فقط افعل شيئًا
۸ يونيو ۲۰۲۱

القيادة المبنيَّة على القناعات

عندما يدخل القائد إلى الغرفة، يستحسن أن يدخل معه الشغف للحق أيضًا. فالقيادة الحقيقيَّة لا تأتي من فراغ. القيادة ذات التأثير هي في الأغلب مبنيَّة على قناعات، قناعات عميقة. تنبع هذه الجودة في القيادة من تلك المعتقدات الراسخة التي تشكِّل هويَّتنا وتؤسِّس معتقداتنا حول كل شيء آخر. القناعات ليست مجرد معتقدات؛ أي أنها ليست تلك المعتقدات التي نتمسَّك بها فقط. بدلًا من ذلك، القناعات هي التي تُمسك بنا في قبضتها. لم نكن لنعرف مَن نحن لولا هذه المعتقدات الراسخة، وتلك القناعات، وبدونها لن نعرف كيف نقود.

يُدرك القادة المؤمنون أن القناعات ضروريَّة لإيماننا وتلمذتنا. يبدأ اختبارنا المسيحي بالإيمان. أكثر الآيات المعروفة في العهد الجديد هي يوحنا 3: 16 والتي تخبرنا أن الله أرسل يسوع المسيح، ابنه الوحيد "لِكَيْ لاَ يَهْلِكَ كُلُّ مَنْ يُؤْمِنُ بِهِ، بَلْ تَكُونُ لَهُ الْحَيَاةُ الأَبَدِيَّةُ". عندما أخبر بولس وسيلا سَجَّانهم المرتعب ماذا ينبغي أن يفعل لكي يخلص، عبَّروا عن ذلك بمنتهى القوَّة وببساطةٍ واضحة: "آمِنْ بِالرَّبِّ يَسُوعَ الْمَسِيحِ فَتَخْلُصَ أَنْتَ وَأَهْلُ بَيْتِكَ" (أعمال الرسل 16: 31).

الوصية الكتابيَّة بأن نؤمن هي مركزيَّة عبر الكتاب المُقدَّس. فالمسيحيَّة مُؤسَّسة على حقائق معيَّنة غير قابلة للتفاوض، وهذه الحقائق بمُجرَّد معرفتها تُترجم إلى معتقدات. والمعتقدات التي ترسِّخ إيماننا هي تلك التي نلتزم بها بشدةٍ وبشكل شخصي، وهذه هي قناعاتنا. نحن لا نؤمن بالمعتقدات مثلما لا نؤمن بالإيمان نفسه. بل نحن نؤمن بالإنجيل ونؤمن بالمسيح. فمعتقداتنا لديها جوهر وإيماننا لديه هدف.

ببساطةٍ، القناعة هي مُعتقد نحن مقتنعون به تمامًا. ولا أقصد أننا نؤمن فقط أن مجموعة مُعيَّنة من التصريحات صحيحة وحقيقيَّة ولكننا مقتنعون بأن هذه الحقائق ضروريَّة وتغيِّر الحياة. نحن نحيا وفقًا لهذه الحقائق ومُستعدُّون للموت من أجل هذه الحقائق.

تأمَّل بطرس ويوحنا الرسولين اللذين، بعد أيام قليلة من موت وقيامة المسيح، كانت لديهما الشجاعة أن يواجهوا مجمع السنهدريم وتحدِّي أوامره بعدم الوعظ بيسوع علنًا. وقالوا للسلطات التي قبضت عليهم إنهم ببساطةٍ لا يستطيعون التوقُّف عن اخبار الآخرين بما "رَأَيْنَا وَسَمِعْنَا" (أعمال الرسل 4: 20). هذه المعتقدات نفسها هي القناعات التي لا تسمح للقادة المؤمنين بالتزام الصمت اليوم، حتى في مواجهة التهديدات والمعارضة.

يعد يوستينوس الشهيد، أحد قادة الكنيسة الأولى، بمثابة نموذجًا للقيادة المبنيَّة على القناعات. فبينما كان يقود أعضاءً من شعب كنيسته للإعدام على يد السلطات الرومانيَّة، شجَّع يوستينوس شعبه بهذه الكلمات: "تذكَّروا، قد يقتلوننا، لكنَّهم لا يستطيعون إيذائنا".

بالفعل، هذه هي القيادة الحقيقيَّة في أوضح صورها –القيادة التي تقود الناس إلى موتهم، مدركين أن المسيح سوف يُنصرهم ويعطيهم عطية الحياة الأبديَّة. شكرًا لله، لن يضطر معظمنا أن يختبر هذا النوع من التحدِّي في قيادته.

