ما هو الأساس التنظيمي للعبادة؟
۱۳ يوليو ۲۰۲۰
إن كان الله له السيادة، لماذا نصلي؟
۲۹ يوليو ۲۰۲۰

ماذا يعني “الخلق من العدم” (Ex Nihilo)؟

حتى عصر التنوير، كانت العقيدة الأكثر ثباتًا في الإيمان المسيحي وسط العالم العلماني هي عقيدة الخلق. وقد ترسَّخت هذه العقيدة ليس فقط عن طريق الإعلان ولكن أيضًا عن طريق العقل والمنطق، وليس فقط عن طريق الدين ولكن أيضًا عن طريق العلم. بالنسبة لفلاسفة العصور الوسطى، كانت فكرة شيء يأتي من العدم فكرة سخيفة، وغير علميَّة، وغير منطقيَّة. إذا كان هناك شيء ما، فيجب أن يكون له القدرة على الوجود الذاتي أو يجب أن يأتي من شيء لديه القدرة على الوجود الذاتي. خلاف ذلك، لا يمكن أن يوجد شيء على الإطلاق. هذه النقطة مهمة لأن الملحدين والعلمانيِّين في القرون الأخيرة ركَّزوا اهتمامهم على عقيدة الخلق. إذا استطاعوا إضعاف يقيننا بأننا نعيش في عالم مخلوق، فيمكنهم إضعاف أي حجَّة لوجود الله. لأنك إن تخلَّصت من عقيدة الخلق، تتخلَّص من الخالق.

إن عقيدة الخلق المسيحيَّة الكلاسيكيَّة هي الخلق من العدم (ex nihilo). والكاتب الذي طوَّر هذا المفهوم بدقة هو أوغسطينوس. حيث قال إن الله قد نطق بالكون إلى الوجود من العدم. لم يأخذ الله مادة موجودة مُسبَقًا منذ الأزل وأعاد تشكيلها أو أعاد تكوينها لتصبح العالم الحالي. فعمل الله في الخلق لا يشبه عمل الفنانين من البشر.

انظر إلى مايكل أنجلو، الذي نحت تماثيل رائعة من الحجر. يعتقد مايكل أنجلو أنه لم يخلق تمثالًا ولكنه أخرج شخصيَّة التمثال من سجنه الحجري. لا يمكن تصور أن تماثيله يمكن أن تكون قد خلقت نفسها بدون عمل النحات البارع. كانت عبقريَّة مايكل أنجلو في قدرته الفريدة على إعادة تشكيل كتلة من الحجر إلى تمثال رائع. ولكن كان عليه أن يبدأ ببعض المواد الخام. وبالمثل، كان علي الرسَّام الألماني رامبرانت أن يبدأ بلوحاته البيضاء والألوان. وكان تألُّقه الإبداعي في العمل بالمواد الموجودة لديه بالفعل وتحت تصرُّفه. نحن نطلق على هذا مصطلح الإبداع، ولكن لا أحد في هذا العالم لديه القوة أو القدرة على خلق شيء من العدم. الله وحده هو القادر على فعل ذلك.

عندما نؤكِّد على عقيدة الخلق من العدم، يكون السؤال الواضح هو، كيف يمكن أن يفعل الله مثل هذا الشيء؟ يكاد يكون الأمر مثل السحر، حيث أن الله هو الساحر الذي يُخرج أرنبًا من القبَّعة. ولكن في عمل الخلق، لم تكن هناك مرايا خادعة، ولا أرانب، ولا قبَّعات، ولا حتى عصا سحريَّة. يجب أن يكون لكل نتيجة سبب أو علَّة. هناك أنواع مختلفة من العلل. فرَّق أرسطو، على سبيل المثال، بين عدَّة أنواع من العلل، مستعينًا بمثال توضيحي لصنع نحَّات لتمثال: علَّته الماديَّة (material)، التي يأتي منها الشيء، هي كتلة الحجر؛ وعلَّته الوسيليَّة (instrumental)، أي الوسيلة التي بها تتحقَّق النتيجة، هي المطرقة والإزميل، أي الأدوات التي يستخدمها النحَّات لتحقيق النتيجة؛ وعلَّته الصوريَّة (formal)، أي الفكرة التي يجب تشابهها النتيجة، هي الرسم التخطيطي المُستخدم أثناء تشكيل التمثال؛ وعلَّته الغائيَّة (final)، أي الغرض الذي صُنع من أجله التمثال، هو تجميل مبنى معين بالتمثال، وتحقيق غرض ما، أو أي سبب آخر. كما فرَّق أرسطو بين العلل الفاعلة (efficient) والكافية (sufficient): العلَّة الفاعلة هي النحَّات، الذي يُشكِّل التمثال؛ والعلَّة الكافية هي القوة اللازمة للإتيان بالنتيجة إلى حيِّز الوجود.

