أخطر مكان على الأرض
۱۲ أكتوبر ۲۰۲۰
كيف ننضج روحيًا؟
۳ نوفمبر ۲۰۲۰

ما هو اسم الله؟

لوقتٍ وجيز التقى موسى مع القدُّوس، وكلَّما اقترب، ازداد خوفه. سمع موسى صوت الله وهو يُكلِّفه بمهمة، وتحوَّل خوفه إلى شكٍّ. "مَنْ أَنَا حَتَّى أَذْهَبَ؟" فأجاب الله: "إِنِّي أَكُونُ مَعَكَ" (خروج 3: 12). لم يجاوب الله حقًا على سؤال موسى المُتعلِّق بمَن هو موسى؛ بل قال ببساطة، فيما معناه: "لا تقلق بشأن مَن أنت، لأنني سأكون معك".

"وَهذِهِ تَكُونُ لَكَ الْعَلاَمَةُ أَنِّي أَرْسَلْتُكَ: حِينَمَا تُخْرِجُ الشَّعْبَ مِنْ مِصْرَ، تَعْبُدُونَ اللهَ عَلَى هذَا الْجَبَلِ. فَقَالَ مُوسَى ِللهِ: "هَا أَنَا آتِي إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَقُولُ لَهُمْ: إِلهُ آبَائِكُمْ أَرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ. فَإِذَا قَالُوا لِي: مَا اسْمُهُ؟ فَمَاذَا أَقُولُ لَهُمْ؟" (خروج 3: 12-13). الآن نصل إلى جوهر الموضوع. لم يعد موسى يطرح السؤال، "مَن أنا؟" في هذه المرحلة، سأل موسى: "مَن أنت؟ ما هو اسمك؟"

في الأيام الأولى لخدمات ليجونير، سألني أحدهم: "ماذا تحاول أن تفعل؟ ما هي إرساليتك؟ ما هو الهدف من تلك الخدمة التي كوَّنتها؟" فقلت له: "إنها خدمة تعليميَّة لمساعدة المؤمنين على التأصُّل في كلمة الله"، فأجاب: "ما الذي تريد تعليمه، والذي لا يعرفه الناس بالفعل؟ كان ذلك سهلًا. قُلت: "مَن هو الله". ثمَّ تابعت قائلًا: "تخبرنا رومية 1: 18–25 أن كل شخص في العالم يعرف أن الله موجود، لأنَّ اللهَ أَظْهَرَ نفسه بشكلٍ واضح للجميع في الخليقة بحيث ترك الناس بلا عذر، لأن إعلانه العام قد اخترق أذهانهم. إنهم يعرفون أنه موجود، لكنهم يكرهونه. إلى حدٍ كبير، هذا لأنهم يعرفون أنه موجود، لكن ليس لديهم أي فكرة عن طبيعته". فقال لي: "لكن ما هو برأيك أهم شيء يحتاج المسيحيُّون إلى معرفته في هذا اليوم والعصر؟" قلت: "المسيحيُّون بحاجةٍ إلى معرفة مَن هو الله".

أعتقد أن أكبر ضعف في يومنا هذا هو الكسوف الظاهري لشخصيَّة الله، حتى داخل كنائسنا. ذات مرة تحدَّثتُ مع امرأة تحمل شهادة الدكتوراه في علم النفس، وهي كانت عضوةً في كنيسة على الساحل الغربي. كانت غاضبة للغاية وقالت: "أذهب إلى الكنيسة كل يوم أحد، وأشعر أن الواعظ يبذل كل ما في وسعه ليخفي عنَّا شخصيَّة الله. إنه يخشى أنه إذا فتح الكتاب المُقدَّس حقًا وأعلن شخصيَّة الله كما وردت في الكتاب المُقدَّس، فإن الناس سيغادرون الكنيسة لأنهم سيكونون غير مرتاحين في محضر الله القدُّوس". لم يكن موسى أول مَن أخفى وجهه في محضر الله. بدأ الأمر في جنة عدن، مع هروب آدم وحواء للاختباء، لشدَّة شهورهما بالعار والخجل.

