الألم ومجد الله
۸ أبريل ۲۰۱۹
المخاطر التي تواجه الكنيسة الإنجيلية
۱۸ أبريل ۲۰۱۹

حقيقة تاريخية آدم

"في سقوط آدم، أخطأنا جميعًا". هكذا يبدأ الكتاب المُقرر نيو إنجلاند الدراسي التمهيدي (New England Primer)،[1] الذي علّم أجيالًا من الأمريكان القراءة في وقت مبكر. في تقديمهِ للحرف "A"، قدّم هذا الكتاب مقدارًا كبيرًا من اللاهوت الكتابي. وكما صاغ بولس الرسول الأمر بوضوح في 1 كورنثوس 15: 22 "لأَنَّهُ كَمَا فِي آدَمَ يَمُوتُ الْجَمِيعُ هَكَذَا فِي الْمَسِيحِ سَيُحْيَا الْجَمِيعُ". فمن خلال آدم دخلت الخطية والموت إلى العالم. وبالمسيح تمت هزيمة الخطية والموت. خسر آدم الحياة بعصيانه. أما المسيح فقد حقق الحياة بطاعته. ويؤكّد بولس في رسالته لأهل كورنثوس أن هذه الحقائق البسيطة والأساسية هي بُنيّة ومُحتوي رسالة الإنجيل.

لطالما تساءل المتشككون في عالمنا المعاصر عن حقيقة تاريخية آدم أو أنكرونها. وقد شارك علماء اللاهوت أنصار الأرثوذكسيّة الجديدة (Neo-orthodox) بأصواتهم مع هذا الفريق في القرن الماضي. وفي الآونة الأخيرة، وتحت ضغط نظرية التطور، انضمت أيضًا بعض الأصوات الإنجيلية البارزة مؤيدة ذلك التشكيك. قال واحد من علماء العهد القديم الإنجيليين البارزين بأنه "ليس ضروريًا أن يكون آدم شخصًا تاريخيًّا لكي يكون [تكوين 1-2] بلا خطأ فيما قصد أن يعلّمه". وأنكر عالم آخر للعهد القديم إنجيلي ومعروف أن "آدم الحرفي كان أول إنسان والسبب في الخطية والموت". ويُواصل هذا العالِم قائلاً، مع ذلك يمكننا أن نتمسك " بثلاثة عناصر أساسية لبشارة الإنجيل"، أي، "مشكلة الموت البديهيّة في العالم؛ ومشكلة الخطية البديهيّة في العالم، والحدث التاريخي لموت وقيامه المسيح".

وهنا يجدر بنا أن نتوقف ونستعرض ماهية القضايا المطروحة في هذا النقاش بالذات. القضية هنا لا تتعلق بعمر الأرض والكون. ولا تتعلّق بكيفية فهم الأيام المذكورة في الأصحاح الاول من سفر التكوين. فقد اختلف الإنجيليون المُصلِحون حول هذه القضايا على مدى أجيال، ولكن في نفس الوقت كانوا يؤكدون دومًا على إيمانهم المشترك بأن آدم كان شخصًا تاريخيًّا.

يمكننا أن نحدد الأمر في شكل سؤالين متعلقين بالموضوع. أولاً، هل يتطلّب الكتاب المقدس منا أن نؤمن أن آدم كان شخصًا تاريخيًّا؟ ثانيًا، هل سيُفقد أي شيء من بشارة الإنجيل إن أنكرنا تاريخيّة آدم؟

وردًا على السؤال الأول، فالإجابة هي نعم، إن الكتاب المقدس يتطلّب منا أن نؤمن أن آدم كان شخصًا تاريخيًّا. فأوضح شهادة عن تاريخية آدم تأتي من العهد الجديد. فعندما فسّر المسيح الأصحاح الثاني من سفر التكوين تحدث بوضوح عن الرجل الأول والمرأة الأولى في إطار تاريخي، وعن نظام الزواج في إطار تاريخي (متى 19: 4-6). وتحدث الرسول بولس، مشيرًا إلى الأصحاح الثاني في سفر التكوين، عن آدم وحواء من منطلق تاريخي أيضًا (1 تيموثاوس 2: 12-14).

