السَمَاوَات الجَدِيدَة وَالأَرْض الجَدِيدَة
۲۳ أبريل ۲۰۱۹
الهدف الأكثر قيمة لعلم الدفاعيات
۲٦ أبريل ۲۰۱۹

ترتب قدامي مائدة تجاه مضايقيّ

أفضل ما في مزمور 23، كما هو الحال في الحياة، يُحفظ للنهاية. هنا، لا تكفي الاستعارة الكلاسيكية للراعي والخراف في وصف غنى العلاقة بين الرب وبين شعبه، فتتحول الاستعارة إلى استعارة المُضيف والضيف. على وجه التحديد، بما أن هذه الصورة ليست مجرد حفلة عادية، فإن الاستعارة تصف ملكًا عظيمًا يرحب بالملك الأصغر التابع له في بيته كضيف شرف في وليمته.

يشرح هذا السياق الملكي وجود أعداء داود كمشاهدين للوليمة. عادةً لا ندعو أعدائنا ليشاهدونا ونحن نتناول الطعام، وقد نرى حضورهم في مناسبات مختلفة ربما يتسبب في افساد شهيتنا. ولكن في هذا السياق، فإن حضورهم غير المرغوب فيه في الوليمة هو الإثبات الهام للنقلة الحيوية في موازين السلطة بمجيء الملك العظيم أخيرًا. لزمن طويل، كان أعداء داود يسخرون منه ومن ثقته في يهوه، وكان داود عاجزًا على التغلب عليهم. لسنوات كان يصرخ: "إِلَى مَتَى يَا رَبُّ تَنْسَانِي كُلَّ النِّسْيَانِ؟ ... إِلَى مَتَى يَرْتَفِعُ عَدُوِّي عَلَيَّ؟" (مزمور 13: 1-2). في الغالب، بدا الأمر لداود، وللعالم المشاهد، وكأن الرب قد نسيه بالفعل، وأنه قد سمح لأعدائه أن يبتهجوا في نصرتهم.

من الممكن أن تكون المظاهر خدّاعة. فمع مجيء الملك العظيم، تتحقق العدالة أخيرًا: تمت نصرة داود، وتبيّن أنه هو من يحبه الرب ويُسر بأن يكرمه، بينما أعدائه عاجزون ويخجلون. رتّب الرب وليمة عظيمة لداود واستقبله كضيف شرف في المأدبة. إن الأمانة لشروط العهد تستحق الدعوة لمكان الكرامة على مائدة الملك وتنالها، بينما تتم محاكمة أعداء كاتب المزمور وإدانتهم. إن المثل الذي قاله المسيح عن الخراف والجداء يدمج بشكل مشابه بين استعارة الخراف والراعي مع استعارة الملك الذي يقيم وليمة للاحتفال (انظر متى 25). هناك، أيضًا، يتم دعوة الخراف الأمناء ليستقبلوا مكافأتهم بينما الجداء غير الأمناء يُلقوا في الظلمة.

ولكن هذا التمييز النهائي بين الملك التابع الأمين والعدو غير الأمين — بين المدعوون للانضمام إلى الاحتفال والمتروكون ليقفوا عاجزين وفي خزي على جانب الاحتفال — يثير سؤالاً في قلب كل مؤمن: لماذا أُدعى كضيف شرف لمثل هذه الوليمة المُخصصة لخدام الملك الأمناء؟ فإن أفضل ما يُقال عن طاعتنا في نهاية الأمر، أنها طاعة متقطعة، وأقل جدًا مما يجب أن تكون عليه. لقد أدرنا ظهورنا كثيرًا وبشكل متعمد عن الطاعة، وانضممنا إلى المتمردين في عبادتهم المتحمسة لأصنامهم. بدلاً من المحبة الراسخة والرحمة، نستحق أن تتبعنا لعنة العهد الإلهي كل أيام حياتنا.

هنا يشرق بوضوح جمال الخلاص بلا استحقاق الذي لنا في بشارة الإنجيل. لأن يسوع المسيح، ابن الملك العظيم، جاء وعاش عنّا حياة الطاعة الكاملة التي كان يجب علينا نحن أن نعيشها. وبدلاً من أن يكافئه الآب بالكرامة والمجد، أسلم الآب الراعي الصالح إلى يد أعدائه، حتى أنه صرخ بكلمات المزمور السابق: "إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي، بَعِيدًا عَنْ خَلاَصِي، عَنْ كَلاَمِ زَفِيرِي؟" (مزمور 22: 1). على الصليب، جسّد المسيح المثال المطلق لمعنى أن يكون الإنسان تحت لعنة الله. شهادته هناك لم تكن عن الطعام الوفير والمراعي الخضر، بل عن الجوع والظمأ، حتى أن لسانه التصق بحلقه. اختباره على الصليب لم يكن اختبار حضور الرب المعزي معه في وادي ظل الموت، حيث يرد حياته، ولكنه كان اختبار الترك والهجر بينما تركته حياته ببطيء. لم تكن هناك عصا وعكاز في الجلجثة لتعزيته وحمايته من أي ضرر. بدلاً من ذلك، تم تسليمه إلى قبضة سخرية أعدائه ليعذبوه. بدلاً من السكنى في بيت الرب، تُرك وحيدًا على الصليب في الظلام ليموت وحده، منبوذًا.

ولكن الترك والهجر الذي لاقاه هو أساس رجائنا. لدينا السبب الأقوى جدًا مما كان لداود، لنعلن بثقة: "فَلاَ يُعْوِزُنِي شَيْءٌ" و"لاَ أَخَافُ شَرًّا". فراعينا قد وضع حياته لأجلنا وأُقيم من الأموات، فألحق العار بآخر أعدائنا وأعظمهم — الموت ذاته. الآن يقف المسيح باعتباره المضيف صاحب الوليمة العظيمة، الملك الذي سار أمامنا ليعد لنا مكانًا في بيت ابيه. سواء أخذنا مسارنا الحالي عبر المراعي الخضر وعند مياه الراحة أو تعرج بنا مرورًا بظلام وادي ظل الموت، يمكننا أن نثق بهذا: أن المسيح قد وعد أن يرحب بنا في ملكوته في اليوم الأخير، لنحتفل على مائدته هناك، مع كل قديسيه من الأمم العديدة، منتصرين في حضور كل أعدائنا. إن الرب هو بالفعل راعينا الصالح.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

إيان دوجيد
إيان دوجيد
الدكتور إيان دوجيد هو أستاذ العهد القديم في كلية وستمنستر للاهوت في مدينة فيلادلفيا، والقس المؤسس لكنيسة المسيح المشيخية في مدينة جلينسايد، بولاية بنسلفانيا. وهو مؤلف كتاب "هل يسوع موجود في العهد القديم؟" (?Is Jesus in the Old Testament).