رئيس السلام
۱٤ يناير ۲۰۲۱
المسيح والمزامير
۲۱ يناير ۲۰۲۱

مخطوطات البحر الميت

في شتاء عام 1947، تعثَّر راعي بدوي يُدعى مُحمد الذئب (Muhammed edh-Dhib) في كهف على الجانب الغربي من البحر الميت. اكتشف في هذا الكهف (الذي سُمي لاحقًا بكهف قمران رقم 1) بعض المخطوطات، كانت سبعة منها شبه مكتملة. رغب البدو في بيع هذه المخطوطات، فاستعانوا بتاجر آثار من بلدة بيت لحم. قام دير أرثوذكسي سوري بشراء أربعة من المخطوطات، وقام إليعازر ليبا سوكينِك (E.L. Sukenik) بشراء الثلاثة الآخرين. كان سوكينِك عالم آثار إسرائيليًّا وأحد الأعضاء المؤسِّسين لقسم الآثار في الجامعة العبريَّة في أورشليم القدس. وعلى مدار السنوات القليلة اللاحقة، تم العثور على العديد من المخطوطات في كهوف أخرى في المنطقة. وقد بدأت أعمال التنقيب في الكهوف في بداية عام 1949 تحت إشراف جيرالد لانكستر هاردِنج (G. Lankester Harding) ورولاند دي فوس (Roland de Vaux) (في الكهف رقم 1)، واستمر العمل حتى مشارف نهاية خمسينيَّات القرن العشرين.

في نهاية عام 1950، بدأ دي فوس وهاردِنج أيضًا التنقيب في منطقة قُمران الواقعة على الجانب الغربي من البحر الميت بالقرب من الكهوف. كانوا يعتقدون أن قُمران كانت موطنًا مُستقَّرًا لجماعة يهودية تدعى بالأسينيِّين. فخلال القرنين الثاني والأول قبل الميلاد، انفصلت جماعة يهوديَّة صغيرة عن الكهنوت في أورشليم لأن الكهنة قد صاروا علمانيين. وقد قدَّر كل من يوسيفوس وفيلو عدد الأسينيِّين بأربعة آلاف. جماعة صغيرة منهم انسحبت إلى الصحراء ليعدوا الطريق للرب (استنادًا إلى إشعياء 40: 3)، من ثمَّ أسَّسوا جماعة الصحراء في قمران بقيادة من يُدعى "مُعلم البر". واعتبروا أنفسهم "إسرائيل الحقيقيَّة" وألزموا أنفسهم بعهد جديد أمنوا بأنه سيساعد في إقامة مملكة ثيوقراطيَّة. يعتقد معظم العلماء أن هذه الجماعة من الأسينيِّين هي التي كتبت ونسخت مخطوطات البحر الميت المُخبأة في الكهوف بالقرب من قُمران. (يظن بعض العلماء الآخرين أن الجماعة التي كانت في قُمران ليست من الأسينيين بل جماعة أخرى منفصلة).

كشفت الحفريات من مساكن الأسينيِّين في قُمران (حوالي 150 ق.م.-68 م.) عن عدم وجود أماكن إقامة لهم. فيبدو أن الأسينيِّين سكنوا كهوف المنحدرات المجاورة، أو ربما في خيام، وتجمَّعوا من أجل أنشطة دينيَّة واقتصاديَّة في ذلك الموقع. ومن المرجَّح أن جماعة قمران كانت متبتلة إذ كشفت أعمال التنقيب في المقبرة أن معظم الجثامين كانت لذكور راشدين، مع قلة من النساء والأطفال. احتوى الموقع على نظام مائي متطوِّر به أحواض لأغراض طقسيَّة (mikvot) استخدمها الأسينيُّون للمعموديَّة التطهيريَّة. كما عثر المنقِّبون على غرفة طعام (وهي غرفة لطعام الشركة) بها المئات من الأوعية والأطباق وأواني طعام أخرى. والأهم من ذلك، أنهم اكتشفوا غرفة نسخ تحتوي حطامها على طاولة كتابة ملساء ومحبرتين. ويُرجَّح أن العديد من المخطوطات المُكتشفة في الكهوف قد نُسخت في هذه المُنشأة.

