مصدر القلق - خدمات ليجونير
ما هو القلق؟
۳۰ أغسطس ۲۰۲۲
تأثيرات القلق
٦ سبتمبر ۲۰۲۲

مصدر القلق

منذ نحو عامين، اقترب مني أحدهم وقال لي: "أعتقد أنك تعاني من الكثير من القلق وأنت لا تعلم ذلك". فابتسمتُ حينئذ وقلتُ لنفسي في كبرياء: "ما الذي يقوله هذا الرجل؟ لستُ أعاني من القلق". لم يكن أحدٌ قد أوحى إلي من قبل بهذه الفكرة. وقررتُ أن أفحص هذا التعليق بالصلاة. وبعد ذلك بنحو شهر، منحني شيوخ كنيستي إجازة عرضية. فقد كان هذا الرجل محقًّا في كلا الأمرين: فقد كنتُ أعاني بالفعل من الكثير من القلق، وكذلك لم أكن أعلم.

واكتشفتُ أن قلقي هذا لم يكن يؤثر فيَّ وحدي، بل أيضًا في الطريقة التي أتعامل بها مع الآخرين. فقد أثَّر سلبًا بدرجات متفاوتة على بعض الأعضاء من فريق العمل بالكنيسة. فقد كنت أقضي الكثير من الوقت في الاعتذار لأعضاء فريق العمل وطلب الغفران منهم. كان الجميع متسامحين معي، ولن أنسى هذا ما حييتُ. وعند انتهاء إجازتي، لم أعد أتساءل ما إذا كنتُ أعاني من القلق أم لا، بل بدأتُ أطرح سؤالًا شديد الأهمية، وهو: "ما مصدر قلقي هذا؟"

من المؤكَّد أنني كنتُ فيما سبق أتجاهُل هذا السؤال. ففي أعماقي، كنتُ أعلم جيدًا أن الرب يسوع هو الحل النهائي لقلقي، وكنتُ أؤمن أنه قادرٌ أن يحطم القلق الذي يحطمني، وأردتُ أن يبدأ ذلك على الفور. لكن، إلامَ سيوجه الله أدواته؟ أما اليوم، فقد صارت الأحوال مختلفة كثيرًا. فلا زلتُ أصارع مع القلق من آن لآخر، لكنني اليوم صرتُ على وعي به عندما يأتي، وتعلمتُ كيف أجد الراحة بواسطة الإيمان بالمسيح. ولذلك، أقول لأي شخص يأمل في مواجهة القلق إن إدراك مصدر هذا القلق يشكِّل جزءًا مهمًّا من المعادلة.

يَصعُب تعريف القلق. فهو يشمل عناصر من الهم، والاضطراب، والتوتر، والخوف. وفي بعض الأحيان، قد يعاني أحدهم من القلق دون سببٍ واضحٍ. ففي كثيرٍ من الأحيان، يكون القلق مرتبطًا بتوقُّع خطر، أو بلية، أو فقدان. ونرى القلق كثيرًا في الكتاب المقدس. فقد شعر والد شاول بالقلق عندما لم يعرف مكان ابنه (1 صموئيل10: 2)، وتحدث كاتب المزمور مجازيًّا عن أناسٍ "آكِلِينَ خُبْزَ الأَتْعَابِ [الكدح القلِق]" (مزمور 127: 2)، ونطق إشعياء بكلمات "لِخَائِفِي الْقُلُوبِ" (إشعياء 35: 4)، كما قال دانيال إن روحه كانت قلقة [حزينة] في داخله (دانيال 7: 15)، وكانت مرثا "تهتم وتضطرب لأَجْلِ أُمُورٍ كَثِيرَةٍ" (لوقا 10: 41)؛ وبل وقد عانى الرسول بولس نفسه من القلق (2 كورنثوس 11: 28). ينبغي إذن ألا يفاجئنا أن أربعين مليون أمريكيًّا يصارعون مع القلق بصفة مستمرة. فالجميع يصارعون من آن لآخر مع قدرٍ من القلق. وهذا الأمر حتمي.

في المقام الأول، مصدر القلق هو سقوط الجنس البشري. فعندما أكل آدم وحواء من الثمرة المحرَّمة، وأغرقا العالم معهما في الخطية والشقاء، كان الشعور التالي مباشرة الذي اختبروه هو الخوف (تكوين 3: 10). والخوف هو، بالتأكيد، واحد من عناصر القلق. فما أن فسدت العلاقة بين الله والإنسان، التي كانت قبلًا مثالية، تلاشى شعور آدم وحواء بالأمان والسلام. فإنهما لم يعرفا ما كان المستقبل يخبئه لهما، ولم يعرفا ما سيفعله الله ردًّا على خطيتهما. فقد أنذرهما الله بأنهما سيموتان إذا أكلا من الثمرة المحرمة (تكوين 2: 17). ربما لم يعلما بالكامل ما كان يعنيه ذلك، ومع ذلك، وللمرة الأولى، انتابهما الخوف، وساورهما القلق. فالسقوط هو المصدر الرئيسي للقلق.