وفي 1 كورنثوس 15ورومية ٥، يضع بولس آدم ويسوع في علاقة متوازية. إذ يدعو بولس يسوع "آدم الثاني" — فلا يوجد أحد بين آدم ويسوع (1 كورنثوس 15: 47). ويدعوهُ أيضًا "آدم الأخير" — فلا يوجد أحد بعد يسوع (الآية 45). تتطلّب هذه العلاقة أن يكون آدم شخصًا تاريخيًّا. يقارن بولس بين آدم والمسيح من منطلق ما فعله كلٌ منهما. تحدّث بولس عن تعدي آدم بأكله من الثمرة المُحرّمة، وعن طاعة المسيح حتى الموت وقيامة الحياة. ولتستقيم هذه المقارنة، يجب أن تكون أفعال آدم تاريخيّة تمامًا كما أن أفعال المسيح تاريخيّة، ويجب أن يكون آدم شخصًا تاريخيًّا كما كان ومازال المسيح كذلك.

وبناءً على ذلك، فإن الكتاب المقدس يتطلّب منّا أن نؤمن أن آدم كان شخصًا تاريخيًّا. والآن نتناول الإجابة على السؤال الثاني، كيف نتعامل مع الحجة القائلة بأنه لن يُقفد أي شيء في رسالة الإنجيل إن أنكرنا تاريخيّة آدم؟ هل بإمكاننا أن نتمسك بالخطية والموت في العالم مع استبعاد الطريقة التي يشرح بها الكتاب المقدس دخول الخطية والموت إلى العالم؟ الإجابة هي لا. فالكتاب المقدس لا يعطينا هذا الخيار. إنّهُ يُّعلم بوضوح أن الخطية دخلت إلى العالم من خلال الفعل الواحد للإنسان الواحد التاريخي، أي آدم (رومية 5: 12). إن رفضنا رواية الكتاب المقدس عن نقطه الدخول التاريخيّة للخطية إلى الوجود البشري، فعندها، كما أوضح ريتشارد جافِن (Richard Gaffin) بشكلٍ صحيح، لن تعد الخطية مسألة "سقوط بشري". بل مسألة "واقع بشري". إنها مجرد واقع لطبيعة البشر.

إن هذا الفهم لمُعضلتنا يشوّه رسالة الإنجيل. في غياب السقوط الذي حدث في التاريخ، فإن رواية الكتاب المقدس عن الفداء من خلال آدم الثاني والأخير، يسوع المسيح، لا معنى لها على الإطلاق. فكيف يمكن أن يكون هناك مغزى في القول مع الكتاب المقدس أن الله، في سيادتهِ ورحمته غير المحدودة، قد استعاد وجدّد ما ضاع في السقوط؟ إن إنكار تاريخية آدم ليس أمرا بسيطًا أو تافهًا. بل لهُ تداعيات أساسية في الطريقة التي ننظر بها إلى طبيعة البشر، والشر، والفداء.

الدرس الثاني في المُقرر نيو إنجلاند الدراسي التمهيدي، والذي يعلّم حرف "B"، هو "لكي تُصلح حياتك / انتبه لهذا الكتاب [الكتاب المقدس]". بعد توضيح مشكلتنا البشرية من منطلق كتابي في الدرس الخاص بحرف الأبجدية الأول "A"، يقدم المُقَرّر لنا الحل أيضًا من منطلق كتابي في الدرس الخاص بالحرف "B". إنها نصيحة حكيمة حقًا. فما جمعهُ الله لا يُفرّقهُ إنسان.

[1] المترجم: الكتاب المُقرر نيو إنجلاند الدراسي هو أول كتاب تمهيدي للقراءة مصمم للمستعمرات الأمريكيّة. وقد أصبح الكتاب المدرسي التعليمي الأكثر نجاحًا الذي تم نشره في الولايات المتحدة المستعمرة في القرن السابع عشر وأصبح أساسًا لمعظم التعليم المدرسي قبل التسعينيات من القرن الثامن عشر.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

جَاَيْ برِنتِس وُاتَرز
جَاَيْ برِنتِس وُاتَرز
الدكتور جَاَيْ برِنتِس وُاتَرز هو أستاذ العهد الجديد بكلية اللاهوت المُصلَحة في مدينة جاكسون، بولاية مسيسيبي، وشيخٌ للتعليم في الكنيسة المشيخيّة في أمريكا. وهو مؤلف كتاب "طريقة إدارة يسوع للكنيسة" (How Jesus Runs the Church).