تم العثور على ما يقرب من تسعمائة مخطوطة متباينة في حالات حفظها داخل كهوف قمران (الكهوف المُرقَّمة من 1 إلى 11). احتوى الكهف رقم 4 على الغالبيَّة العظمى من المخطوطات؛ قرابة الثمانمائة وثيقة. غالبيَّة المخطوطات مصنوعة من الجلد، رغم أن بعضها مصنوع من ورق البردي. تمت كتابة غالبيَّة الوثائق باللغة العبرية، وبعض منه باللغة الآراميَّة، وقلَّة باللغة اليونانيَّة. يمكن تقسيم أنواع المخطوطات إلى ثلاث مجموعات عامة: نصوص من أسفار العهد القديم، ونصوص دينيَّة غير كتابيَّة من حقبة الهيكل الثاني (حوالي 516 ق. م-70 م.)، ونصوص خاصة بالطائفة غير موجودة في مكان آخر. اشتملت نصوص حقبة الهيكل الثاني على كتابات من الأبوكريفا مثل كتاب طوبيا، ومن مجموعة غير كتابيَّة أخرى زائفة الانتساب تُدعى Pseudepigrapha، مثل كتاب أخنوخ. واحتوت الكتابات الخاصة بالطائفة على كتابات أعراف المجتمع، وتقويماته، وصلواته، ونصوص سحريَّة، وكتابات مهمة مثل لفافة الحرب (War Scroll) ولفافة الهيكل (Temple Scroll).

وقد عُثر في الأحد عشر كهفًا على مقاطع من أسفار العهد القديم في 240 مخطوطة. معظمها صغير الحجم، لا تحتوي سوى على عُشر السفر. لكن، عُثر في الكهف رقم 1 على سفر إشعياء كاملًا. في البداية كان يُعتَقد أنه تم اكتشاف جميع الاسفار عدا سفري إستير ونحميا. تم تفسير غياب سفر نحميا على أنه تتمة لسفر عزرا المكتوب في المخطوطة ذاتها، لكن الأجزاء التي احتوت على سفر نحميا لم تنجُ من قرون البلى في الكهوف. مع ذلك في عام 2016، نشر تارلِف إلجفِن (Tarleif Elgvin)، وهو عالم نرويجي في مخطوطات البحر الميت، قُصاصة تحمل جزءًا من سفر نحميا، زاعمًا أنه اكتشافها في أحد كهوف قمران. وعن سفر إستير، يفترض بعض العلماء أن عدم وجوده يعود إلى عدم ذكره اسم الله قط، أو ربما بسبب إنه من وجهة نظر الأسينيِّين يُظهر رضوخًا من جانب اليهود للسلطات الفارسيَّة. أو ربما أيضًا كانت نسخ من سفر إستير موجودة قبلًا لكنها لم تنجو. تحتوي معظم المخطوطات على سفر واحد لا غير، في حين هناك ثلاث مخطوطات تحتوي على أسفار متتالية. تحتوي مخطوطتان على سفري التكوين والخروج معًا، ومخطوطة أخرى تضم سفري اللاويين والعدد معًا. كما تحتوي بعض المخطوطات على عدة أسفار للأنبياء الصغار معًا. أسفار العهد القديم التي تحتوي على أكبر عدد من النسخ من بين مخطوطات البحر الميت هي التكوين والخروج والتثنية والمزامير وإشعياء.

يصعب تحديد تاريخ كتابة ونسخ هذه المخطوطات. فقد أُجريت العديد من اختبارات الكربون 14 على بعض المخطوطات، التي أظهرت إمكانية كتابة النصوص الأولى في منتصف القرن الثالث قبل الميلاد. وربما نُسخت بعض المخطوطات في وقت متأخر قُبيل الغزو الروماني لمنطقة البحر الميت عام 68 م. كما تؤكِّد دراسات الكتابة القديمة، التي تقارن الكتابة الأبجديَّة لمخطوطات البحر الميت مع مصادر أخرى مثل العملات المعدنيَّة ومخطوطات أخرى، أن أقدم هذه المخطوطات ربما ظهرت في منتصف القرن الثالث قبل الميلاد. يجعل هذا التأريخ مخطوطات البحر الميت ثاني أقدم المخطوطات المعروفة للنصوص الكتابية باللغة العبريَّة. لا يسبقها سوى لفافتا كتف هنوم الفضيتان (Ketef Hinnom Amulet) من أواخر القرن السابع قبل الميلاد، والتي تحتوي على البركة الكهنوتيَّة من الأصحاح السادس لسفر العدد.