فسأل موسى: من أنت؟ مَا هو اسْمك؟ هذا إن كان لديك اسم. أعلن الله عن نفسه بالفعل أنه: "يَهْوَهْ إِلهُ آبَائِكُمْ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ" (انظر خروج 3: 6). عرف موسى ذلك؛ لكنه أراد أن يعرف اسم الله.

في عام 1963، على شاشة التلفزيون المحلِّي، أجرى ديفيد فروست (David Frost) مقابلة مع مادلين موراي أوهير (Madalyn Murray O’Hair)، تلك الملحدة المتشدِّدة الشهيرة. تناقش فروست مع أوهير حول وجود الله. بينما كانت تزداد غضبًا وإحباطًا، قرَّر فروست حسم الجدال بالطريقة الأمريكيَّة الكلاسيكيَّة: عبر إجراء تصويت.  فطرح السؤال على الحضور في الاستوديو قائلًا: "كم منكم [وكان يوجد حوالي ثلاثين شخصًا في المكان] يؤمن بوجود إله أو ما شابهه، أو قوَّة عُليا، أو شيء أعظم منك؟" رفع الجميع أيديهم. فأجابت أوهير بما معناه: "ماذا تتوقَّع من أشخاص غير مُتعلِّمين؟ هؤلاء الناس لم يتخطوا مرحلة الطفولة الفكريَّة؛ لا تزال أدمغتهم مغسُولة بتعليم ثقافتهم وهذه الأسطورة عن الله. ثمَّ واصلت إهانة جميع الحضور في الأستوديو.

ليس هذا ما كنت أتوقَّعه منها. فقد ظننت أنها ستلتفت إلى الحضور لتقول: "أنتم تؤمنون بوجود قوَّة عُليا، بشيء أعظم منكم. أود أن أسألكم: كم منكم يؤمن بالرب إله الكتاب المُقدَّس؟ الإله الذي يطلب ألا يكون لكم آلهة أخرى أمامه؟ الإله الذي يرسل الرجال والنساء والأطفال إلى الجحيم إلى الأبد، ويدين البشر لأنهم لا يؤمنون بالمسيح الغامض هذا؟" أتساءل كيف كانت ستصبح نتيجة التصويت لو تم طرح السؤال بمزيد من الوضوح. لكن جرت العادة في ثقافتنا أن نصف الله على أنه قوَّة عُليا وشيء أعظم من أنفسنا. لكن ما هي هذه القوَّة العُليا؟ هل هي الجاذبيَّة؟ البرق؟ الزلازل؟ إن المشكلة في القوَّة الغامضة، عديمة الشكل والشخصيَّة، هي أنها أولًا غير شخصيَّة، وثانيًا والأهم من ذلك هي أنها عديمة الحس الأخلاقي. هناك جانب إيجابي وجانب سلبي لعبادة قوَّة عُليا. الجانب الإيجابي بالنسبة للخاطئ هو أن القوَّة غير الشخصيَّة وعديمة الحس الأخلاقي لا تفرض مطالب أخلاقيَّة على أحد. لا تحكم الجاذبيَّة على سلوك الناس؛ حتى لو قفز أحدهم من نافذة بارتفاع ستة طوابق، فلا توجد إدانة شخصيَّة من الجاذبيَّة. لا يوجد ضمير إنسان يُنخس بالجاذبيَّة. إذا كانت القوَّة العُليا غير شخصيَّة وعديمة الحس الأخلاقي، فهذا يمنحك إذنًا للتصرُّف بالطريقة التي تريدها مع الإفلات من العقاب.

ومع ذلك، فإن الجانب السلبي هو أنه لا يوجد أحد من أجلك. هذا الاعتقاد يعني أنه لا يوجد إله شخصي، ولا فادٍ. ما نوع العلاقة المُخلِّصة يمكن أن تربطك بالرعد؟ الرعد يُحدث ضجيجًا، ويدوي في السماء، ولكن من حيث المحتوى، فهو صامت. هو لا يعطي إعلانًا، ولا يمنح رجاءً. لم يتمكَّن الرعد والجاذبيَّة يومًا من غفران أي خطيَّة.

