محبة الله بأذهاننا
۱۳ يونيو ۲۰۱۹
هل نؤمن بالإنجيل كاملًا؟
۲۱ يونيو ۲۰۱۹

القادة في المنزل

"من قال ذلك؟" ربَّما سمعت هذه الكلمات تتردّد في نقاشٍ ما. وربَّما تكون قد ردّدتها في نقاشٍ ما أيضًا. تكمن أهمية هذه الكلمات البسيطة في حقيقة أنها تلخّص السؤال الأساسي وهو مَنْ له "الحق" في الاستماع إليه ومَنْ له الحق في اتّباعه. مَنْ هو القائد؟ وبالطبع، إن المشكلة في ثقافتنا هي عدم رغبة أحد في الاعتراف بمَنْ هم في هذا المنصب، أي بمَنْ لديه السلطة. ولكن كما نرى في هذه المسألة، فقد مارس الله صلاحياته بصفته خالق الكون ليحدِّد المدعوُّون للقيادة في الكنيسة (الشيوخ). كذلك وضع الله سلطة الحكومة المدنية (رومية 13). كما يقدم الكتاب المقدس أيضًا توجيهات واضحة عن السلطة داخل الأسرة.

الأزواج والزوجات:

غالبًا ما يوجد قدر كبير من سوء الفهم حول علاقة الزوج والزوجة أكثر من أي علاقة أخرى في مجتمعنا. ولكن الكتاب المقدس واضح جدًا. أحد النصوص الرئيسيَّة التي تتحدَّث بوضوح عن هذا الموضوع نجده في أفسس 5. في هذا الأصحاح، يشرح بولس عدة تطبيقات عمليَّة عن الحياة الجديدة في المسيح، بما في ذلك كيفيَّة التعامل بين الأزواج والزوجات. نبدأ من حيث بدأ بولس، بإلقاء نظرة على دور الزوجة:

أَيُّهَا النِّسَاءُ اخْضَعْنَ لِرِجَالِكُنَّ كَمَا لِلرَّبِّ، لأَنَّ الرَّجُلَ هُوَ رَأْسُ الْمَرْأَةِ كَمَا أَنَّ الْمَسِيحَ أَيْضًا رَأْسُ الْكَنِيسَةِ، وَهُوَ مُخَلِّصُ الْجَسَدِ. وَلكِنْ كَمَا تَخْضَعُ الْكَنِيسَةُ لِلْمَسِيحِ، كَذلِكَ النِّسَاءُ لِرِجَالِهِنَّ فِي كُلِّ شَيْءٍ. (أفسس 5: 22-24)

ونحن نتناول هذا النص الكتابي، يجب أن ننتبه لكم التشويه وسوء الفهم المتوافر بكثرة عنه. من عدة سنوات، وبينما كنت أبدأ دراستي اللاهوتيَّة، أثناء حديثي مع أحد أصدقائي قال لي: "تيم، وجدت الآية المفضَّلة لدي في الكتاب المقدس". فقلت له: "حقًا، ما هي؟" فأجابني قائلًا "أَيُّهَا النِّسَاءُ اخْضَعْنَ لِرِجَالِكُنَّ". وتبع كلامه بضحكة حارة. فسألته: "هل قرأت بقية النص؟" فأجابني وهو يبدو متحيرًا: "كلا" وتسلل مبتعدًا.  كان من الواضح أنه لم يقرأ عن الأدوار المتكاملة التي دُعي الرجال والنساء لإتمامها في إطار الزواج.

يجب أن نلاحظ أولًا أن الرجال والنساء مخلوقين "عَلَى صُورَةِ اللهِ" (تكوين 1: 27). وكلاهما مُكلَّف بالتسلُّط على الخليقة. ينفرد الكتاب المقدس بالكرامة التي يمنحها للنساء. ولكن من المهم أن نفهم أن الأزواج والزوجات مدعوون لأدوار مختلفة في الزواج.

الزوجات: الخضوع باحترام

إن الزوجة مدعوة أن تحترم قيادة زوجها المُحِبَّة. تأتى جذور كلمة "اخْضَعْنَ" والتي استخدمها بولس في هذا السياق من فكرة "النظام". لكي تؤدى أي مؤسسة دورها على نحوٍ سليم، يجب أن يكون هناك شخص يقوم باتخاذ القرارات. إن الهدف من هذا الترتيب ليس أن يقوم الزوج بإعطاء الأوامر، ولكن ليكون هناك نظام وترتيب في المنزل. تجسِّد العبارة اللاتينية العظيمة (primus inter pares) هذه الديناميكيَّة. تعنى هذه العبارة "الأول بين متساوين". سوف نرى لاحقًا طبيعة القيادة التي دُعي الزوج أن يقوم بها.