أطلق وليم فوكسوِل أُلبرايت (William Foxwell Albright)، رائد علم الأثار الأمريكي في إسرائيل، على مخطوطات البحر الميت: "أعظم اكتشاف أثري في العصور الحديثة". وهذا تقييم صائب لأسباب عديدة. أولًا، قبل اكتشاف مخطوطات البحر الميت، تمثَّلت أقدم مخطوطة كاملة للعهد القديم في مخطوطة لينينجراد (Leningrad Codex)، التي تعود إلى عام 1008 م. ترجع بعض المخطوطات الكتابيَّة في قمران إلى ما قبل تلك المخطوطة بحوالي 1200 عام. لذا تعتبر مخطوطات البحر الميت أكثر قربًا من زمن كتابة الأسفار الكتابيَّة. مما يساعد، بكل وضوح، علماء الكتاب المقدس على تقييم نسخ الأسفار الكتابيَّة عبر الزمن. على سبيل المثال، يعتبر المزمور 145 قصيدة شعريَّة أبجديَّة إذ تبدأ كل آية (سطرين) من المزمور بحرف متتالي من الأبجديَّة العبريَّة. ومع ذلك، في النص العبري الذي تسلَّمناه والذي يُعتبر الأساس الأولي للترجمات المعاصرة (النص الماسوري)، تفتقد الصيغة الشعريَّة الآية (سطرين) التي يُقترض أنها تبدأ بالحرف "نون" بين الآيتين 13 و14. ومع ذلك، فإن هذين السطرين (آية واحدة) محفوظان في مخطوطة من مخطوطات البحر الميت التي تضم المزمور 145. فمن المُرجح أن آية الحرف "نون" قد أُغفلت بخطأ من الناسخ عند نسخه للنص العبري. وحقًا، تتضمن الآن العديد من الترجمات الحديثة على هذه الآية من مخطوطات البحر الميت (مثل ترجمة ESV وNASB).

ومع ذلك، من المهم للقارئ إدراك أن الاختلافات بين النص العبري الذي تسلَّمناه ومخطوطات البحر الميت طفيفة. إذ تؤكِّد المقارنة بين النصوص على مصداقيَّة الأسفار المقدسة وكيف حُفظت ببراعة على مر العصور. كما ينبغي اعتبار هذه الحقيقة أنها عمل حفظ الروح القدس وحمايته لكلمة الله وعنايته بها على مدار آلاف السنين. ترجع الاختلافات الطفيفة بين النصوص إلى أخطاء الناسخين أو حذفهم في المقام الأول. ومرة أخرى، لا ينبغي أن تقود هذه الاختلافات الطفيفة بأي حال إلى حالة إلى عدم الثقة في النص الذي بين أيدينا.

ثانيًا، تعتبر مخطوطات قمران مهمة لأنها تزودنا بمعلومات هامة بشأن سلوكيَّات مجتمع قمران. توضِّح إحدى المخطوطات، والتي تسمى دليل التأديب، العديد من القواعد الخاصة بسلوك هذا المجتمع. تزودنا نصوص أخرى بمعلومات دقيقة عن مختلف طوائف اليهوديَّة في ذلك الزمن، مثل وثيقة دمشق التي تدين بعض ممارسات المعارضين الدينيِّين لجماعة قمران التي تُقيم في أورشليم. لذا تعتبر مخطوطات البحر الميت من أهم سجلات اليهوديَّة وممارساتها خلال حقبة الهيكل الثاني.

ثالثُا، تساعدنا مخطوطات البحر الميت على فهم عالم العهد الجديد. ينبغي ملاحظة عدم احتواء مخطوطات البحر الميت على أية نصوص من العهد الجديد أو شخصياته، على الرغم من الادعاء القائل بأن يوحنا المعمدان ربما كان أسينيًّا من هذه المنطقة. هناك أيضًا أدلة على أن كتَّاب العهد الجديد كانوا على دراية بالكتابات العقائديَّة لجماعة قمران. بتزويدنا بلمحةٍ عن الحياة خلال هذه الحقبة، تُعد مخطوطات البحر الميت موردًا قيِّمًا في دراسات العهد الجديد فيما يتعلَّق بالخلفيَّات والبيئة العامة الذين تقدِّمها.

لكن العمل لم ينتهي بعد. لا تزال العديد من الأجزاء في حاجة إلى ترجمتها. بالإضافة إلى ذلك، فقد عُثر على أجزاء من مخطوطات في كهوف أخرى عديدة في برية يهوذا ومنطقة البحر الميت. على سبيل المثال، عُثر في وادي المربعات على مخطوطات في عدة كهوف: في الكهف رقم 5، عثر الرعاة عل وثيقة مفردة، وهي مخطوطة لأسفار الأنبياء الصغار. لذلك، مع استمرار العمل، يمكننا أن نتوقَّع المزيد من الاكتشافات مما سيساعدنا على فهم نسخ نصوص العهد القديم، واليهوديَّة في حقبة الهيكل الثاني، وبيئة أسفار العهد الجديد.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

جون كريد
جون كريد
الدكتور جون كريد أستاذ ورئيس قسم العهد القديم بكليَّة اللاهوت المُصلَحة (Reformed Theological Seminary)، وقس التعليم والوعظ بكنيسة (Sovereign Grace Presbyterian) بمدينة شارلوت في ولاية كارولينا الشماليَّة. وهو مُؤلِّف العديد من الكتب منها "ضد الآلهة" (Against the Gods)، و"لماذا أتألم؟" (Why ?Do I Suffer)، كما عمل رئيس تحرير الكتاب المقدس الدراسي (ESV Archaeology Study Bible).