الإعلان العام
۸ فبراير ۲۰۱۹
عَمِّدُوهُمْ
۸ فبراير ۲۰۱۹

الطاهر والنجس

الطاهر والنجس — كلمتان تبعثان الخوف في قلب القارئ العادي للكتاب المقدس. تستحضر هذه الكلمات الإصحاحات ١١–١٥ من سفر اللاويين بقائمتها الطويلة عن الحيوانات الطاهرة والنجسة، وحديثها الممتد حول مرض البرص (أو الجزام)، والجزء الممتلئ بالكثير من المعلومات عن الإفرازات الجسديّة. فالقارئ العادي للكتاب المقدس لا يعرف بماذا تُفيده كل تلك الأشياء، فليس لها أي تطبيق عملي واضح في حياته كمسيحي. فسرعان ما يغير الصفحات خلال قراءته لهذا الجزء في الكتاب المقدس، ويلقي نظرة سريعة على العناوين الفرعية للإصحاحات، ثم يتنهد قليلاً، ويفكر في أنه قد "قرأ" تلك الإصحاحات بالقدر الذي يجب أن تُقرأ به.

للأسف، يفشل هذا النهج الشائع للغاية تجاه تلك النصوص في التعامل مع بعض الاعتبارات الهامة. أولاً، هذه النصوص هي جزء من كلمة الله، وفي سفر اللاويين هي جزء أساسي من ارشادات الله لشعب إسرائيل. ثانيًا، كانت هذه النصوص جزءًا من الشريعة التي اُعطيت لشعب إسرائيل والتي حدّدت حياة شعب الله تحت قيادة موسى. وبالتالي، كانت لها أهمية بالنسبة لإسرائيل، وضمنيًا، تبقي لها أهمية للكنيسة اليوم.

علينا أن ندرك أن هناك جانبين لهذه النصوص: الجانب العملي والجانب اللاهوتي. الجانب العملي هو أن هذه القوانين كانت جزءًا من التوجيهات التي أعطاها الله لشعبه كي يميزهم عن الأمم المحيطة بهم التي لم تكن تعرف الله. وكما يذكر سفر التثنية ٤: ٦، الفرائض والأحكام هي "حِكْمَتُكُم وَفِطْنَتُكُمْ أَمَامَ أَعْيُنِ الشُّعُوبِ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ كُلَّ هذِهِ الْفَرَائِضِ، فَيَقُولُونَ: هذَا الشَّعْبُ الْعَظِيمُ إِنَّمَا هُوَ شَعْبٌ حَكِيمٌ وَفَطِنٌ.". أما عن الجانب اللاهوتي فتلك النصوص قد أعطيت للشعب كي تعلّمهم حقائق عن أنفسهم، وعن الله، وعن علاقتهم به.

حتى الان الأمور تسير بشكل جيد. ولكن كيف يمكن للقارئ أن يفهم هذه النصوص؟ وكما نتوقع، قد وضع الله اثنين من المفاتيح في السياق المباشر كي يمكّننا من فهم ومعرفة الأهمية العمليّة واللاهوتيّة لهذه الشرائع.

المفتاح الأول نجده في لاويين 10: 3، والذي يقول فيه الرب: "فِي الْقَرِيبِينَ مِنِّي أَتَقَدَّسُ، وَأَمَامَ جَمِيعِ الشَّعْبِ أَتَمَجَّدُ".  وبعبارة أخرى، في التعامل مع الله، في الحياة في محضر الله (coram Deo) على الشعب أن يتذكر أن الله قدوس، وأنه يجب عليهم أن يحيوا من أجل مجده.

المفتاح الثاني نجده في لاويين 10: 10-11، والذي فيه يقول الله لهارون: "وَلِلتَّمْيِيزِ بَيْنَ الْمُقَدَّسِ وَالْمُحَلَّلِ وَبَيْنَ النَّجِسِ وَالطَّاهِرِ، وَلِتَعْلِيمِ بَنِي إِسْرَائِيلَ جَمِيعَ الْفَرَائِضِ الَّتِي كَلَّمَهُمُ الرَّبُّ بِهَا بِيَدِ مُوسَى". من هنا ندرك أنه كان للكهنة مسؤوليّة خاصة لإرشاد الشعب كيف يسلكوا باعتبارهم "أُمَّة مُقَدَّسَةً" لله (خروج 19: 6). كان التمييز بين المقدس والمحلل وبين الطاهر والنجس جزءًا لا يتجزأ من تلك الإرشادات.