ولكن دعنا نحطِّم بعض التشويه الساخر عن دور الزوجة. أولًا، إن خضوع الزوجة لزوجها ليس تعبيرًا عن الدونيَّة. يعتقد البعض أنه إذا طُلب من أحدهم الخضوع لأخر، فذلك يعنى تلقائيًّا أن الطرف الذي يخضع هو أقل شأنًا. لكن ليس هذا هو الحال. فالمثال الأكثر عمقًا لهذا الأمر هو الرب يسوع المسيح نفسه. فقد كان موجودًا منذ الأزل مع الآب والروح القدس في مجد السماء. ولكن يقول بولس من جهة سر التجسد:

الَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً ِللهِ. لكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ. وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ مَوْتَ الصَّلِيبِ. (فيلبى 2: 6-8)

جاء يسوع إلى العالم في خضوع وطاعة للآب، ولكنَّه لم يكن يومًا أقل شأنًا من الآب. كان خضوعه من أجل هدف تحقيق الفداء. كالله المتجسِّد، تمَّم الناموس بالكامل بدلاً عنَّا. وكالله المتجسِّد، كفَّر عن خطايانا بالتمام على الصليب. إن الخضوع المسيح الإرادي للآب في التجسُّد كان من أجل غرض معين، ولكنَّه لم يكن يومًا في مكانةٍ أقل شأنًا.

كذلك احترام الزوجة لقيادة زوجها ليس تعبيرًا عن الدونيَّة، بل هو إقرار للخضوع لخطة الله من جهة النظام في العائلة. إنه لخطأ فادح أن يسئ الزوج تفسير دوره في القيادة كموضع للأفضليَّة والتعالي. تذكّر أن بطرس وصف الزوجات بأنهم "كَالْوَارِثَاتِ أَيْضًا مَعَكُمْ نِعْمَةَ الْحَيَاةِ" (1 بطرس 3: 7). كتب بولس قائلاً: "لَيْسَ يَهُودِيٌّ وَلاَ يُونَانِيٌّ. لَيْسَ عَبْدٌ وَلاَ حُرٌّ. لَيْسَ ذَكَرٌ وَأُنْثَى، لأَنَّكُمْ جَمِيعًا وَاحِدٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ" (غلاطية 3: 28). لا يوجد فرق بيننا فيما يتعلَّق بمكانتنا في المسيح. فالزوج والزوجة شريكان متساويان في البركات والتمتُّع بالأمان بفضل عمل المسيح، ولكن الزواج هو شراكة فيها نحن مدعوون إلى أدوار مختلفة.

ثانيًا، إن خضوع الزوجة لزوجها في أطار الزواج هو أمر إرادي. فمسئوليَّة الخضوع لا تعنى خضوع كل امرأة لكل رجل. ولكنها ديناميكيَّة فريدة مؤسسة من أجل تفعيل النظام داخل الأسرة في الزواج. لذلك، مهم جدًا للمرأة أن تأخذ ذلك في الاعتبار عندما تفكر في الزواج. هل الرجل الذي تنوين الزواج به شخص تحترمين قيادته ويمكنك الخضوع له؟ إن لم يكن كذلك، فهو إذن ليس الرجل المناسب لكِ. في أغلب الأحيان، تظن النساء أنه بإمكانهن تغيير الرجل بعد الزواج. لا تعولي على ذلك.

ثالثًا، إن خضوع الزوجة لزوجها لهو تعبير عن خضوعها للمسيح. بالنسبة للزوجة، يعد إتِّباع قيادة زوجها أحد الجوانب الهامة لاتِّباعها المسيح. يكتب بولس: "أَيُّهَا النِّسَاءُ اخْضَعْنَ لِرِجَالِكُنَّ كَمَا لِلرَّبِّ" (أفسس 5: 22). لا يعني هذا: "كما لو كان زوجك هو الرب"، ولكن "كجزء من التزامك تجاه الرب". إن أحد الطرق التي تجعل الزوج عنيدًا ومحبطًا جدًا هو عدم احترام قيادته. في حين أن الخضوع هو التزام الزوجة تجاه الرب، كأزواج يجب أن نسأل أنفسنا إن كنَّا محترمين وإن كنَّا نقود كما قصد الرب. هذا يقودنا إلى دراسة دور الزوج.

الأزواج: القيادة بمحبة

إن الزوجة مدعوة لدور صعب، ولكن تنفيذ هذا الدور سيكون أيسر بكثير إن تمَّم زوجها مسئوليته في توفير القيادة بمحبة. من المثير للاهتمام أن نلاحظ أن بولس خاطب الزوجات بأربعين كلمة بينما خاطب الأزواج مستخدمًا 115 كلمة. في أفسس 5: 25-33 يصف دور الأزواج في الزواج. والآية المفتاحيَّة هي في عدد 25: "أَيُّهَا الرِّجَالُ، أَحِبُّوا نِسَاءَكُمْ كَمَا أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضًا الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا".

ما هو مقياس المحبة الموضوع أمام الأزواج؟ إنه محبة الرب يسوع المسيح المُضحية. إنها قيادته الخادمة بمحبة هي التي توفر المناخ للزوجات للتبعيَّة. دعونا نرى كيف تقدم محبة المسيح المثال لمحبة الأزواج لزوجاتهم.