لم يكن للخلق مادة أو علَّة وسيليَّة. كانت هناك علَّة صوريَّة، وعلَّة غائيَّة، وعلَّة فاعلة، وعلَّة كافية. كانت العلَّة الصوريَّة هي فكرة الله وخطته لخلق العالم، ليس لوجود ضرورة ما أو لكونه في احتياج لذلك، ولكن بحسب قصده. كانت العلَّة الغائيَّة هي قصد الله، أي الخطة التي بادر الله بتنفيذها من البداية عن طريق عمل الخلق. كانت العلَّة الغائيَّة هي مجد الله المطلق وخيرنا (التي يُؤدِّي أيضًا إلى تمجيده). كان الله هو العلَّة الفاعلة والعلَّة الكافية لأنه وحده كان لديه القدرة على إيجاد شيء من العدم.

بأي وسيلة أنجز الله عمل الخلق من العدم؟ بكلمته. دعا أوغسطينوس ذلك بالأمر أو الإلزام الإلهي. نطق الله بكلمة: "لِيَكُنْ" (تكوين ١: ٣، ٦، ١٤) —بمعنى "يجب أن يكون هناك"— وإذ بكل شيء يظهر ويأتي إلى الوجود. في الفيلم السينمائي "آنا وملك سيام" (Anna and the King of Siam كثيرًا ما قال الملك: "ليكن القول؛ وليكن الفعل". هذا أمر إمبراطوري لا يمكن إلغاؤه. في الخلق، لم يكن هناك كتلة من الحجر أو كتلة من المادة غير المُنظَّمة، ولكن كان هناك فقط أمر الله، الذي وحده له القدرة على جعل الأشياء تحدث ببساطة عن طريق النطق بالأمر. كانت قوة كلمته هي التي خلقت.

وبكلمة قدرته وإرادته السياديَّة الفعَّالة، يقدر الله أن يجعل الأشياء تحدث بأمر منه. نرى هذا الأمر يظهر إلى حد ما عندما هدأ بحر الجليل وتوقف نوء الرياح العظيم بأمر من يسوع. قال يسوع: "اسْكُتْ! اِبْكَمْ!" (مرقس ٤: ٣٩)، فصار هدوء عظيم وسكنت الريح. ونتيجة لذلك، ازداد خوف التلاميذ بدلًا من أن ينقص. وصرخوا بخوف من يسوع قائلين: "مَنْ هُوَ هذَا؟" (مرقس ٤: ٤١). فهم لم يلتقوا بشخص أبدًا لديه سلطة عُليا، ومقدسة، ومهيبة لدرجة أن الرياح والبحر يُطيعانه.

كما أظهر يسوع هذه القوة عندما أقام لعازر من بين الأموات. بعد موته بأربعة أيام، كان لعازر، كما يصفه الكتاب المقدس "قَدْ أَنْتَنَ" (يوحنا ١١: ٣٩). يؤكِّد هذا الوصف حقيقة أن لعازر قد مات بالفعل، وأن جسده بدأ تتحلَّل. عند إقامة لعازر من بين الأموات، وقف يسوع خارج القبر وصرخ قائلًا: "لِعَازَرُ، هَلُمَّ خَارِجًا!" (يوحنا ١١: ٤٣). بناءً على الأمر اللفظي للمسيح المتجسِّد، بدأ قلب لعازر على الفور في النبض وضخ الدم عبر الأوعية الدمويَّة، وبدأ الأكسجين في التدفُّق، وبدأت موجات الدماغ، واستيقظ لعازر وخرج من القبر رجلًا حيًّا.

