الطاهر والنجس
۸ فبراير ۲۰۱۹
عوضًا عن القلق
۲۵ فبراير ۲۰۱۹

عَمِّدُوهُمْ

في اعتقادي أنه عندما ينظر الناس إلى فريضة المعمودية، يفهمون بشكل ضئيل لماذا أمر المسيح بأن تتم معمودية كل من يؤمن به. يربط معظم الناس على الأرجح بين الماء والتطهير، وهي علاقة صحيحة في ضوء رسالة حزقيال النبي حيث سيرش الله ماءً على شعبه (حزقيال 36: 25). لكن التطهير من الخطية ليس سوى أحد أبعاد معاني ودلالات المعمودية.

بدلًا من التركيز على الفرد، يستخدم الله الماء في علاقته بالسياق الأوسع لتاريخ الفداء. فعبر كل الكتاب المقدس، يظهر الماء والروح القدس في سياقات تكشف لنا صور للخليقة الجديدة. كان الروح القدس يرف على الخليقة (تكوين 1: 2). وأرسل نوح حمامة (صورة العهد الجديد للروح القدس) على مياه الطوفان المنخفضة (تكوين 8: 8–12؛ متى 3: 16). عندما اعتمد شعب إسرائيل في البحر الأحمر، وضع الله روحه، الذي شبّهه بطائر يرف، في وسط إسرائيل (خروج 14: 21–22؛ تثنية 32: 10–12؛ إشعياء 63: 11-14؛1 كورنثوس 10: 1–4). عندما اعتمد المسيح، نزل عليه الروح القدس على هيئة حمامة (متى 3: 16). استخدم الله الماء بجانب عمل الروح القدس ليأتي بخليقة جديدة، سواء الخليقة الأولى، أو الأرض التي تم إعادة خلقها بعد الطوفان، أو خلق شعب إسرائيل كأمة، أو حجر الزاوية في الخليقة الجديدة من خلال المسيح، آدم الأخير (1 كورنثوس 15 :45).

أرسل الله رسالة بأنه سوف يصنع سماءً جديدة وأرضًا جديدة وهو عمل لله الثالوث، من خلال عمل ابنه بواسطة الماء وعمل الروح القدس. يظهر هذا الوعد، على سبيل المثال، في سفر يوئيل: "وَيَكُونُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنِّي أَسْكُبُ رُوحِي عَلَى كُلِّ بَشَرٍ" (يوئيل 2: 28). هذا هو الوعد الذي قصده يوحنا عندما قال للجموع في البرية: "أَنَا عَمَّدْتُكُمْ بِالْمَاءِ وَأَمَّا هُوَ فَسَيُعَمِّدُكُمْ بِالرُّوحِ الْقُدُس" (مرقس 1: 8). وهذا هو الوعد الذي حقّقه المسيح في يوم الخمسين.

هناك عنصران بارزان يربطان أحداث يوم الخمسين بوصية المسيح في إرساليته العظمى بضرورة المعمودية (متي 28: 18–20). أولًا، تمّم هذا نبوات العهد القديم، كما لاحظنا. لقد أخبر بطرس الجموع بأن الأحداث التي كانوا يشهدونها كانت تحقيقًا لنبوة يوئيل بأن الله سيسكب روحه على كل بشر (أعمال الرسل 2: 18–21). هذا أيضًا ما وعد به يوحنا عن معمودية الروح القدس. تؤكد عظة بطرس في يوم الخمسين هذا بالقول: "إِذِ ارْتَفَعَ بِيَمِينِ اللهِ وَأَخَذَ مَوْعِدَ الرُّوحِ الْقُدُسِ مِنَ الآبِ سَكَبَ هَذَا الَّذِي أَنْتُمُ الآنَ تُبْصِرُونَهُ وَتَسْمَعُونَهُ" (أعمال الرسل 2: 33–34). لقد عمّد المسيح الكنيسة بالروح القدس، فكانت بداية سكب الروح على كل بشر.

ثانيًا، تماشيًا مع وصية المسيح بأن تتم معمودية الأمم، نلاحظ أن أشخاصًا من أمم كثيرة — يهود وأمم — قد اجتمعوا في يوم الخمسين (أعمال الرسل 2: 9–11). كان يسوع يعمد كل بشر، فكان يعمد الأمم بالروح القدس، وبعمله هذا كان يضمهم للخليقة الجديدة. وهكذا، عندما تقوم الكنيسة بمعمودية أتباع بالمسيح، فإنها تخبر العالم وشعب الله من خلال الكرازة بالإنجيل، بكل من الكلمة والماء، أن المسيح في وقتنا الحاضر يسكب الروح القدس، ويطهر الناس من خطاياهم، ويوحدهم بنفسه، ويحضرهم إلى السماء الجديدة والأرض الجديدة.

لذا فإن وصية المسيح بالمعمودية تعتمد في نهاية المطاف على عمله هو — أي سكبه للروح القدس على الأمم لكي يوحّد شعبًا لنفسه — ليطهر عروسه من كل دنس وغضن لكي يحضرها مقدسة وبلا عيب (أفسس 5: 25–27). هذا ما أطلق عليه بولس الرسول غسل الخليقة الجديد، أو التجديد (تيطس 3: 5؛ انظر متى 19: 28).

لذلك فإن المعمودية تعظ برسالة من خلال الماء، على الرغم من أن تلك الرسالة يمكن فقط أن تكون مسموعة وفعّالة عندما تتحد مع الكرازة بالكلمة. الماء وحده ليس لديه القدرة على الخلاص أو التطهير. ولكن بالاقتران مع الوعظ بالكلمة، يخلّص الله ويقدّس من خلال الروح القدس. بصيغة لاهوتية، نقول إن المعمودية هي أحد وسائط النعمة.

لهذا السبب يجب علينا أن نُعمّد من يؤمن بالمسيح، فهي الوسيلة التي اختارها الله كي يخلص بها شعبه ويقدسه. إننا نُعمِّد لأنه، بحسب كلمات دليل أسئلة وأجوبة ويستمنستر المُوجز، المعمودية هي " سر مقدس، حيث فيها الغُسل بالماء باسم الآب والأبن والروح القدس، يدل ويختم على تطعيمنا في المسيح، واشتراكنا في فوائد عهد النعمة، والتزامنا أن نكون للرب" (سؤال وجواب 94). بالتالي نحن نعمّد، باسم الله الثالوث لأن الله أرسل ابنه، الذي سكب روحه، وهو يصنع السماء الجديدة والأرض الجديدة، ويطهرنا من خطايانا، وقد وحّدنا بالمسيح، آدم الأخير، الذي يأتي بالخليقة الجديدة، السماء الجديدة والأرض الجديدة.

هذا هو الفهم الأعمق للمعمودية الذي يجب علينا جميعًا التمسك به، سواء عندما ننال نحن المعمودية شخصيًّا أو عندما نراها تتم للآخرين.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

جون فيسكو
جون فيسكو
د. جون فيسكو هو العميد الأكاديمي لكلية ويستمنستر للاهوت بكاليفورنيا وأستاذ اللاهوت النظامي واللاهوت التاريخي بها. وهو مؤلف كتاب "الكلمة، والماء، الروح: منظور مُصلح للمعمودية" (Word, Water, and Spirit: A Reformed Perspective on Baptism).