هل الصلاة تغير الأشياء؟
۱۰ يونيو ۲۰۱۹

محبة الله بأذهاننا

إن الذهن البشري هو أحد مظاهر الخليقة الأكثر إدهاشًا. هو أقوى من أكبر كمبيوتر عملاق، ويمكنه أن يحل المشكلات العويصة ويكتشف اكتشافات عظيمة. وهذا يجعل من تأثيرات الخطية على الذهن أمر مأسوي بشكل خاص.

تصف تأثيرات الخطية على الذهن تأثير الخطية على عقل — ذهن — البشريَّة الساقطة. إن القدرة على التفكير، والتي نحكم بها منطقيًا، قد تشوَّهت جدًا وأفسدها السقوط. في حالتنا الطبيعيَّة، غير المُجددة، يوجد شيء خاطئ بشدة في أذهاننا. ونتيجة قمعنا وحجزنا لمعرفة الله بخطيتنا، تم تسليمنا إلى ذهن مرفوض (رومية 1: 28).

أمر سيء أن يكون ذهننا شرير، ذهن لا يملك الآن في حالته الساقطة أدنى درجات الرغبة في محبة الله. ولكن، هذا هو نوع الذهن الذي اخترناه لأنفسنا في آدم، لذا ففي حالتنا الساقطة الطبيعيَّة، لا يوجد شيء أكثر قبحًا لأذهاننا من محبةِ الله. طوال فترة بقائنا في حالة عدم التجديد، نمتلك هذا النفور من محبة الله بالطبيعة حتى أننا نختنق من مجرد التفكير في وصية المسيح بأن نحب الله بكل فكرنا أو أذهاننا (متى 22: 37).

لقد فسدت أذهاننا بالخطية، ولكن هذا لا يعني أن قدرتنا على التفكير قد تدمَّرت. فأفضل المفكرين من غير المؤمنين مازالوا قادرين على إيجاد الأخطاء في المنطق بدون أن يُولدوا ثانية. لا تحتاج إلى التجديد حتى تحصل على درجة الدكتوراه في الرياضيات. مازال الذهن الساقط محتفظًا بالقدرة على تتبُّع الحجج الرسميَّة بدرجة ما، ولكن ينتهي هذا عندما تبدأ المناقشة عن شخص الله، لأنه هنا يكون الانحياز شديدًا جدًا والعداء مفرطًا حتى أن الكثيرين من أذكى الشخصيَّات يتعثرون. في الحقيقة، إن بدأ شخص تفكيره برفض الاعتراف بما يعلمون أنه حقيقي — أي أنه يوجد إله — فكلما زاد ذكائهم، كلما قادهم تفكيرهم إلى مكانٍ أبعد عن الله.

لذا، فأي اعتبار للذهن البشري يجب أن يبدأ بفهم أنه بالطبيعة لا يحب الذهن الله على الإطلاق، ولن يحب الله على الإطلاق ما لم يغير الله الروح القدس ميله فورًا وبشكل سيادي ليجعله يحب الله. إن التجديد هو الشرط الضروري لمحبة الله بأذهاننا. بدونه، لا توجد محبة لله. لذا، يجب أن نتخلَّص من هذه الفكرة المنتشرة في العالم الإنجيلي أن غير المؤمنين يسعون في طلب الله. إن الإنسان الطبيعي لا يطلب الله. إن غير المُجدَّدين الذين يبدون وكأنهم يطلبون الله، كما قال توما الأكويني، يطلبون المميزات التي لا يقدر على إعطائها سوى الله، وليس الله نفسه.

ومع ذلك، لاحظ أن كل نفور الذهن من الله لا يُنزع في لحظة الميلاد الثاني. فبعد التجديد، للمرة الأولى في حياتنا، نميل لأمور الله بدلاً من كوننا ضدها. نُعطى رغبة في أن يكون الله في تفكيرنا بدلاً من احتقار فكرة أن يكون الله في تفكيرنا. ولكن لا تزال التأثيرات المتبقية وقوة حالتنا البشرية الساقطة موجودة ولا يتم التخلُّص منها بالكامل إلى أن نتمجَّد في السماء. إن سياحة الحياة المسيحيَّة كلها في تقديسنا هي إذًا رحلة نسعى فيها لحب الله أكثر فأكثر بأذهاننا.

