ممَّ خلصنا؟ - خدمات ليجونير
تاريخ الكنيسة والانخراط في المجتمع
۲۲ سبتمبر ۲۰۲۲
صلاة يسوع لأجلنا
٤ أكتوبر ۲۰۲۲

ممَّ خلصنا؟

ملاحظة المُحرِّر: المقالة 10 من سلسلة "القلق"، بمجلة تيبولتوك.

إن الصليب هو الرمز العام للمسيحية. يعبِّر الصليب عن جوهر خدمة يسوع، وعن أعمق بُعدٍ من أبعاد آلامه. فالصليب محوري في المسيحية لدرجة أن بولس، في نوعٍ من المبالغة، قال إنه عزم على ألا يعظ بشيء إلا بالمسيح وإياه مصلوبًا (1كورنثوس 2: 2). وباستخدام بولس للكلمات بدلًا من الألوان الزيتية أو الإزميل والحجارة، اتبع أسلوبًا دعاه الفنانون العظماء لاحقًا باسم "اللحظة المثمرة". فقد كان رامبرانت ومايكل أنجلو يرسمان عشرات المشاهد من حياة الشخصيات موضوع لوحاتهم، ثم يقع اختيارهما على مشهد جوهري واحد كي يخلِّداه بفنِّهم. على سبيل المثال، حاول مايكل أنجلو التعبير عن جوهر شخصية داود من خلال وضعية واحدة محدَّدة.

وبحسب بولس، كانت اللحظة المثمرة في حياة يسوع وخدمته هي الصليب. فمن ناحية، كانت كلُّ كتابات بولس مجرد تعليق على هذا الفعل الجوهري، وتلك الخدمة التي فيها واجه يسوع ساعته، والتي وُلِد واعتمد لأجلها. كانت هذه هي الخدمة التي عُيِّن مسبقًا أن يتمِّمها يسوع. وقد تحرَّك بلا هوادة صوب تلك اللحظة التي دعاها علم اللاهوت باسم آلام المسيح العظمى، التي تصبَّب عرقه قبلها كقطرات دم. فقد تلاقى كلُّ شيء في حياة يسوع عند نقطة الذروة هذه، التي هي موته.

إذا استطعنا أن نقرأ العهد الجديد لأول مرة، كما لو كنا الجيل الأول من مستمعي الرسالة، أعتقد أنه سيتضح لنا وضوح الشمس أن هذا الحدث – أي صلب المسيح، فضلًا عن القيامة والصعود – كان يكمن في لُبِّ كرازة وتعليم جماعة العهد الجديد. وإذا كان الصليب يحظى حقًّا بأهمية محورية، وليس هامشية، للمسيحية الكتابية، فمن الضروري إذن أن يكتسب المسيحيون بعض الفهم لمعناه بحسب الكتاب المقدس. من شأن ذلك أن ينطبق على أيِّ جيل، لكنني أعتقد أنه ضروري في هذا الجيل بصفة خاصة.

أهمية الصليب ومعناه

أشك أنه قد جاء وقت على الإطلاق خلال الألفي سنة من تاريخ المسيحية فيه كانت أهمية الصليب، ومركزيته، والسؤال المتعلِّق بضرورته محل جدل مثلما هو الحال اليوم. فلم يحدث قط في تاريخ المسيحية أن قوبِلت فكرة الحاجة إلى الكفارة بمعارضة واسعة النطاق كما هو الحال اليوم. ومن الناحية التاريخية، كانت هناك فترات أخرى في تاريخ الكنيسة فيها ظهرت أفكار لاهوتية اعتبرت صليب المسيح حدثًا غير ضروري، قائلةً إنه ذو قيمة بالتأكيد، لكنه ليس شيئًا يحتاج إليه البشر على أيِّ نحو مطلق أو ضروري.

من المثير للاهتمام أنه عندما يفسِّر لي الكثيرون سبب عدم كونهم مؤمنين، يقولون إنهم لا يعارضون حقائق المسيحية، لكنهم بالأحرى لم يقتنعوا قط بحاجتهم إلى المسيح. كم عدد المرات التي تحدثتَ فيها إلى أشخاص قالوا لك: "قد تكون المسيحية ديانة صحيحة أو لا، لكنني لستُ أشعر شخصيًّا بالحاجة إلى يسوع"، أو "لستُ بحاجة إلى الكنيسة"، أو "لستُ بحاجة إلى المسيحية"؟ عندما أسمع تعليقات كهذه، تئنُّ روحي في داخلي، وأرتعد عندما أفكر في العواقب التي ستنتج عن إصرار الناس على موقفهم هذا. فإذا تمكنَّا من إقناع الناس بهوية المسيح وبحقيقة عمله، سيتضح على الفور أن كلَّ إنسان في العالم بحاجة إلى هذا العمل، وأنه بدونه لن يخلص أحدٌ من الله.