كما تنشأ تموُّجات عندما تلقي بحجرٍ في بركة مياه، هكذا أيضًا تفيض من السقوط تموجات أو توابع متنوعة تختص بالقلق. نستطيع أن نسمي هذه التوابع بالمصادر الثانوية للقلق. يتأثر البشر الساقطون بهذه المصادر الثانوية بطرق ودرجات متفاوتة. أحد المصادر الثانوية للقلق هو تأثير السقوط على الكيمياء الحيوية للإنسان. فما يقرب من 18% من الأمريكيين يصارعون مع القلق بسبب خلل كيميائي في المخ. فهم يعانون من اضطراب القلق المرضي المشخَّص من قبل طبيب. وفي الكثير من الأحيان، يتطلَّب الأمر جلسات علاجية وتناول أدوية.

للأسف، يُحَث الكثير من المؤمنين العالقين في هذه الورطة في كثير من الأحيان بأن "يصلُّوا أكثر" أو "يقرأوا الكتاب المقدس أكثر". وقد نحتُ مع أعضاءٍ من كنيستنا شعروا وكأنهم مواطنون من الدرجة الثانية بسبب تعليقات (حسنة النية) نظير هذه. وبالتالي، ثمة أهمية كبيرة أن ندرك التشابه بين اضطرابات القلق المرضي والحالات الطبية المزمنة الأخرى. فالمشكلة لا تكمن في أن الشخص لا يفعل ما يكفي، لأنه في بعض الأحيان، تكون المشكلة خارجةً عن نطاق سيطرته. وإذا كان من غير الممكن أن نقول لشخص يستخدم الكرسي المتحرك أن "يصلِّي أكثر"، فعلينا أيضًا ألا نقول هذا الكلام لشخص يعاني من اضطراب القلق المرضي الذي جرى تشخيصه. فمثل هؤلاء الأشخاص الأعزاء يحتاجون إلى تعاطفنا، وإلى تدخل طبي، وليس إلى الكلام المبتذل.

من بين المصادر الثانوية الأخرى التي تسهم في القلق هو طبيعة الشخصية، والخبرات الحياتية، والمواقف الصعبة التي تشكِّل ضغطًا على الإنسان. ربما كانت هناك جوانب من شخصيتك التي أعطاك الله إياها تجعلك أكثر عُرضة للقلق من الآخرين. أو ربما تعاني من بالقلق بسبب شيء مررت به في طفولتك. فإذا كان أحد والديك قد خسر وظيفته وأنت طفلٌ، فلن يكون من المفاجئ أن يساورك القلق الشديد كلما أراد رئيسك في العمل التحدُّث معك. فالمصادر الثانوية للقلق متنوِّعة ومعقدة.

دون شك، واحد من أشد المصادر الثانوية للقلق تأثيرًا هو الخطية. فعندما نخطئ، نختبر الشعور بالذنب والخزي، ويساورنا القلق عندما نفكِّر في العواقب المحتملة. فكِّر معي في الخوف والضيق اللذين شعر بهما يعقوب عندما اكتشف أن عيسو أخاه، الذي كان قد خدعه (مرتين)، كان آتيًا لملاقاته (تكوين 32: 7). كذلك، تحدَّث داود الملك عن اختباره صراعًا داخليًّا عميقًا نابعًا من خطية غير معترَف بها (مزمور 32: 3). ويقول يعقوب في رسالته: "اِعْتَرِفُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ بِالزَّلاَتِ، وَصَلُّوا بَعْضُكُمْ لأَجْلِ بَعْضٍ، لِكَيْ تُشْفَوْا" (يعقوب 5: 16). ومن المؤكَّد أن جزءًا من شفائنا يتمثَّل في التحرُّر من القلق المتصل بالخطية. والخبر السار هو أننا نعبد إلهَ نعمةٍ مستعدًّا دائمًا أن يغفر لنا ويجدِّدنا في المسيح.

