دلائل اليقين
۲۱ أكتوبر ۲۰۲۰
التمتُّع به إلى الأبد
۲٦ أكتوبر ۲۰۲۰

ما الذي علينا تذكُّره؟

تستطيع ذكرى الماضي، سواء كانت فرديَّة أو جماعيَّة، إيقاع تأثيرًا قويًّا ليس فقط في كيفيَّة تفاعل البشر مع الحاضر بل أيضًا في كيفيَّة مواجهتهم للمستقبل. في حقيقة الأمر، ليس مفاجئًا أن يعتبر البعض الذكرى حملًا ثقيلًا يربطهم بإساءات ماضيهم وصدماته وإخفاقاته.  وبالنسبة لآخرين، مع ذلك، تمنحهم الذكرى تعزية عميقة حول ما وصلوا إليه وما الخبرات والعلاقات التي شكَّلتهم إلى ما هم عليه اليوم.

وفي الكتاب المُقدَّس، تمتلك الذاكرة قوة مُغيِّرة مماثلة. يُصوِّر الكتاب المُقدَّس المؤمنين بأنهم تشكَّلوا وتغيَّروا من خلال استجابتهم لإعلان الله، ويكشف الله الخالق والفادي عن شخصه القدوس بتذكُّره الدائم للشعب الذي خلقه ووعده بأن يفديه. نتيجة لذلك، يمكن استيعاب تاريخ الفداء بأكمله من منظور ذاكرة فدائيَّة نشطة يتأمَّل من خلالها شعب الله عمله الإلهي المتواصل ويستجيب له بالشكر والتسبيح. ومن جانبه، يتذكَّر الله شعبه والوعود التي قطعها لهم كي يجتذبهم إلى مجده إلى الأبد.

الذاكرة البشريَّة والعهد:

الذكرى الصادقة والأمينة ذكرى عهديَّة. حسب مسرَّته، اختار الله أن يتواصل مع البشر عن طريق ترتيب مُلزِم خاص يُعرَف بالعهد. على الرغم من تطوُّر مفهوم العهد تدريجيًّا في جميع أنحاء الكتاب المُقدَّس، لكن نجد أن عناصر هذه العلاقة من قِدَم قصة آدم وحواء في الجنة. حتى أثناء هذه المرحلة المبكِّرة، تصير الذكرى مسألة ذات أهميَّة قصوى. عندما أغوت الحيَّة حواء لتأكل من الثمرة، فعلت هذا عن طريق التشكيك في ذاكرتها عن وصيَّة الله قائلًا: "أحقًا قال الله ..." (تكوين 3: 1). يفترض بعض المفسِّرين أن ذاكرة حواء خانتها، عندما أضافت "وَلَا تَمَسَّاهُ" لعبارة نهي الله عن "الأكل" (آية 3). في كل الأحوال، حتى وإن كانت تتذكَّر وصيَّة الله بدقةٍ، فهي لم تكن مقتنعة بها.

بعبارة أخرى، كان التذكُّر، أو عدمه، نشيطًا أثناء سقوط البشر، وسيظل يلعب أيضًا دورًا مُهمًّا في فداء البشر من الخطيَّة. لقد تذكَّر الله نوح عقب الطوفان (تكوين 8: 1)، وتذكَّر إبراهيم وخلَّص لوط (19: 29)، كما تذكَّر راحيل ورزقها ابنًا (30: 22). إن عمل الفداء البارز في العهد القديم، أي حدث الخروج، مبني على تذكُّر الله لوعوده لإبراهيم وإسحاق ويعقوب (خروج 2: 24).

وبعد خلاص شعب إسرائيل، دُعيوا لتذكُّر العمل الذي قام به الله في الخلق باتباع أسبوع الخلق —العمل لمدَّة ستة أيام، والراحة لمدَّة يوم (خروج 20: 8-10). في سفر التثنية، يمتد منطق الوصيَّة ذاتها ليوضِّح سبب ضرورة أخذ العبيد في إسرائيل راحة أسبوعيَّة. فكان على بني إسرائيل رحمة من يخدمونهم في بيوتهم، وأن يتذكَّروا خلاصهم من عبوديَّتهم في ظروف العمل القاسية في مصر (تثنية 5: 15).

