المخاطر المستجدة لهرطقات الثالوث القديمة
۱۷ نوفمبر ۲۰۲۰

المجد

في خروج 33 نشهد حديثًا حميمًا بين الله وموسى. ضمن هذا الحوار بين الله والإنسان، طلب موسى طلبًا غريبًا: "فَقَالَ: «أَرِنِي مَجْدَكَ». فَقَالَ: «أُجِيزُ كُلَّ جُودَتِي قُدَّامَكَ. وَأُنَادِي بِاسْمِ الرَّبِّ قُدَّامَكَ. وَأَتَرَاءَفُ عَلَى مَنْ أَتَرَاءَفُ، وَأَرْحَمُ مَنْ أَرْحَمُ»" (الآيات 18–19). ما الذي طلبه موسى بالضبط من الله عندما طلب أن يرى "مجده"؟ وكيف نفهم جواب الله على طلب موسى؟

إن طلب موسى من الله وقعه غريب على آذاننا بسبب فهمنا المعاصر لكلمة مجد. فبالنسبة لنا، تُستخدَم بشكل شائع للدلالة على الشرف الممنوح لشخص ما بالاتفاق العام. على سبيل المثال، عندما يذهب شخص لأرض المعركة، فإنه يأمل في الفوز بالمجد، أي أنه يأمل أن تحظى أفعاله في الحرب بالأوسمة والشرف من الآخرين. المجد، بحسب هذا المعنى يتمركز حول الإنسان، ويمكن أن يكون وهمًا. كما يقول مونتين (Montaigne؛ 1580م.) ببراعةٍ:

من بين جميع الأوهام الموجودة في العالم، فإن أكثر الأوهام المقبولة في كل مكان هو الاهتمام بالسمعة والمجد، والذي نتبنَّاه حتى درجة التخلِّي عن الثروات والراحة والحياة والصحة، وهي أشياء مفيدة وأساسيَّة، لكي نتبع ذلك الوهم الباطل ومجرَّد الصوت الذي ليس له هيئة أو جوهر.

الكلمة العبريَّة المُترجمة "مجد" هي كافود، وفي العهد القديم يمكن أن تشير إلى التكريم التي يناله البشر (على سبيل المثال، تكوين 45: 13؛ أستير 5: 11). ومع ذلك، فإن الكلمة لها معنى أوسع بكثير من مجرَّد الأوسمة البشريَّة. إن الكلمة نفسها في اللغة العبريَّة تعني حرفيًّا "ثقيل/كثيف". وغالبًا ما تُستخدَم بمعنى كمي: فأبشالوم كان يحلق شعره مرة في السنة "لأَنَّهُ كَانَ يَثْقُلُ عَلَيْهِ" (2 صموئيل 14: 26)، ومركبات فرعون ساقوها "بِثَقْلَةٍ" في البحر الأحمر سعيًا وراء الإسرائيليِّين الهاربين (خروج 14: 25)، وصارت يدا موسى "ثَقِيلَتَيْنِ" عندما حمل عصا الله في المعركة ضد عماليق (خروج 17: 12).

لكن كلمة مجد تُستخدَم أيضًا بمفهوم نوعي في الكتاب المُقدَّس. يمكن أن تشير إلى شيء ثقيل، أو كثيف، أو مليء بصفة أو سمة مُحدَّدة. في كثير من الأحيان يمكن أن تعكس الكلمة الصفة الأخلاقيَّة التي تصف شخص ما. وبالتالي، في قصة الخروج، عندما صدر الحكم بأن قلب فرعون قد "تقسَّى"، أو حرفيًّا "ثقيل"، فهذا يدل على أن قلبه ممتلئ بالإثم والظلم. فقلبه "ثقيل/مثقل" بالخطيَّة. هذا يصف طبيعته ذاتها وشخصيته.

عندما طلب موسى من الله أن يريه "مجده"، فإن هذا القائد العبراني طلب أن يكشف الله له عن طبيعته، أي جوهر كينونته. تجاوب الرب بإعلان اسمه يهوه أمام موسى. هذا التعريف الشخصي باللغة العبريَّة يعني حرفيًّا: "أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ [أنا هو مَن أنا هو، أكون الذي أكون]"، وهو يدل على ثلاثة أمور مُختصَّة بطبيعة الله. أولًا، الله ذاتي الوجود ومستقل عن الخليقة. ثانيًا، هو ثابت، ولا يتغيَّر. أخيرًا، يدل على سرمديَّة وجوده. أجاب الرب موسى باستخدام صيغة الشيء ونفسه ليعبِّر عن طبيعته. هذه الصيغة —"أَتَرَاءَفُ... أَتَرَاءَفُ" وَ"أَرْحَمُ... أَرْحَمُ"— تدل أن الله مستقل تمامًا، وهو حر في أن يتراءف بنعمته ورحمته على مَن يشاء. وهذا يؤكِّد عقيدة سيادة الله.

لأن كلمة مجد تصف جوهر كينونة الله، فقد أصبحت تُستخدَم عن حضور الله وسط شعبه. فنقرأ في خروج 16: 10 أن شعب إسرائيل نظروا إلى البريَّة "وَإِذَا مَجْدُ الرَّبِّ قَدْ ظَهَرَ فِي السَّحَابِ". يسمِّي علماء الكتاب المُقدَّس هذا النوع من الظهور الإلهي بسحابة المجد (مجد الشكينة)، أي حضور الله الساكن وسط شعبه. إنها سحابة المجد هذه التي نزلت وغطَّت جبل سيناء عندما أعلن الله كلمته لشعبه (خروج 24: 15-16). وهي سحابة المجد التي نزلت إلى قدس الأقداس في خيمة الاجتماع والهيكل (خروج 40: 34-38؛ 1ملوك 8: 10-11). إن سحابة المجد هي علامة أن طبيعة الله ذاته وجوهره يسكنان وسط شعبه.

إن أعظم مظهر من مظاهر حضور مجد الله (جوهره/طبيعته) الساكن وسط شعبه هو في تجسُّد يسوع المسيح. يخبرنا الرسول يوحنا أن: "الْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا، وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ، مَجْدًا كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ، مَمْلُوءًا نِعْمَةً وَحَقًّا" (يوحنا 1: 14). إن الكلمة اليونانيَّة التي استخدمها يوحنا والمُترجمَة "حَلَّ" تعني "خيَّم"، وهي إشارة واضحة إلى حضور الله الساكن في خيمة الاجتماع/الهيكل في العهد القديم. الحقيقة هي: "إِنَّ ههُنَا أَعْظَمَ مِنَ الْهَيْكَلِ!" (متى 12: 6). يسوع هو مجد الله الحقيقي.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

جون كريد
جون كريد
الدكتور جون كريد أستاذ ورئيس قسم العهد القديم بكليَّة اللاهوت المُصلَحة (Reformed Theological Seminary)، وقس التعليم والوعظ بكنيسة (Sovereign Grace Presbyterian) بمدينة شارلوت في ولاية كارولينا الشماليَّة. وهو مُؤلِّف العديد من الكتب منها "ضد الآلهة" (Against the Gods)، و"لماذا أتألم؟" (Why ?Do I Suffer)، كما عمل رئيس تحرير الكتاب المقدس الدراسي (ESV Archaeology Study Bible).