكذا الحال في بحيرة النار (رؤيا ١٩: ٢٠، ٢٠: ١٠ ،١٤، ١٥، ٢١: ٨) — ستحرق الأشرار بحيث أنهم لن يعودوا موجودين.

تستند الحجة الثانية على نصوص تتحدث عن هلاك أو دمار الأشرار. ومن الأمثلة على ذلك هلاك غير المؤمنين (يوحنا ٣: ١٦) وعقاب الهلاك الأبدي (٢ تسالونيكي ١: 9).

تستند الحجة الثالثة على معنى كلمة أبدي. في النصوص التي تتحدث عن الجحيم، يقولون إن كلمة أبدي تعني فقط "الدهر الآتي" وليس "الأبدية".

تستند الحجة الرابعة على التمييز بين الزمن والأبد. حيث يسأل أتباع نظرية الفناء: كيف يمكن لعدل الله أن يعاقب الخطاة إلى الأبد في حين أن جرائمهم وقعت في أزمنة محددة؟

الحجة الخامسة عاطفية بمعنى أن الله نفسه وقديسيه لن يستمتعوا أبدًا بالسماء إذا عرفوا أن بعض البشر (ناهيك عن أحبائهم وأصدقائهم) سيكونون دائمًا في الجحيم.

الحجة السادسة هي أن الجحيم الأبدي من شأنه أن يشوه انتصار الله على الشر. يعلن الكتاب المقدس أن الله سوف ينتصر في النهاية؛ وهو سيكون "الْكُلَّ فِي الْكُلِّ" (1 كورنثوس ١٥: ٢٨). يقولون لنا أنه يبدو من الصعب التوفيق بين هذه الفكرة وبين البشر المعذبين في الجحيم بشكل لا نهائي.

سأجيب على كل من هذه الحجج بتسلسلها. الحجة الأولى وجدلية مفهوم نار الجحيم. تستخدم العديد من النصوص الكتابية هذه المفردات بدون تفسيرها. ولذلك، من الممكن اقحام وجهات نظر مختلفة داخل مثل هذه النصوص، بما في ذلك نظرية الفناء أو الزوال. ومع ذلك، فنحن لا يجب أن نفرض أفكارنا على الكتاب المقدس، بل نحصل على أفكارنا من الكتاب المقدس. وعندما نفعل ذلك، نجد أن بعض النصوص الكتابية تمنع مفهوم نظرية الفناء لنار الجحيم. تشمل هذه النصوص وصف المسيح للجحيم في مثل الغني ولعازر باعتباره "مَوْضِعِ الْعَذَابِ" (لوقا ١٦ :٢٨) الذي يشمل العذاب في اللهيب (آية ٢٤).

حين يصف سفر الرؤيا، وهو السفر الأخير في الكتاب المقدس، لهيب الجحيم، فإنه لا يتحدث عن التهام النار لكنه يقول إن الخاطئ سوف "يُعَذَّب بِنَارٍ وَكِبْرِيتٍ أَمَامَ الْمَلاَئِكَةِ الْقِدِّيسِينَ وَأَمَامَ الْخَرُوفِ. وَيَصْعَدُ دُخَانُ عَذَابِهِمْ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ. وَلاَ تَكُونُ رَاحَةٌ نَهَارًا وَلَيْلاً" (رؤيا ١٤: ١٠-١١).

الحجة الثانية تتعلق بالنصوص التي تتحدث عن الدمار أو الهلاك. مرة أخرى، عندما يستخدم الكتاب المقدس هذه الكلمات دون تفسيرها، يمكن اقحام العديد من الأفكار فيها وفرضها عليها. ولكن مرة أخرى، يجب أن النصوص الكتابية ونستخرج معانيها.. ومن المستحيل التوفيق بين بعض النصوص الكتابية وبين نظرية الفناء. يصف بولس مصير الخطاة أنهم "سَيُعَاقَبُونَ بِهَلاَكٍ أَبَدِيٍّ" (٢ تسالونيكي ١: ٨). وهذا أيضًا هو مصير الوحش في سفر الرؤيا. فهناك نبوءة هلاك الوحش في رؤيا ١٧: ٨، ١١. سوف يُلقى الوحش (جنبًا إلى جنب مع النبي الكذّاب) في "بُحَيْرَةِ النَّارِ الْمُتَّقِدَةِ بِالْكِبْرِيتِ" (19: 20). والكتاب المقدس واضح في وصفه لمصير الشيطان والوحش والنبي الكذّاب في بحيرة النار: "سَيُعَذَّبُونَ نَهَارًا وَلَيْلًا إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ" (رؤيا ٢٠: ١٠). لذا فإن "هلاك" الوحش هو عذاب أبدي في بحيرة النار.