في الواقع، إن هذه الذاكرة الفدائيَّة مُضَمَنة داخل العهود الكتابيَّة نفسها. فعادةً ما كانت تبدأ وثائق عهود الشرق الأدنى القديم بذكر فضل الطرف القوي على الطرف الأضعف في العهد. الأمر ذاته ينطبق على العهود الكتابيَّة. يبدأ سفر التثنية —وهو ذاته نموذج لوثيقة عهد— بتذكير بأمانة الله تجاه شعب إسرائيل أثناء ترحالهم في البريَّة، الأمانة التي تُعد إحسانًا عجيبًا مقابل تمرُّد شعب إسرائيل وعصيانهم شبه التام (1: 1-4: 43). ويصعب إغفال المعنى الضمني: بسبب أمانة الله في الماضي، يتحتَّم على شعب إسرائيل الاستجابة بالمحبة والطاعة (6: 4-9).

في أفضل الأحوال، تصير الذاكرة العهديَّة عادة ذهنيَّة تقيَّة. أظهر داود الشاب أنه كان مناسبًا للخدمة في منصب ملك إسرائيل الأمين للعهد عندما ألهمته ذاكرته ببركات الله في الماضي لمواجهة جليات بالقرب من وادي الْبُطْمِ. وبخلاف شاول الملك الفاشل الذي قبع في خيمته بعيدًا عن ساحة المعركة، سارع الفتى راعي الخراف إلى المعركة، وتشجَّع بتذكُّره لأمانة الله في الماضي تجاهه حين واجه أسدًا ودبًا أرعبا قطيعه (1 صموئيل 17: 34-37). كان منطق داود العهدي راسخًا منيعًا، فصار النصر حتميًّا.

لاحقًا، مع اقتراب دينونة سبي الأمَّة، تطوَّر دور أنبياء الكتاب المُقدَّس إلى دور المساءلة، داعين القادة والشعب إلى تذكُّر وعود الله ووصاياه؛ وعوده بإظهار الرحمة، ووصاياه بتحقيق العدل. كثيرًا ما عمل الأنبياء بالتذكير بالعهد، وإعادة انتباه الشعب نحو هويَّة الرب، ونحو وصاياه التي طالب بها في حياتهم. فنقرأ، على سبيل المثال، ما يقول إشعياء: "أَمَا عَرَفْتَ أَمْ لَمْ تَسْمَعْ؟  إِلَهُ الدَّهْرِ الرَّبُّ خَالِقُ أَطْرَافِ الْأَرْضِ لَا يَكِلُّ وَلَا يَعْيَا. لَيْسَ عَنْ فَهْمِهِ فَحْصٌ" (إشعياء 40: 28). بالطبع، لقد "عرفوا" أن هذا ينطبق على الرب، لكنَّهم اختاروا أن ينسوا هذا الحق باعتباره الحق الذي يشكِّل ويغيِّر في حياتهم؛ وفضَّلوا فقدان الذاكرة الانتقائي، فكان السبي أقوى تذكرة.

تذكر الإيمان الرسولي:

كثيرًا ما يُقدَّمُ العهد الجديد على أنه الجزء المسيحي من الكتاب المُقدَّس، وإعلان جديد يحل محل تعاليم العهد القديم. مع ذلك، يغفل هذا المفهوم العلاقة الطبيعيَّة الحيويَّة بين العهدين. في الواقع، يعد العهد الجديد مجموعة كتابات عن الذاكرة. وفي جوهره، تعد التعاليم الرسوليَّة في العهد الجديد تذكارًا وفهمًا موحى به لتعاليم العهد القديم في ضوء موت الرب يسوع المسيح وقيامته. فكل مرة نجد عبارة عن العهد القديم تحقَّقت في الرب يسوع أو عبارة تُقدِّم توضيحًا لنص من العهد القديم في ضوء شخص الرب يسوع، نختبر مثالًا عن الذاكرة التي هي عهديَّة ورسوليَّة في آنٍ واحد.

ولكوننا مُتلقُّون لكلمة الله، فقد دعانا الرسل لتذكُّر أعمال الله القديرة من الخلق والفداء كما أُعلنت لنا طوال تاريخ الفداء، وبلغت ذروتها في شخص الرب يسوع المسيح وعمله. ففي كل مرة نعلن فيها عن الرب يسوع على أنه المسيَّا، ورئيس الكهنة، والكرمة الحقيقيَّة (إشارة إلى هويته بصفته إسرائيل الحقيقي)، وذبيحة الكفارة، وعمانوئيل، والخالق، والفادي وما إلى ذلك، فنحن نقر بعمل التذكُّر العهدي الرسولي المُقدَّس.

