المجد
۲۰ نوفمبر ۲۰۲۰
مخطوطات البحر الميت
۱۸ يناير ۲۰۲۱

رئيس السلام

تخيَّل البلد الذي كنت تعتز به صار الآن مُنقسمًا، ومُحطَّمًا، وتسوده قيادة فاسدة، ومُعرَّض للخطر من قبل قوى دوليَّة كثيرة، ويبدو أنه على وشك الانهيار. تخيَّل أفضل قادتك قد أُصيبوا بالشلل بسبب ضعف الشخصيَّة، والتردُّد، والتحالفات الدوليَّة غير الحكيمة. شكَّلت هذه المخاوف المظلمة الحياة السياسيَّة والثقافيَّة في أورشليم في القرن الثامن قبل الميلاد وهي تعد الخلفيَّة المباشرة لنبوَّة إشعياء 9: 6-7. كانت مملكة إسرائيل الشماليَّة قد انقلبت على شقيقتها في الجنوب، أي مملكة يهوذا، حيث دخلت في تحالف غير حكيم مع سوريا في الشمال، وهو تحالف من شأنه أن يؤدِّي إلى تدمير كلا الفريقين على يد الجيش الآشوري. بقيت مملكة يهوذا وحيدة مع تضاؤل احتمالات البقاء على قيد الحياة.

في هذه الحالة الأليمة، نطق إشعياء بنبوَّة رجاء عن طفل سيُولد للمملكة ويجلب تجديد وإحياء قومي ودولي للعالم كله.

يبدأ هذا النص الكتابي بطمأنة المستمعين من المملكة الجنوبيَّة بأن المملكة الشماليَّة ستُدرج ضمن العودة من السبي (9: 1). فسوف تشمل العودة القادمة كل بني إسرائيل، حتى أسباط المملكة الشماليَّة المُتمرِّدة (انظر حزقيال 37: 16-17). حتى بالنسبة للمملكة الشماليَّة وعاصمته السامرة فإن ظلام السبي سينتهي يومًا ما، وستشرق شمس العودة ويأتي الملك الجديد. يوضِّح إنجيل متى كيف يأتي تجديد وإحياء المملكة من خلال خدمة يسوع المسيح (متى 4: 12-16). إنه النور الساطع وسط الظلام.

من وجهة نظر إشعياء، المهم هو أن هذا الإصلاح القادم سيشهد إعادة توحيد مملكتي إسرائيل تحت حكم ملك من نسل داود (انظر 2 صموئيل 7: 14). إن ولادة الطفل ستُمثِّل نهاية معاناتهم في السبي. إن الطفل في إشعياء 9 هو الملك الجديد الذي سيبدأ فترة العودة والإصلاح لشعب الله بعد سنوات طويلة من السبي.

يستحضر إشعياء 9: 1-7 مشهد مراسم حفل تتويج حيث يُقرأ فيه الألقاب الملكيَّة بصوت عالٍ أمام جمهور من الرعايا وكبار الشخصيَّات. في هذه الحالة، يُصوِّر كل لقب الخصائص الفائقة للحاكم الجديد التي سيستخدمها وهو يؤسِّس مملكته المستقبليَّة باعتبارها النور الذي يحل محل ظلام السبي القادم.

عجيبًا مشيرًا. قد يبدو معنى هذا اللقب غامضًا للقارئ المعاصر. فالمشير في هذه الحالة ينطوي على البراعة في الحكمة وتعاليمها. كان هذا المشير الحكيم يخدم في بلاط الملك، الذي بدوره حكم كرئيس للسلطة القضائيَّة في البلاد. ومع ذلك، فإن الملك الذي سيحقِّق الإصلاح سوف يتفوَّق في جميع مجالات الحكمة، مثل سليمان في الماضي، ولكنَّه سيكون مشيرًا بمقاييس عجيبة، حيث تُؤيَّد مشورته بالعجائب المُصاحبة لها (متى 12: 42؛ لوقا 11: 31؛ 1 كورنثوس 1: 24). على هذا النحو، سوف يحل مشكلة ضعف القيادة القديمة (إشعياء 3: 3).

إلهًا قديرًا. يشير هذا اللقب إلى أن الملك سوف يرتبط بالسيادة الإلهيَّة التي سيستمد منها سلطته. لن يكون هذا الملك مثل ملك إسرائيل الأول، شاول، الذي كان "صغيرًا في عينيه" (1 صموئيل 15: 17)، وهو انعدام الأمان الذي جعله يقود الشعب نحو أهدافه الخاصة وليس أهداف الرب. سيرتبط الملك الذي سيحقِّق الإصلاح بالله الملك ذو السيادة الذي يستقبل منه، هو وكل سلطة أخرى في العالم، سلطانه على الأرض (متى 28: 18).

أبًا أبديًّا. يتضمَّن هذا اللقب سمة أخرى من سمات العرش: الملك كأب للشعب. يتذكَّر المؤمنون أن أبوَّة الله هي الموضوع الأساسي في الصلاة التي علَّمها يسوع لتلاميذه (6: 9). في تلك الصلاة، يتم تشجيع المؤمن على الصلاة إلى الله كأب سيأتي ملكوته ويجب أن تتم مشيئته الملكيَّة هنا على الأرض كما في السماء. في إشعياء 9، لا يُقصد بلغة "الأب" أن تدل على العلاقة الحميمة بقدر ما تعني التبجيل الذي يكنُّه المرء للملك (يوحنا 10: 30؛ 14: 9-10).

رئيس السلام. يشير هذا اللقب الأخير إلى وفرة واكتمال المملكة المُستردة القادمة. إن لقب "رئيس" ليس بالضرورة لقبًا لسلطة أقل في الحكومة من "الملك" بل يشمل مجموعة أكبر من الحُكَّام المسؤولين. فلن يكون ابن داود القادم ملكًا فحسب، بل سيكون حاكمًا يُبشِّر بفترة من الشالوم أي السلام، والرفاهية والكمال المجتمعي الخاص بالمملكة. سوف تأخذ العدالة مجراها. والفقراء والمظلومون سينالون الراحة. وسيعيش الجميع بشكل كامل وكلي ليتمِّموا الأدوار والمهام التي وضعها لهم الله (يوحنا 17: 20-23؛ غلاطية 3: 27؛ فيلبى 1: 6).

بالنسبة للنبي إشعياء، شكَّل يقين هذه المملكة المُستردة وملكها سببًا عظيمًا للرجاء والاحتفال. كان زمانه مظلم، وكان سيصبح أكثر قتامة، ولكن الرب في "غيرته" (9: 7) لن يسمح للظلام أن يدوم إلى الأبد. لدينا الكثير من القواسم المشتركة مع مستمعي رسالة إشعياء. كلما بدا الله غائبًا لفترة أطول في الواقع المرير للسبي، زادت جسارة القول بأن الملك الذي سيجلب الإصلاح قادم. إن قولنا بأن الملك سيعود هو أيضًا أمر جريء، لكنَّنا نعرف الملك الذي كان يتحدَّث عنه إشعياء. لقد عرفناه، وهو سيأتي ثانية من أجلنا، وستكون عودته مجيدة.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

سكوت ريد
سكوت ريد
الدكتور سكوت ريد هو رئيس كليَّة اللاهوت المُصلَحة في واشنطن العاصمة، وأستاذ مساعد للعهد القديم بها. وهو مُؤلِّف كتاب (The Wholeness Imperative).