من بين المصادر الثانوية المهمة الأخرى للقلق هو ضعف الإيمان. فكِّر معي فيما قاله يسوع في متى 6: 25-34. فهو يوصينا ألا نقلق بشأن تسديد احتياجاتنا الأساسية (المأكل والملبس). لاحظ جيدًا كيف قارن يسوع بين قيمتنا وقيمة العصافير (الآية 26). فإذا لم نؤمن بقيمتنا الكبيرة لدى الله، سنقلق حيال تسديده لاحتياجاتنا. قال يسوع أيضًا إن القلق لا يمكن أن يطيل من أعمارنا (الآية 27). وإذا كنا غير متيقنين مما سيحدث لنا عند موتنا، لن نتمكَّن من تجنُّب الشعور بالقلق حيال موتنا المحتوم. ثم أشار يسوع أيضًا إلى الملابس (الآية 28). فمن الواضح أن القلق حيال مظهرنا ليس بالأمر الجديد. وأخيرًا، ربط يسوع كلَّ أشكال القلق الثلاثة هذه بسببٍ واحدٍ، قائلًا: "يَا قَلِيلِي الإِيمَانِ" (الآية 30).

ربما كان كلُّ ما يحتاج إليه شخصٌ يعاني من القلق هو فقط أن يتقوَّى في إيمانه بسلطان الله، وصلاحه، وأمانته. وربما كان بحاجة إلى قضاء المزيد من الوقت في التفكير في الكيفية التي يكشف بها الصليب عن قيمتنا الكبيرة لدى الله. يعلِّمنا يسوع بأنه ثمة صلة واضحة بين قوة الإيمان وتناقص الشعور بالقلق (غير العضوي أو المرضي). إلا أنه لم يعلِّم بأنه من الممكن أن نتمتع بقدر من الإيمان كافٍ للقضاء على القلق تمامًا. فينبغي أن نحترس من المساواة بين قوة الإيمان وغياب القلق. فقد كان لدى الرسول بولس على الأرجح إيمان أقوى من أيِّ إنسان آخر في التاريخ، ومع ذلك، فقد عانى من القلق، كما هو مذكور أعلاه. لكن، علينا ألا نفترض أنه لا يوجد ما يمكن أن نفعله حيال قلقنا. فما أن نتمكَّن من تحديد المصادر الثانوية لقلقنا، ينبغي أن نسأل أنفسنا والآخرين عمَّا يمكن أن يكون الحال عليه إذا كان إيماننا أقوى. في حالتي، كان قلقي نابعًا إلى حدٍّ كبير من مزيج خطير من الكبرياء وضغوط عمل خارجة عن السيطرة. فقد كنتُ أحاول فعل كل شيء، دون طلب مساعدة من أحد، وكنت مسحوقًا تحت عبء مسؤوليات تفوق قدرة احتمالي. وكي أتقوى في إيماني بالمسيح، تطلَّب مني الأمر أن أكون على استعداد لتولِّي مسؤوليات أقل في العمل.

إن فهم المصدر الرئيسي للقلق، وتحديد مصادره الثانوية، هو خطوة حيوية للغاية في طريق الحرية. فالوعي بهذه الأمور يساعدنا من ناحيتين. أولًا، يساعدنا أن نكون لطفاء، وشفوقين، وطويلي الأناة مع الذين يعانون من القلق. فمعرفتنا بأن للقلق مجموعة معقَّدة من الأسباب تمنعنا من اقتراح حلول سطحية، وتمكِّننا من مساعدة الذين يعانون من القلق بدلًا من التسبُّب لهم، دون قصد، في المزيد من القلق أو الخوف. ثانيًا، إن فهم المصدر الرئيسي للقلق، وتحديد مصادره الثانوية، هو تدريب على ممارسة الرجاء.

لا شيء يستحيل على الرب (تكون 18: 14)، و"عِنْدَ ٱللهِ كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ" (متى 19: 26). وإننا نستطيع كلَّ شيء في المسيح الذي يقوينا (فيلبي 4: 13). كثيرون جدًا من المسيحين (وأنا منهم أيضًا) صاروا أكثر قناعةً من ذي قبل بتلك الحقائق بسبب إعانة الرب لهم بنعمته وقوته على التعامل مع القلق، بل والتغلُّب عليه أيضًا. إذا كنتَ تصارع مع القلق، هناك أمران ينطبقان عليك: أولًا، أنت بحاجة إلى المساعدة؛ وثانيًا، معونتك هي من عند الرب (مزمور 121: 2).

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

مات رايمان
مات رايمان
القس مات رايمان هو زارع كنائس بمدينة مينيابوليس، ولاية مينيسوتا. وقد تولَّى سابقًا منصب كبير رعاة كنيسة يونيفرسيتي المشيخية بمدينة أورلاندو، ولاية فلوريدا.