ومع ذلك، تظل القناعات كما هي، وكذلك دور تلك الالتزامات في حياة وفكر القائد. نحن نعلم أن هذه الأشياء صحيحة لدرجة أننا على استعداد للمخاطرة من أجلها، والعيش من أجلها، والقيادة من أجلها، وإذا لزم الأمر، الموت من أجلها.

القيادة ذات التأثير حقًا هي تلك التي تدور حول القناعات. يهتم القائد بحق بكل شيء من الاستراتيجيَّة والرؤية إلى بناء الفريق والتحفيز والتفويض. ولكن في قلب وعقل القائد الحقيقي، ستجد قناعات تدفع وتحدِّد كل شيء آخر.

أجد العديد من النماذج المشجِّعة والمفيدة لي للقيادة المبنيَّة على القناعات في صفحات التاريخ. طوال حياتي، استلهمت من مثال مارتن لوثر، المُصلِح العظيم في القرن السادس عشر الذي كان مقتنعًا جدًا بسلطة الكتاب المُقدَّس لدرجة أنَّه كان على استعداد للوقوف أمام محكمة السلطات الدينيَّة المُخيفة التي قدَّمته للمحاكمة، وحتى مواجهة الإمبراطور روما المُقدَّس قائلًا: "هنا أقف، ليس بيدي شيء آخر، وليُعِنِّي الله".

هنا أقف. هذه الكلمات هي بيان رسمي للقيادة المبنيَّة على القناعات. لكن لوثر لم يكن على استعداد للوقوف فقط. بل كان على استعداد لقيادة الكنيسة في عمليَّة إصلاح شجاع.

عندما كنت فتى صغير، شاهدت فيلم "رجل لكل العصور" (A Man for All Seasons)، المُقتبس من مسرحيَّة روبرت بولت (Robert Bolt). تتعلَّق القصة بالسنوات الأخيرة للسير توماس مور (Thomas More) ومحاكمته بتهمة الخيانة. أثار مور اللورد ومستشار إنجلترا السابق غضب الملك هنري الثامن لرفضه أداء قسم السيادة والذي يُعلن فيه أن الملك هو الرئيس الأعلى للكنيسة. علمت لاحقًا أن مور قد اضطهد بنفسه اللوثريِّين وويليام تندل المُترجم العظيم للكتاب المُقدَّس إلى الإنجليزيَّة. لم تسرد رواية بولت من قصة توماس مور الحقيقة كاملة، ولكن منذ المرة الأولى التي شاهدت فيها هذا الفيلم حتى الآن، ما زال يُلهمني المثال الذي قدَّمه مور عندما ذهب إلى المشنقة ليكون أمينًا لقناعاته. وفي مواجهة الحشد المجتمعين ليشهدوا إعدامه، قال مور: "لقد أمرني الملك أن أختصر، وبما أنني خادم الملك المُطيع، سأكون مختصرًا. سأموت وأنا خادمًا صالحًا لجلالة الملك، ولكن وأنا خادمًا لله أولًا".

هذا هو نوع القناعات التي يصنع الفارق. للأسف، يبدو أن الكثير من قادة اليوم ليس لديهم فكرة عمَّا يؤمنون به، أو يبدو أنهم مدفوعون بعدم وجود قناعات واضحة يُمكن تمييزها. كم عدد قادة اليوم المعروفين بقناعاتهم التي هم على استعداد للموت من أجلها –أو حتى العيش من أجلها؟

يُمكنك تقسيم جميع القادة إلى أولئك الذين يشغلون فقط منصبًا أو موقعًا قياديًّا وأولئك الذين لهم قناعات عظيمة. الحياة أقصر من أن نُولي اهتمامًا كبيرًا للقادة الذين لا يدافعون سوى عن القليل من أو عن لا شيء على الإطلاق، وهم القادة الذين يبحثون عن البرامج التالية، ويركبون أحدث صيحات القيادة، ويُجرِّبون فكرة تلو الأخرى، لكنَّهم لا ينقادون بقناعات عميقة.

أريد أن أكون قائدًا مُؤثِّرًا، وأن أقود بطريقة تُحدث فرقًا على وجه التحديد لأن هذه القناعات مُهمَّة. إذا فكرَّت في الأمر، فإن تقريبًا كل قائد يُذكر الآن أنه أحدث فرقًا في التاريخ كان قائدًا غيَّرت قناعاته عن الحياة، والحريَّة، والحق، والتحرُّر، والكرامة الإنسانيَّة وجه التاريخ.