منذ وقتٍ ليس ببعيدٍ، ذهبتُ إلى مركز التسوُّق، ودخلتُ مكتبة ضخمة، كانت مكتبة علمانية، مليئة برفوف الكتب المعروضة للبيع. وكانت هناك لافتات تميِّز الأقسام المختلفة من الكتب، مثل الروايات، والكتب الواقعية، وكتب إدارة الأعمال، والكتب الرياضية، وكتب تطوير الذات، وكتب عن الجنس والزواج، إلى آخره. وفي آخر المكتبة، عند المؤخرة، كان هناك قسمٌ للكتابات الدينية. كان هذا القسم عبارة عن أربعة رفوف، وكان أصغر قسم في المكتبة. ولم يكن المحتوى الموجود فوق تلك الرفوف يمت بصلة على الإطلاق للمسيحية القويمة والكلاسيكية. وعندئذ، سألتُ نفسي: "ما خطب هذه المكتبة حتى أن كلَّ ما يباع فيها هو الروايات وكتب تطوير الذات، دون أن يحظى محتوى الحق الكتابي بأي قيمة؟" ثم تذكرتُ أن أصحاب هذه المكتبة ليسوا بصدد ممارسة خدمة، بل هدفهم هو التجارة وربح المال. وهم لا يعرضون الكثير من الكتب المسيحية للبيع لأنه لا يوجد الكثير من الناس الذين يدخلون إليهم ويسألون: "أين يمكنني أن أجد كتابًا يعلِّمني عن أعماق وغنى كفارة المسيح؟"

ثم قلتُ لنفسي: "ربما إذا ذهبتُ إلى مكتبة مسيحية، سأجد الحال مختلفًا. لكن لم يحدث ذلك. فحتى المكتبات المسيحية لا تعرض أيَّ عددٍ يُذكَر من الكتب الثمينة عن صليب المسيح. كنتُ أفكِّر في ذلك بينما كنت جالسًا في مركز التسوق أشاهد الناس يسيرون جيئة وذهابًا أمامي. وانتابني شعور مرعب بأن هذه الجموع من البشر الذين يسيرون جيئة ذهابًا لم يكونوا مكترثين بالكفارة عن الخطايا، لأنهم مقتنعون في الأساس بأنهم لا يحتاجون إلى مثل هذه الكفارة. فهذه الكفارة ليست ببساطة "احتياجًا محسوسًا" لدى البشر اليوم. فإن السؤال: "كيف يمكن أن أتصالح مع الله؟ وكيف يمكن أن أفلت من دينونة الله؟" لا يلح على البشر في هذه الأيام.

واحدة من الأفكار التي صارت غائبة دون شك عن مجتمعنا هي أن البشر مسؤولون بصفة فردية وشخصية وأكيدة عن أن يعطوا حسابًا عن حياتهم أمام الله. تخيَّل معي ما قد يحدث إذا انقشعت الظلمة فجأة، وقال كلُّ إنسان في العالم: "يومًا ما سأقف أمام خالقي، وسيتوجب عليَّ أن أعطي حسابًا عن كلِّ كلمة خرجت من فمي، وعن كل فعل قمتُ به، وعن كل فكرة راودتني، وعن كل مهمة أخفقتُ في القيام بها. فإنني خاضعٌ للمساءلة أمامه".

فإذا حدث وانتبه جميع البشر فجأة إلى هذه الحقيقة، يمكن أن تترتب على ذلك بعض النتائج. ربما يقول البعض: "صحيح أنني خاضع للمساءلة أمام الله، لكن أليس من الرائع ألا يكون ذلك الشخص الذي أنا مسؤول أمامه مكترثًا فعليًا بشكل الحياة التي أعيشها، لأنه يفهم أن تلك هي طبيعتنا كبشرٍ، وهذا هو المنتَظَر منا؟" إذا حدث وقال الجميع ذلك، ربما لا يتغيَّر شيء. لكن، إذا أدرك الناس أمرين، وهما أن الله قدوس، وأن الخطية هي إهانة لقداسته، فسيقتحمون أبواب كنائسنا، متضرِّعين إلينا وقائلين: "ماذا ينبغي أن أفعل لأخلص؟"

ربما نفضِّل أن نظن أننا لسنا بحاجة إلى مخلِّص، إلا أن كلًّا من الكفارة، والصليب، والمسيحية، تقوم على افتراض رئيسي، ألا وهو أننا في حاجة ماسة إلى الخلاص. ربما لا يشاركنا مجتمعنا الحديث هذا الافتراض، لكن هذا لا يقلِّل من حقيقة هذا الاحتياج.

أخشى أنه في الولايات المتحدة الأمريكية اليوم، لم تَعُد العقيدة السائدة عن التبرير هي عقيدة التبرير بالإيمان وحده، أو التبرير بالأعمال الصالحة، أو التبرير بمزيج من الإيمان والأعمال؛ لكن المفهوم السائد عن التبرير في مجتمعنا اليوم هو التبرير بالموت. فكلُّ ما على المرء أن يفعله ليُقبَل بين أذرع الله الأبدية هو أن يموت. هذا هو كلُّ المطلوب. فقد صار الموت يمحو خطيتنا بشكلٍ ما، ولم تَعُد هناك ضرورة للكفارة.