في جواب الله لموسى، نرى تناقضًا مع هذه القوَّة غير الشخصيَّة. لم يقل: "الشيء الذي يكون"، والذي يبدو أنه اسم آلهة زائفة في عصرنا. بل قال: "أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ [أكون الذي أكون]" (خروج 3: 14). هذا الاسم مرتبط باسم الله الشخصي، يهوه. لذا فإن أول شيء أعلنه الله عن نفسه بهذا الاسم هو أنه إله شخصي. يستطيع أن يرى؛ وأن يسمع؛ وأن يعلم؛ وأن يتكلَّم. ويمكنه التواصل مع المخلوقات التي صنعها على صورته. هو الله الذي أخرج شعبه من أرض مصر. إنه إله يحمل اسمًا وإله له تاريخ.

منذ عدَّة سنوات، قمت بتدريس مُقرَّر جامعي في علم اللاهوت، وكنَّا ندرس أسماء الله. كنت أحاول توضيح أهميَّة أسماء الله، وما تكشفه عن شخصيَّة الله. في بداية المحاضرة، دخلت فتاة، سأدعوها ماري، إلى القاعة وراحت تمشي بطريقة غريبة ولافتة —بحيث يمكن لأي شخص أن يرى خاتم الألماس المتلألئ في يدها اليسرى. فقلت لها: "ماري، هل أنت مخطوبة؟" فأشارت إلى صديقها في الصف الخلفي وقالت: "نعم، لجون". فقلت: "مبروك. عندما تقولين إنك ستتزوجينه، أنا أفترض أنك تحبِّينه —هل هذا افتراض صحيح؟" فقالت: "نعم".

فقلت لها: "لماذا تحبينه؟" فقالت: "لأنه وسيم للغاية". فقلت: "نعم، إنه حسن المظهر. لكن انظري إلى بيل، لقد كان المرافق لملكة جمال الكليَّة هذا العام. ألا تعتقدين أنه وسيم؟" فأجابت: "نعم، بيل وسيم للغاية". فقلت لها: "إذًا، لا بد أن يكون لدى جون ميزة أخرى إلى جانب كونه وسيمًا". فقالت: "إنه رياضي أيضًا". فقلت لها: "نعم، إنه بارع. لكن بيل قائد فريق كرة السلَّة. لماذا لا تحبين بيل بدلًا من جون؟" فبدأت تشعر بالانزعاج، وقالت: "جون ذكي جدًا". فقلت لها: "صحيح، إنه طالب جيِّد جدًّا. لكن على الأرجح سيكون بيل هو الطالب المتفوِّق في الصف الدراسي. لذا، يا ماري، يجب أن يكون هناك شيء آخر عن جون يميِّزه عن بيل في نظرك —شيء يتفرَّد به يُولِّد لديكِ هذه العاطفة الكبيرة. ما الذي يجعلك تحبينه كثيرًا؟

فانزعجت كثيرًا وقالت: "أنا أحبه لأن... أنا أحبه لأن —أنا أحبه لأنه جون". فقلت لها: "الآن أجبت بالصواب. عندما تريدين اختصار جوهر شخصه، وما يعنيه من حيث علاقتك وتاريخك الشخصي معه، استطعتِ تلخيص الجواب باسمه.

التفت إلى الطلبة وشرحت قائلًا: "لهذا السبب، حين ننظر إلى الله، نعرف أن اسمه عجيب. بهذا الاسم، يعلن عن أشياءٍ متعدِّدة حول عظمة كيانه وكمال شخصه. ولهذا السبب، إن قلنا لقديسي العهد القديم: "أخبرونا بكل ما تعرفونه عن الله"، سيقولون في نهاية المطاف: "يهوه —أكون الذي أكون".

 

تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

أر. سي. سبرول
أر. سي. سبرول
الدكتور أر. سي. سبرول هو مؤسِّس هيئة خدمات ليجونير، وكان أحد رعاة كنيسة القديس أندرو (St. Andrews Chapel) في مدينة سانفورد بولاية فلوريدا، كما كان أول رئيس لكليَّة الكتاب المقدَّس للإصلاح (Reformation Bible College). وهو ألَّف أكثر من مائة كتاب، بما في ذلك بما في ذلك "كلُّنا لاهوتيُّون" (Everyone’s A Theologian).