في رسالة رومية، تحدَّث بولس عن تفرُّد الله، الذي وحده يستطيع أن يخرج شيئًا من العدم والحياة من الموت (رومية ٤: ١٧). يخبرنا بولس أن القوة النشطة لكلمة الله هي التي تُقيمنا من الموت الروحي وتنقلنا من ملكوت الظلمة إلى ملكوت النور. يستطيع الله أن يؤكِّد لكنيسته أن كلمته لن تعود إليه فارغة لأنها تحتوي على قوته (إشعياء ٥٥: ١١). نحن نقف في مهابة واحترام أن خالقنا شكَّل الكون الشاسع بأكمله من العدم بمجرد أمر نطق به.

بعض الأسئلة الفلسفيَّة العميقة تتدفَّق من مفهوم الخلق من العدم. على الرغم من عدم وجود مادة مُسبقًا منها نظَّم الله الكون، فليس الأمر كما لو أنه لم يوجد شيء على الإطلاق. تعني عقيدة الخلق من العدم أنه لم يكن هناك واقع مادي أو ملموس، ولكن من الواضح أنه كان هناك دائمًا الله نفسه وواقعه الروحي موجود. نتعلَّم من الكتاب المقدس ألا نخلط أبدًا بين الكون أو أي جزء منه والله نفسه. إن الخلط بين الخالق والمخلوق هو الوقوع في فلسفة وحدة الوجود (pantheism)، والتي تلغي التمييز الواضح بين المخلوق والخالق. ومع ذلك نسمع من الرسول بولس، نقلًا عن الشعراء اليونانيِّين "أنَّنَا بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ" (أعمال الرسل ١٧: ٢٨). فلكي نُوجَد نحن نعتمد بالكامل على قوة الله الحافظة. فالذي يخلقه الله، هو يحفظ وجوده. نحن نعتمد عليه ليس فقط في عمل الخلق الأصلي ولكن أيضا للوجود من لحظة إلى أخرى. لا توجد حياة بمعزل عنه.

عندما نقول إن وجودنا هو بالله، فإننا نطرح السؤال عمَّا إذا كانت أشياء الكون هي امتداد لوجود الله، وبطريقة ما جزء منه. وهذا يؤدي إلى أشكال أخرى من فلسفة وحدة الوجود. من الصعب أن نفهم كيف يمكن لله، غير المحدود في وجوده، أن يتخلَّل كل شيء ومع ذلك يسمح بوجود شيء مختلف تمامًا عن وجوده. بشكل ما، نحن ندين بوجودنا لوجوده هو، ولكن هذا لا يؤلِّهنا بأي شكل من الأشكال. هناك فرق بين الوجود الذاتي والوجود بالخلق، ولا يجب أن نفكر في أنفسنا أبدًَا كأننا آلهة صغيرة أو شظايا تنبع من اللا محدود. نحن لا نتواجد اعتمادًا على قوة فينا ولكننا نتَّكل في كل ثانية على وجود الله من أجل وجودنا. نحن لسنا الله، وكوننا نُوجد تحت تأثير قوته في الخلق شيء لا يمكن لأحدٍ أن يُفسِّره. يمكننا أن نكون على يقين من الآتي: ما لم تكن قوة الوجود تلك أعظم منَّا وتسبقنا، فمن المستحيل لأي شيء أن يكون.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

أر. سي. سبرول
أر. سي. سبرول
الدكتور أر. سي. سبرول هو مؤسِّس هيئة خدمات ليجونير، وكان أحد رعاة كنيسة القديس أندرو (St. Andrews Chapel) في مدينة سانفورد بولاية فلوريدا، كما كان أول رئيس لكليَّة الكتاب المقدَّس للإصلاح (Reformation Bible College). وهو ألَّف أكثر من مائة كتاب، بما في ذلك بما في ذلك "كلُّنا لاهوتيُّون" (Everyone’s A Theologian).