اعتاد أحد أصدقائي من اللاهوتيين أن يقول إنه لم يكن هناك في تاريخ الكنيسة سوى ثلاثة أنواع أساسية من الفكر اللاهوتي. صحيح أنه كان هناك الكثير من المدارس اللاهوتية المختلفة فيما بينها اختلافات طفيفة، لكن في النهاية، لم يكن هناك سوى ثلاثة أنواع من الفكر اللاهوتي، وهي ما نسمِّيه بالبيلاجية، وشبه البيلاجية، والأوغسطينية. كانت كلُّ كنيسة تقريبًا في تاريخ الكنيسة الغربية، بل والكنيسة الشرقية أيضًا، تندرج في واحدة من هذه الفئات الثلاث. كانت الجدالات بين شبه البيلاجية والأوغسطينية هي جدالات مهمة دارت داخل محيط المسيحية نفسها، أي إنها كانت اختلافات داخلية في الرأي بين المسيحيين حول التفسير الكتابي والفكر اللاهوتي. أما البيلاجية، في صورها المتعدِّدة، فلا تتعلق بمشكلات داخلية بين المسيحيين. فالبيلاجية هي فكر دون مسيحي في أفضل الأحوال، وفكرٌ ضد المسيحية في أسوأ الأحوال. فالبيلاجية في القرن الرابع، والسوسينيانية في القرن السادس عشر والقرن السابع عشر، وما نسمِّيه بالليبرالية، كفكرٍ لاهوتيٍّ مميزٍ موجود حتى اليوم، هي في جوهرها حركات غير مسيحية، لأنه في لبِّ هذه الأفكار والآراء، يَكمُن إنكارٌ لكفارة يسوع المسيح، أي إنكارٌ للصليب بصفته عمل استرضاء للعدل الإلهي. فطوال قرون، ظلَّت المسيحية القويمة تحسب الكفارة أمرًا لا غنى عنه للإيمان المسيحي. انزع الصليب ككفارة من المعادلة، وستقضي حينئذ على المسيحية برمتها.

لا يعني ذلك أن البيلاجيين، والسوسينيانيين، والليبرالييين لا ينسبون أية أهمية إلى صليب المسيح. فهم يقولون إن الصليب معناه أن يسوع مات بصفته نموذجًا أخلاقيًّا للجنس البشري، أي بطلًا وجوديًّا، وشخصًا يلهمنا جميعًا بتكريسه وتفانيه، كنموذجٍ للتضحية بالنفس وبالاهتمامات البشرية. لكن هذا لا يعبِّر ولو قليلًا عن معنى الكفارة.

عندما كنتُ طالبًا بكلية اللاهوت، ألقى أحد زملائي عظةً في مقرَّر علم الوعظ عن صليب المسيح، وكونه هو الحمل المذبوح عنا. وعندما انتهى من إلقاء العظة، كان الأستاذ حانقًا وغاضبًا، وهاجم الطالب لفظيًّا بينما كان لا يزال فوق المنبر. وفي خضم غضبه، قال له: "كيف تجرؤ على أن تعظ بوجهة النظر البدلية عن الكفارة في هذا اليوم وهذا الزمان؟" فقد كان هذا الأستاذ يرى أن وجهة النظر البدلية عن الكفارة هي مفهوم عفا عليه الزمن عن موت شخص واحد ليحمل خطايا آخرين. فقد رفض رفضًا باتًّا كون الصليب عملية مبادلة، أو صفقة كونية من نوع ما، نتصالح بها مع الله.

لكن، إذا قمنا بحذف فعل المصالحة الذي أجراه المسيح من العهد الجديد، لن تتبقى لنا سوى بعض الأخلاقيات غير الفريدة من نوعها بأي حال من الأحوال، وغير الجديرة بإقناع الناس بالتضحية بحياتهم لأجلها. ففي البيلاجية والليبرالية، لا يوجد خلاص، ولا مخلص، لأنه في البيلاجية والليبرالية، لا توجد قناعة بضرورة الخلاص.

مقطع مقتطف من الكتاب بعنوان Saved From What? ("ممَّ خلصنا؟") لمؤلِّفه أر. سي. سبرول.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

أر. سي. سبرول
أر. سي. سبرول
الدُّكْتُور أَرْ. سِي. سْبْرُول هُوَ مُؤَسِّسُ هَيْئَةِ خِدْمَاتِ لِيجُونِير، وَكانَ أَحَدَ رُعاةِ كَنِيسَةِ الْقِدِّيسِ أَنْدْرُو (St. Andrews Chapel) فِي مَدِينَةِ سَانْفُورْد بِوِلايَةِ فْلُورِيدَا، كَمَا كانَ أَوَّلَ رَئِيسٍ لِكُلِّيَّةِ الْكِتابِ الْمُقَدَّسِ لِلإِصْلاحِ (Reformation Bible College). وَهْوَ مُؤَلِّفُ أَكْثَرِ مِنْ مائَةِ كِتابٍ، بِمَا فِي ذَلِكَ "كلُّنا لاهوتِيُّونَ" و"أدهَشَني الألم".