تتعلق الحجة الثالثة بكلمة أبدي. في النصوص التي تتحدث عن الجحيم، يزعم البعض أن كلمة أبدي تعني فقط "الدهر الآتي" وليس "الأبدية". صحيح أنه في العهد الجديد تعني كلمة أبدي "عصر" أو "دهر"، في سياق تعريف الدهر. وأيضًا في النصوص التي تتناول المصائر الأبديّة، تشير كلمة أبدي إلى الدهر الآتي. لكن يستمر الدهر الآتي بطول حياة الله الأبدي نفسهُ. ولأن الله أبدي، أي "الْحَيِّ إِلَى أَبَدِ الآبِدِينَ" (رؤيا ٤: ٩، ١٠؛ ١٠: ٦؛ ١٥: ٧)، كذلك الدهر الآتي. يوضح المسيح هذا الأمر في حديثه عن الخراف والجداء: "فَيَمْضِي هؤُلاَءِ إِلَى عَذَاب أَبَدِيٍّ وَالأَبْرَارُ إِلَى حَيَاةٍ أَبَدِيَّةٍ" (متى ٢٥: ٤٦). إن عقاب الخطاة في الجحيم يتوازى مع نعيم الأبرار في السماء، فكلاهما أبدي.

تتعلق الحجة الرابعة بالقول إنه ليس من العدل أن يعاقب الله الخطاة إلى الأبد من أجل خطاياهم الوقتيّة. تصدمني غطرسة البشر حين يخبرون الله بما هو عادل وغير عادل. إننا نفعل حسنًا حين نقرر من خلال كلمته المقدسة ما يراه هو عدلاً وظلمًا.

إن يسوع لا يدع لنا مجالاً للشك. فهو سيقول للمُخلّصين: " تَعَالَوْا يَا مُبَارَكِي أَبِي، رِثُوا الْمَلَكُوتَ الْمُعَدَّ لَكُمْ مُنْذُ تَأْسِيسِ الْعَالَمِ" (متى ٢٥: ٣٤). وسيقول للخطاة: "اذْهَبُوا عَنِّي يَا مَلاَعِينُ إِلَى النَّارِ الأَبَدِيَّةِ الْمُعَدَّةِ لإِبْلِيسَ وَمَلاَئِكَتِهِ" (آية ٤١). وقد رأينا بالفعل أن يوحنا يعرّف النار كعذاب أبدي بوعي في بحيرة النار التيللشيطان (رؤيا ٢٠: ١٠). وبعد قليل من الآيات نقرأ إن البشر الخطاة يتشاركون في نفس مصير الشيطان في بحيرة النار (الآيات ١٤-١٥). من الواضح أن الله قد قرر أنه من العدل معاقبة البشر الذين تمردوا ضده وضد قداسته في الجحيم الأبدي. فهل فعلاً يحق لنا أن نطلق على قرارات واحكام الله أنها ظالمة وغير عادلة؟

سوف أتناول الحجتين الخامسة والسادسة معًا. تقول الحجة الخامسة العاطفية بأن الله وقديسيه لن يستمتعوا أبدًا بالسماء إذا عرفوا أن أحبائهم وأصدقائهم هم في الجحيم إلى الأبد. أما الحجة السادسة فهي القائلة بأن الجحيم الأبدي من شأنه أن يشوه انتصار الله على الشر. من الجدير بالذكر أن أتباع نظرية خلاص كل البشر يستخدمون نفس الحجتين ويُصرّون أن الله سيُخلّص كل إنسان في النهاية.  فهم يقولون إن الله وشعبه لن يستمتعوا بنعيم السماء إذا بقيت حتى نفس واحدة في الجحيم. ففي النهاية، سيتم خلاص الجميع. ويضيفون أن الله سيعاني من الهزيمة إن كان أيٌّ من البشر المخلوقين على صورته سيهلك إلى الأبد.

إنني أعتبر أن حجج أتباع نظرية الفناء ونظرية خلاص كل البشر، من منطلق العاطفة أو من منطلق انتصار الله، هي إعادة كتابة قصة الكتاب المقدس، وهو أمر لا حق لنا القيام به. أقول هذا لأن إصحاحات الكتاب المقدس الثلاثة الأخيرة تقدم لنا الحالة الأبدية للأمور. سينعم القديسون المقامون من الموت بحضور الله الأبدي على الأرض الجديدة (رؤيا ٢١: ١-٤). ومن المثير للاهتمام أن كل إصحاح من الإصحاحات الثلاثة الأخيرة من الكتاب المقدس تعرض مصير الخطاة كما يتبين من الآيات التالية:

وَإِبْلِيسُ الَّذِي كَانَ يُضِلُّهُمْ طُرِحَ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ وَالْكِبْرِيتِ، حَيْثُ الْوَحْشُ وَالنَّبِيُّ الْكَذَّابُ. وَسَيُعَذَّبُونَ نَهَارًا وَلَيْلاً إِلَى أَبَدِ الآبدين. (رؤيا ٢٠: ١٠)

وَطُرِحَ الْمَوْتُ وَالْهَاوِيَةُ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ. هذَا هُوَ الْمَوْتُ الثَّانِي.  وَكُلُّ مَنْ لَمْ يُوجَدْ مَكْتُوبًا فِي سِفْرِ الْحَيَاةِ طُرِحَ فِي بُحَيْرَةِ النَّارِ. (رؤيا ٢٠: ١٤-١٥)

وَأَمَّا الْخَائِفُونَ وَغَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ وَالرَّجِسُونَ وَالْقَاتِلُونَ وَالزُّنَاةُ وَالسَّحَرَةُ وَعَبَدَةُ الأَوْثَانِ وَجَمِيعُ الْكَذَبَةِ، فَنَصِيبُهُمْ فِي الْبُحَيْرَةِ الْمُتَّقِدَةِ بِنَارٍ وَكِبْرِيتٍ، الَّذِي هُوَ الْمَوْتُ الثَّانِي. (رؤيا ٢١: ٨)

طُوبَى لِلَّذِينَ يَصْنَعُونَ وَصَايَاهُ لِكَيْ يَكُونَ سُلْطَانُهُمْ عَلَى شَجَرَةِ الْحَيَاةِ، وَيَدْخُلُوا مِنَ الأَبْوَابِ إِلَى الْمَدِينَةِ، لأَنَّ خَارِجًا الْكِلاَبَ وَالسَّحَرَةَ وَالزُّنَاةَ وَالْقَتَلَةَ وَعَبَدَةَ الأَوْثَانِ، وَكُلَّ مَنْ يُحِبُّ وَيَصْنَعُ كَذِبًا. (رؤيا ٢٢: ١٤-١٥)

إن قصة الإنجيل لا تنتهي بالقول: "هلك الأشرار ولم يعودوا موجودين فيما بعد". كما أنه لا يقول، "في النهاية سينضم كل الأشخاص إلى محبة الله وينالون الخلاص". ولكن حين يختم الله قصته، سيفرح شعبه بنعم لا تنتهي معه على الارض الجديدة. لكن سيقاسي الأشرار عذاب أبدي لا ينتهي في بحيرة النار، وسيُمنعون من الدخول إلى المدينة المقدسة، أورشليم الجديدة، التي هي مكان مسكن الله مع شعبه إلى الأبد.

ليس لدينا الحق في إعادة صياغة قصة الكتاب المقدس. بدلاً من ذلك، يجب علينا أن نترك الأمر لله كي يقرّر ما هو عادل وغير عادل وما يتناسب مع كونه "الْكُلَّ فِي الْكُلِّ". فهو لا يتركنا في موضع شك حول الجحيم لأنه يحب الخطاة ويريد منهم أن يؤمنوا بالإنجيل في هذا الحياة.

كم هو إله صالح ورحيم أن يضع هذه الدعوة في ختام قصته: "الرُّوحُ وَالْعَرُوسُ يَقُولاَنِ: «تَعَالَ!». وَمَنْ يَسْمَعْ فَلْيَقُلْ: «تَعَالَ!». وَمَنْ يَعْطَشْ فَلْيَأْتِ. وَمَنْ يُرِدْ فَلْيَأْخُذْ مَاءَ حَيَاةٍ مَجَّانًا (رؤيا ٢٢: ١٧). إن كل من يثق بيسوع في موته وقيامته للنجاة من الجحيم سيكون له نصيب من شجرة الحياة ومدينة الله المقدسة. وكل من يفعل ذلك مع جميع القديسين يمكنه أن يقول الآن وسيقول إلى الأبد:

هَلِّلُويَا! الْخَلاَصُ وَالْمَجْدُ وَالْكَرَامَةُ وَالْقُدْرَةُ لِلرَّبِّ إِلهِنَا، لأَنَّ أَحْكَامَهُ حَق وَعَادِلَةٌ. (رؤيا ١٩: ١-٢)

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

روبرت بيترسون
روبرت بيترسون
د. روبرت بيترسون هو أستاذ علم اللاهوت النظامي في كلية كوڤِينينت للاهوت في مدية سانت لويس. وهو مؤلف كتاب الجحيم في المحاكمة (Hell on Trial)، وشارك في تأليف كتاب وجهتي نظر عن الجحيم (Two Views of Hell)، كما شارك في تحرير كتاب الجحيم تحت النار (Hell Under Fire).