تحيطنا، من المؤكَّد، العديد من المشتِّتات التي تتصارع من أجل جذب انتباهنا؛ وهي من شأنها إرباك معرفتنا بإله خلاصنا. وهذا سبب ضرورة أن ننمي معرفتنا بالرب عبر الذاكرة الجماعيَّة والفرديَّة. وهذا أيضًا سبب ضرورة تذكُّرنا بما نؤمن به عن الله ومقاصده من أجلنا كلما نجتمع معًا ككنيسة مُتعبِّدة.

تتمثَّل إحدى الطرق للتذكُّر في ترديد قانون إيمان الرسل أو اعتراف إيمان مشابه. في حين أن أي إعلان جماعي بالمسيحيَّة ينطوي على التذكُّر، فإن ترديد قانون إيمان تاريخي للكنيسة يعزِّز من اعترافنا بتذكيرنا باتحادنا مع جماعة القدِّيسين. وبالمثل، بصفتنا شعب العهد، نستقبل الكلمة المُقدَّسة من المنبر بقلوبٍ خاضعة للأسلوب الذي أعلن به الله عن نفسه. يُعطي الواعظ الأمين أولويَّة للوعظ التفسيري الواضح لكلمة الله على نحو يحصِّن ويقوِّي معرفة شعب الكنيسة ومحبتهم للرب.

كما أن الذاكرة العهديَّة تتضح أيضًا في فريضتي المعموديَّة وعشاء الرب. إذ أن المعموديَّة تحث الآباء والمؤمنين الجدد على تذكُّر الوعود التي قُطعت لأعضاء جماعة العهد؛ في حين يشير عشاء الرب صراحةً إلى ذاكرتنا الجماعيَّة عن بذل الرب يسوع المسيح لذاته على الصليب ودمه المسفوك كونه دم العهد الجديد. كيلا نغفل هذه النقطة، أوصانا الرب يسوع نفسه صراحةً أن نصنع هذه الذكرى بانتظام أثناء عبادتنا حين قال: "اِصْنَعُوا هَذَا لِذِكْرِي" (لوقا 22: 19؛ 1 كورنثوس 11: 24).

وفي النهاية، دعونا لا ننسى التذكُّر العهدي الحيوي في حياة كل فرد المتمثِّل في التأمُّل اليومي في كلمة الله وتطبيقها في حياتنا نحن المؤمنين. وهكذا، يتشكَّل ضمير الإنسان بقصة الخلاص كي يبدأ كل مؤمن في إدراك أن هويَّته وحياته جزء من تاريخ شعب عهد الله.

على رجاء الآتي:

لم تكن الذاكرة العهديَّة يومًا مجرد استجماع لأحداث الماضي، أو العيش في عصر ذهبي مُفترض، أو وقود للمشاعر والعاطفة. بل هي موقف تجاه الحياة، وتجاه ماضي المرء وحاضره، وأخيرًا مثلما كان الحال مع داود الفتى، هي نبع ثقة في الآتي.

ففي مسرَّته، اختار الله أن يُعلن عناصر من خطة فداءه من أجل التاريخ البشري. عرَّفتنا الأسفار المُقدَّسة بصورة الخليقة الجديدة التي تحمل أجسادًا لا تفسد، ومجتمعًا عادلًا ومنصفًا حقًا، وشركةً مع الله بلا وسطاء بشريِّين. يردِّد قلب المؤمن هذه المعرفة؛ معرفة "رجاء آتٍ" يدفعنا نحو خلاص حَدَثَ وتحقَّق مرة، منتظرين تتميمه.

إن الذاكرة في الكتاب المُقدَّس من أعمال الأمانة والإخلاص تجاه الله. إنها تدقيق في الماضي لنستوعب التاريخ بصفته نتاج عناية الله بالعالم. يمتلك مثل هذا المنظور أسلوبه في تغيير كيفيَّة إدراكنا لأيامنا الباقية. إن كان التاريخ نتاج عناية الله بحياتنا، فليس أمامنا سوى رؤية حاضرنا ومستقبلنا بالطريقة عينها، أي نتاج عناية الله بحياتنا.

 

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

سكوت ريد
سكوت ريد
الدكتور سكوت ريد هو رئيس كليَّة اللاهوت المُصلَحة في واشنطن العاصمة، وأستاذ مساعد للعهد القديم بها. وهو مُؤلِّف كتاب (The Wholeness Imperative).