هذه هي القيادة الوحيدة الهامة والمُؤثِّرة. يحث القادة أصحاب القناعات على العمل تحديدًا لأنهم مدفوعون بقناعاتٍ عميقة، وينتقل شغفهم بهذه القناعات إلى أتباعهم، الذين يتضافرون معًا لفعل ما يعرفون أنَّه صحيح. وهم يعرفون ما هو صحيح لأنهم يعرفون ما هو حق.

كيف يُمكن لأي قائد مؤمن أن يقبل بما هو أقل من هذا؟ فالمناصب، ومواقع السلطة، والألقاب تتلاشى أسرع من الحبر.

ذات مرة اصطحبت ابني كريستوفر في رحلة إلى مدينة نيويورك. في عدَّة أماكن، وجدنا أنفسنا ننظر إلى تماثيل ونصب تذكاريَّة لرجال كانوا في مرحلة ما مشهورين أو لهم نفوذ. لقد تلاشى معظمهم من كل الذكريات، وأصبحت تماثيلهم الآن متناغمة مع المناظر الطبيعيَّة في نيويورك، حيث يمر الملايين من دون أن يلتفتوا إليهم مرة أخرى.

يعتبر معظم الأمريكيِّين أن رئيس الولايات المتحدة يتولَّى أعلى منصب في القيادة العلمانيَّة يمكن تخيُّله. لكن كم عدد الأمريكيِّين الذين يُمكنهم تسمية عشرين أو ثلاثين من أصل خمسة وأربعين رجلًا شغلوا هذا المنصب؟ متى كانت آخر مرَّة سمعت فيها أحدهم يذكر تشيستر إيه. آرثر (Chester A. Arthur) أو ويليام هنري هاريسون (William Henry Harrison)؟

نحن نتذكَّر أولئك الذين عُرِفوا بقناعاتهم والشجاعة التي أنتجتها تلك القناعات. يُمكن أن يمتد هذا المبدأ نفسه ليشمل كل منصب وموقع قيادي يُمكن تخيُّله. بدون قناعات، لا شيء مُؤثِّر أو له أهميَّة، ولا يُترك ميراث له مغزى.

أؤمن أن القيادة تتمحور حول وضع المعتقدات الصحيحة حيز التنفيذ، ومعرفة ما هي تلك المعتقدات والأفعال الصحيحة، على أساس القناعات. الكثير مما يتم تعريفه كقيادة اليوم ما هو إلا مُجرَّد إدارة. قد تكون قادرًا على الإدارة بدون قناعات، لكن لا يُمكنك القيادة حقًا.

بالنسبة للقادة المؤمنين، فإن هذا التركيز على القناعات له أهميَّة أكبر. لا يُمكننا أن نقود بطريقةٍ تكون أمينة للمسيح وفعَّالة لشعب المسيح إن لم نكن متأصِّلين بعمقٍ في الحق المسيحي. لا يُمكننا أن نقود بأمانة إن لم نؤمن أولًا بأمانة –وإن لم نكن ملتزمين بشدةٍ بالحق المسيحي.

في الوقت نفسه، هناك العديد من المؤمنين الذين يشعرون بأنهم مدعوون للقيادة ويلتزمون بشدةٍ بكل الحقائق الصحيحة، لكنهم ببساطة ليسوا متأكِّدين إلى أين يذهبون من هنا. إن نقطة البداية للقيادة المسيحيَّة ليست القائد بل الحقائق الأبديَّة التي أعلنها الله لنا –الحقائق التي تجعل العالم منطقيًّا بالنسبة لنا، وتُشكِّل مفاهيمنا، وتدفعنا إلى العمل.

شجَّع الرسول بولس أهل تسالونيكي على معرفة أن الإنجيل حين وصل إليهم "لَمْ يَصِرْ لَكُمْ بِالْكَلاَمِ فَقَطْ، بَلْ بِالْقُوَّةِ أَيْضًا، وَبِالرُّوحِ الْقُدُسِ، وَبِيَقِينٍ شَدِيدٍ" (1 تسالونيكي 1: 5). كقائد مؤمن، هذا ما أرجوه وأصلِّي أن يكون كذلك بالنسبة لي ولكم أيضًا. أريد أن أقود "بِيَقِينٍ شَدِيدٍ".

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

ألبرت مولر
ألبرت مولر
الدكتور ألبرت مولر الابن (AlbertMohler@) هو مدير كليَّة اللاهوت المعمدانيَّة الجنوبيَّة في مدينة لويزفيل، بولاية كنتاكي، وأستاذ اللاهوت المسيحي عن كرسي جوزيف إميرسون برون بها. وهو مضيف للبرنامج اليومي الموجز (The Briefing)، ومُؤلِّف العديد من الكتب منها "الصلاة التي تقلب العالم رأسًا على عقب" (The Prayer That Turns the World Upside Down).