هل يتوافق الكتاب المقدس مع العلم؟
۸ فبراير ۲۰۱۹
الطاهر والنجس
۸ فبراير ۲۰۱۹

الإعلان العام

ما من أمر أكثر أهمية من معرفة الله كما هو بالحقيقة. لهذا أقرت الكنيسة العديد من الحقائق عن إلهنا عبر التاريخ. فهو الله الثالوث السرمدي، والخالق العظيم، والمُدبّر الحكيم، والفادي القدير، والديان الآتي. لكن تبقى حقيقة واحدة لم تتناولها إقرارات إيماننا بوضوح، وهي أن الله هو المُعلِن الصادق الأمين. لكي نعرف الله كما هو، يجب أن يُعلِن لنا عن ذاته.

ولكون الله غير محدود، يصعب على المخلوقات المحدودة فهمه بالتمام. تعمينا خطايانا عن حقيقة الله. بل حتى إننا قبل دخول الخطية إلى العالم كنا بحاجة إلى الله ليخبرنا عن نفسه. لقد كان الله دائمًا معلنًا وكاشفًا عن ذاته في أقواله وأعماله. فقد تحدث إلى آدم في جنة عدن ليعلن عن ذاته وليكشف عن جوانب من شخصيته في أعمال الخليقة المحيطة بآدم. لقد أطلق علماء اللاهوت على أقوال الله، التي قالها ثم دُونت لاحقًا، إعلانه الخاص، في حين أطلقوا على أعماله في الخلق وعنايته إعلانه العام. لذا، فيُعد الإعلان العام إعلانًا يخص الجميع (يعرف هؤلاء اللاهوتيون ما يتحدثون عنه)، في حين أن الإعلان الخاص أكثر تحديدًا وتفصيلًا وشمولًا. يحيط بنا، الآن، الإعلان العام في الطبيعة، في حين بين أيدينا إعلانًا خاصًا داخل الكتاب المقدس. يخبر الإعلان الخاص شعب الله كل شيء مُعلن عن شخصية الله في الإعلان العام بل وأكثر من ذلك.

إذًا، ما هو الإعلان العام تحديدًا؟ ولماذا يعد مهمًا؟ يقول البعض إن العلوم الطبيعية هي دراسة الإعلان العام، وبذلك تتخطى الإعلان الخاص. ولكن منذ عصر التنوير، تتمحور دراسة العلوم الطبيعية عادةً على الخليقة لا لمعرفة الله بل لمعرفة الخليقة ذاتها، وبالتالي لا تركز على الإعلان العام من خلال الخليقة. يُعد الإعلان العام، وفق مفهومه السليم، إظهار الله الواضح لمجده وقوته في أعماله في الخلق وعنايته. كما يوضح الكتاب المقدس: "السماواتُ تُحَدِّثُ بمَجدِ اللهِ، والفَلكُ يُخبِرُ بعَمَلِ يَدَيهِ. يومٌ إلَى يومٍ يُذيعُ كلامًا، وليلٌ إلَى ليلٍ يُبدي عِلمًا" (مزمور 19: 1-2). "إذ مَعرِفَةُ اللهِ ظاهِرَةٌ فيهِمْ، لأنَّ اللهَ أظهَرَها لهُمْ، لأنَّ أُمورَهُ غَيرَ المَنظورَةِ تُرىَ منذُ خَلقِ العالَمِ مُدرَكَةً بالمَصنوعاتِ، قُدرَتَهُ السَّرمَديَّةَ ولاهوتهُ، حتَّى إنهُم بلا عُذرٍ" (رومية 1: 19-20).

منذ عدة سنوات، قدمت جوان بيز، المُغنية الشعبية الشهيرة، في إحدى حفلاتها الموسيقية أغنية الحديث العالق (The Dangling Conversation) التي بها قرار يقول: "لا تكن محتدًا، لأن الحياة قصيرة ولا ينال الإنسان منها شيئًا". وذكرت أنها حين كانت تشاهد الغروب البديع بصحبة مؤلف الأغنية، سألته: "كيف وأنت تشاهد هذا الجمال تقول لا ينال الإنسان منها شيئًا؟" فكر المؤلف لبرهة وأجاب: "حسنًا، هذا جمال مستعار وليس هبة في الحقيقة". لكان سيبتسم كاتب المزامير ويعترض قائلًا: "سواء كان جمال الغروب هبة أو مستعار، فهو يشير بما لا يدع مجالاً للَبس ولا لمفر إلى الله الذي يهب أو يمنح. تعد هذه هي الميزة التي لا غنى عنها في الإعلان العام".

يستطيع الخطاة مقاومة هذا الإعلان العام وإنكاره، لكنهم لا يستطيعون الإفلات منه. بل تصرخ الخليقة بأكملها، دومًا، بوجود الله وبقوته وبروعته. يستطيع الخطاة غلق عيونهم وسد آذانهم، لكن يظل الإعلان العام واضحًا من حولهم. فلا يمكن إنكار شهادة الإعلان العام إلا عندما يصر الشرير على طمس هذه الحقيقة الواضحة. حينها يعد هذا الطمس فعل شرير وأحمق. لذلك يعلن الكتاب المقدس عن حق: "قالَ الجاهِلُ في قَلبِهِ: «ليس إلهٌ». فسدوا ورَجِسوا بأفعالِهِمْ. ليس مَنْ يَعمَلُ صَلاحًا" (مزمور 14: 1).

يُعتبر هذا الإعلان العام نتيجة حتمية لأعمال الله في الخلق وعنايته. لكن ما الغرض منه؟ في المقام الأول، يعتبر الإعلان العام تشجيعًا كبيرًا للمؤمنين وسندًا لهم طوال حياتهم: "عظيمَةٌ هي أعمالُ الرَّبِّ. مَطلوبَةٌ لكُلِّ المَسرورينَ بها. جَلالٌ وبَهاءٌ عَمَلُهُ، وعَدلُهُ قائمٌ إلَى الأبدِ" (مزمور 111: 2-3). لكن له دور حيوي آخر في هذا العالم الساقط أيضًا. لقد أوضح بولس الرسول هذا الدور بجلاء حين قال: "حتَّى إنهُم بلا عُذرٍ" (رومية 1: 20). يختلق الخطاة الأعذار دومًا فلسان حالهم يقول: "سآومن حين أرى الله أو أسمعه". يقول بولس الرسول إن الخطاة بلا أعذار مشروعة. فإن أولئك الذين رفضوا إعلان الله العام لن يستفيدوا من إعلانه الخاص. في الواقع، لكنا سنرفض جميعًا، نحن الخطاة، إعلاني الله بعيدًا عن عمله الخاص والرحيم بالتجديد داخل قلوب شعبه.

بالتأكيد، سيكون من العجرفة الإضافة إلى قانون إيمان الرسل. ولكن قد يكون من الأفضل ترديد: "أؤمن بالله الآب الضابط الكل، المُعلِن، خالق السماء والأرض". المجد لله المُعلِن.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

روبرت جودفري
روبرت جودفري
الدكتور روبرت جودفري هو عضو هيئة التدريس في خدمات ليجونير والرئيس الفخري لكلية لاهوت وستمنستر في كاليفورنيا والأستاذ الفخري لتاريخ الكنيسة بها. وهو الأستاذ المُميّز في سلسلة ليجونير التعليميّة المكونة من ستة أجزاء بعنوان "مسح شامل لتاريخ الكنيسة" A Survey of Church History. تشمل كتبه العديدة "رحلة غير متوقعة" An Unexpected Journey، و"تعلّم أن تحب المزامير" Learning to Love the Psalms.