قال جوناثان إدواردز ذات مرة إن طلب الله هو العمل الرئيسي للمؤمن. وكيف نطلب الله؟ بأن نسعى نحو تجديد أذهاننا. نحن لا نحصل على محبة الله عن طريق عملية تغيير مفصل الفخذ، أو الركبة، ولا حتى من خلال عملية زراعة قلب. إن الطريقة الوحيدة التي يمكن أن نتغيَّر من خلالها هي بذهنٍ مُتجدِّد (رومية 12: 1- 2). ينتج الذهن المُتجدِّد من السعي الجاد لمعرفة الله. إن احتقرنا العقيدة، إن احتقرنا المعرفة، فإن هذا في الغالب يشير إلى أننا مازلنا في هذه الحالة الساقطة حيث لا نريد الله في تفكيرنا. إن المؤمنين الحقيقيين يريدون أن يسيطر الله على تفكيرهم وأن يملأ أذهانهم بأفكارٍ عن ذاته.

أليس من الغريب أن يقول ربنا إننا مدعوون لكي نحب الله بأذهاننا؟ عادة لا نتحدَّث عن المحبة من منطلق نشاط ذهني أو فكري. في الحقيقة، إن معظم فهمنا عن الحب في ثقافتنا العلمانيَّة يُوصف بمفردات سلبيَّة. فنحن لا نتحدَّث عن القفز إلى الحب بل السقوط في الحب، كما لو كان حادثًا.

ولكن المحبة الحقيقيَّة ليست شيئًا لا إراديًّا. بل هي شيء نقوم به عن قصد بناءً على معرفتنا بالشخص الذي نحبه. لا يمكن لشيء أن يكون في القلب إن لم يكن أولاً في الذهن. وإن أردنا أن نختبر الله بشكلٍ مباشر بحيث نتخطَّى الذهن فإننا نقوم بنشاطٍ أحمق. لا يمكن أن يتم ذلك. قد نزيد المشاعر، أو التسلية، أو الحماس، ولكننا لن نزيد محبة الله، لأنه لا يمكننا أن نحب ما لا نعرفه. إن المسيحيَّة التي بلا عقل ليست مسيحيَّة على الإطلاق.

إن كنَّا نريد أن نحب الله بشكلٍ أكبر، يجب أن نعرفه بشكلٍ أعمق. فكلَّما بحثنا في الكتاب المقدس، وكلَّما ركَّزنا انتباه أذهاننا على مَنْ هو الله وما الذي يفعله، ازداد فهمنا أكثر عنه واندلعت أرواحنا في لهيبٍ أكثر. يكون لدينا حماس وغيرة أكبر لإكرامه. كلَّما ازداد فهمنا عن الله بأذهاننا، ازدادت محبتنا له بأذهاننا.

أن نحب الله بأذهاننا معناه أن نعلِّي شأنه ومكانته، وأن نفكِّر فيه باحترام وإجلال وعبادة. فكلَّما ازدادت محبتنا لله بأذهاننا، ازداد شعورنا بالدافع للقيام بهذا الأمر الآخر الغريب عنَّا في حالتنا الساقطة، أي عبادته. إن طلب لله بأذهاننا لمجرد التمتُّع الفكري وبدون الهدف النهائي لمحبته وعبادته هو الإخفاق في فهم معنى أن نحبه بأذهاننا. إن معرفة الله الحقيقيَّة تثمر دائمًا محبة أعظم لله ورغبة أكبر في تسبيحه. كلَّما ازدادت معرفتنا به، كلَّما بدى لنا مجيدًا. وكلَّما بدى لنا مجيدًا، ازدادت رغبتنا في تسبيحه، وإكرامه، وعبادته، وطاعته.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

أر. سي. سبرول
أر. سي. سبرول
الدكتور أر. سي. سبرول هو مؤسس هيئة خدمات ليجونير، وكان أحد رعاة كنيسة القديس أندرو في مدينة سانفورد بولاية فلوريدا، كما كان أول رئيس لكلية الكتاب المقدس للإصلاح. وهو مؤلف أكثر من مائة كتاب، بما في ذلك "قداسة الله" (The Holiness of God).