أولًا، إن محبة المسيح غير مشروطة. فلا يوجد فينا أنا وأنت أي شيء يستحق أو يتطلَّب محبة المسيح لنا. على النقيض تمامًا "اللهَ بَيَّنَ مَحَبَّتَهُ لَنَا، لأَنَّهُ وَنَحْنُ بَعْدُ خُطَاةٌ مَاتَ الْمَسِيحُ لأَجْلِنَا" (رومية 5: 8). ليس فقط أننا لم نكن نحبه، بل أيضًا كنَّا نسير في الاتجاه المعاكس في خطايانا. هذه هي الحالة الكلاسيكيَّة للحب غير المتبادل. من أجل هذا فعلاقتنا به هي فقط بنعمته.

يجب أن تكون محبتنا لزوجاتنا غير مشروطة أيضًا. علينا أن نعترف في البداية أن هذا التشبيه ينهار لأننا خطاة. يجب أن نعترف بأنه كانت هناك "شروط" جذبتنا إلى زوجاتنا بما في ذلك الشخصيَّة، الاهتمامات، حتى المظاهر الجميلة. ولكن محبتنا لزوجاتنا مؤسسة على الالتزام الذي قطعناه على أنفسنا بعهود الزواج في حضور الله والشهود. يجب أن تكون محبتك لزوجتك غير مشروطة بمعنى أنها لا تتغيَّر طبقًا للظروف. يجب على الأزواج الحذر من تبليغ زوجاتهم أن محبتهم لهم مبنية على مظهرهم اليوم أو على الكيفيَّة التي تجاوبوا بها معهم اليوم. فمحبتنا مبنيَّة على الالتزام وليس على الظروف.

ثانيًا، محبة المسيح باذلة ومضحية. كتب بولس أن الأزواج يجب أن يحبوا زوجاتهم "كَمَا أَحَبَّ الْمَسِيحُ أَيْضًا الْكَنِيسَةَ وَأَسْلَمَ نَفْسَهُ لأَجْلِهَا" (أفسس 5: 25). إلى أي مدى أحب المسيح الكنيسة؟ لقد أسلم نفسه بالكامل لأجلها. كان مجيئه لكي يقدَّم نفسه في خدمة غير أنانيَّة. يقال لنا كأزواج أن هذا هو النموذج لنتَّبعه في خدمة زوجاتنا. يتعارض هذا مع ميولنا الطبيعيَّة. فجميعنا نحب أن نُخدَم خاصة بالمنزل. يحتاج الأزواج أن يكونوا أول الخُدَّام بالمنزل، مستعدين أن يعملوا ما هو ضروري بالمنزل ومع الأولاد.

وأخيرًا، يذكِّرنا بولس بأن يسوع كان مهتمًا بقداسة الكنيسة. فمحبته وتضحيته كانا "لِكَيْ يُقَدِّسَهَا، مُطَهِّرًا إِيَّاهَا بِغَسْلِ الْمَاءِ بِالْكَلِمَةِ، لِكَيْ يُحْضِرَهَا لِنَفْسِهِ كَنِيسَةً مَجِيدَةً، لاَ دَنَسَ فِيهَا وَلاَ غَضْنَ أَوْ شَيْءٌ مِنْ مِثْلِ ذلِكَ، بَلْ تَكُونُ مُقَدَّسَةً وَبِلاَ عَيْبٍ" (أفسس 5: 26-27). إن محبة يسوع بتقديم ذاته لم تكن لمجرد أن نحصل على الغفران، بل لكي نصير مقدسين. يجب أن يكون الاهتمام الأول للزوج هو تشجيع زوجته وأولاده لينموا في المسيح. وكما في دور الزوجة، كذلك أيضًا القيادة بمحبة هي جزء من طاعة الزوج للمسيح.

يمكننا أن نبتهج لأن الله تكلَّم وعلَّمنا كيف ينبغي أن تكون القيادة بالمنزل. وجب أن نعترف بأن كل من هذه الأدوار لا تتحقَّق تلقائيًّا أو بسهولة بسبب طبيعتنا الخاطئة الأنانيَّة. من أجل ذلك، تحتاج بيوتنا أن تكون أماكن للتوبة والغفران حيث يتجسَّد ويُمارس الاتكال اليومي على نعمة الإنجيل وقوة الروح القدس. عندها فقط سيرى أولادنا في والديهم حقيقة الإنجيل. وعندها فقط سوف يعكس زواجنا، ووفقًا لخطة الله المقصودة، سر العلاقة بين المسيح والكنيسة.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

تيموثي ويتمر
تيموثي ويتمر
الدكتور تيموثي ويتمر هو راعى كنيسة القديس ستيفن المُصلحة في هولندا الجديدة، بولاية بنسلفانيا. والأستاذ الشرفي للاهوت العملي بكلية وستمنستر للاهوت بمدينة فيلاديلفيا. وهو مؤلف كتاب "مخطط أرض الذهن" (Mindscape)، وكتاب "القائد الراعي" (The Shepherd Leader).