كان الشعب ككل مقدسًا. أي قد تم افرازهم وتمييزهم من قبل الله لنفسه ولمجده. ومع ذلك، في الاقتراب منه، كان عليهم الحفاظ على تلك القداسة بأن يأتوا إليه فقط عندما يكونوا في حالة الطهارة. لكن كان من الصعب الاستمرار على تلك الحالة، لأن أي شيء تقريبًا، وفي أي وقت، يمكنه أن يدفع بهم إلى حالة النجاسة. فقد يلمسون جثة ميت. قد يأكلون النوع الخطأ من الطعام. قد تكون المرأة في فترة الحيض. قد يكون لدى الرجل إفرازات جسدية. قد يكون شخصًا مصابًا بإحدى الامراض الجلدية. قد يُصاب منزل العائلة أو تُصاب الملابس بوباءٍ عفن. بعض تلك الأشياء غير الطاهرة يمكننا القول إنها طبيعيّة، تتطلب فقط الاغتسال والانتظار حتى نهاية اليوم لاستعادة حالة الطهارة. أشياء اخري، مثل النزيف بعد فترة الحيض العادي، أو نوع معين من الامراض الجلدية، تتطلب تقديم ذبيحة للتطهير، فضلاً عن الاغتسال بالماء. من خلال تلك الوسائل حافظ الشعب، أو بالأحرى، استردوا طهارتهم بشكل متكرر أمام الله خلال مسار الحياة العادية.

ولا شك أن تلك الاعتبارات العملية كان لها العديد من الآثار الجانبية المفيدة، مثل المستوى الجيد للصحة العامة. ولكن حتى على المستوى العملي، كانت هذه مجرد آثار جانبية، وليست الهدف الاساسي للشرائع.

أما بالنسبة للجانب اللاهوتي لتلك الشرائع، فإن المسيح نفسه يعطينا مفتاحًا أخر لأهميتها. ففي إنجيل مرقس ٧: ١٤-٢٣، يوضح المسيح لمستمعيه أنه ليس ما يدخل الإنسان ينجسه. وهو يتحدث هنا عن شرائع التطهير، لأن ما ينجّس الإنسان هو ما يتسبب في عدم طهارته. لكن يقول المسيح أنه ليس ما يدخل الإنسان ينجّسه حقًا. بل ما ينجّس الإنسان حقًا هو ما في قلبه — أفكاره ورغباته ونواياه الخاطئة.

 بهذا التصريح، يوضح يسوع للشعب أن الشرائع المتعلقة بالطاهر والنجس ما هي إلا صورة تُظهر لهم أن مجمل حياتهم، بطبيعتها، غير طاهر ونجس. لم تكن النجاسة هي الخطية، لكنها كانت صورة للخطية. بما أنه كان من المستحيل تقريبًا أن يمر يومًا في إسرائيل قديمًا دون أن يتعرّض الفرد لنوع من النجاسة، فإن الرب بهذه الشرائع كان يبيّن كيف أن الخطية قد أفسدت بالكامل الحياة البشرية. لم يكن هناك حقّا أي مفر منها. ففي الواقع، لم يكن رجائهم في أن يتجنبوا النجاسة. عوضًا عن ذلك، كان رجائهم هو أن يتحرروا منها. كما يقول كاتب العبرانيين، كان دم الثيران والتيوس فقط يقدس للطهارة (أو التطهير وهنا تمليح مباشر لشرائع التطهير) الجسدية. وحده دم المسيح يطهّر ضمائرنا من أعمال ميتة لنخدم الله الحي (عبرانيين ٩: ١٣–١٤).

إذا في المرة التالية التي تقرأ فيها سفر اللاويين ١١-١٥، لا تتسرع بل تمهل. اقرأ التفاصيل. تأمل كيف أثرت الخطية على الحياة العادية لشعب إسرائيل قديمًا. وتذكر مدى عمق، ومدى تأثير، الخطية على حياتك. أشكر الله أنك لا تعيش تحت عبء ظل الناموس والشريعة، بما فيه من غسلات وذبائح. افرح بأنك تعيش تحت نير المسيح الهين، الذي دمه قد طهر ضميرك من الأعمال الميتة، وأعطاك القدرة أن تخدم الله الحي من كل قلبك.


تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

بنجامين شو
بنجامين شو
د. بنجامين شو هو العميد الأكاديمي بكلية جرينفيل المشيخية للاهوت بمدينة جرينفيل في ولاية نورث كارولاينا وأستاذ اللغة العبرية والعهد القديم بها.