ماذا يعني “الخلق من العدم” (Ex Nihilo)؟
۲۸ يوليو ۲۰۲۰
بيان شيكاغو عن تطبيق الكتاب المُقدَّس
۱۵ أغسطس ۲۰۲۰

إن كان الله له السيادة، لماذا نصلي؟

لا شيء يغيب عن نظر الله، ولا شيء يتجاوز حدود قدرته. فالله له سلطة في كل الأشياء. إذا ظننتُ ولو للحظة واحدة أنَّ ذرَّةً واحدةً يمكن أن تسير دون رابط في الكون خارج تحكُّم وسلطان الله القدير، فلن أنام الليلة. ثقتي في المستقبل تعتمد على ثقتي بالله الذي يتحكَّم في التاريخ. لكن كيف يمارس الله هذه السيطرة ويُظهِر تلك السلطة؟ كيف يُحقِّق الله الأشياء التي يقضي سياديًّا بحدوثها؟

قال أوغسطينوس إن لا شيء يحدث في هذا الكون دون إرادة الله، وأن الله، بطريقةٍ ما، يُعيِّن كل ما يحدث. لم يكن أوغسطينوس يحاول إعفاء الناس من المسؤوليَّة عن أفعالهم، لكن تعاليمه تثير سؤالًا: إذا كان الله له سيادة على أفعال الناس ومقاصدهم، فلماذا نُصلي في الأساس؟ تدور مسألة ثانويَّة حول السؤال: "هل الصلاة تُغيِّر حقًا أي شيء؟" دعني أجيب على السؤال الأول بالقول إن الله صاحب السيادة يأمر في كلمته المُقدَّسة أن نُصلِّي. الصلاة ليست أمرًا اختياريًّا للمؤمن؛ بل هي مطلوبة.

قد نسأل: "ماذا لو لم تفعل الصلاة شيئًا؟" هذا ليس هو الأمر. فبغض النظر عمَّا إذا كانت الصلاة تفيد بأي شيء، إذا أمرنا الله بالصلاة، يجب أن نُصلِّي. إنه سبب كافٍ أن الرب إله الكون، خالق وضابط كل شيء، يأمر بها. ومع ذلك، فهو لا يأمرنا بالصلاة فحسب، بل يدعونا أيضًا إلى إعلان طلباتنا. يقول يعقوب: "لَسْتُمْ تَمْتَلِكُونَ، لأَنَّكُمْ لاَ تَطْلُبُونَ" (يعقوب 4: 2). كما يخبرنا أيضًا: "طَلِبَةُ الْبَارِّ تَقْتَدِرُ كَثِيرًا فِي فِعْلِهَا" (يعقوب 5: 16). يقول الكتاب المقدس مرارًا وتكرارًا إن الصلاة أداة فعَّالة. إنها نافعة؛ وهي تعمل.

يقدم جون كالفن، في كتابه "أسس الدين المسيحي"، بعض الملاحظات العميقة عن الصلاة:

لكن رُبَّ قائل: ألا يعلم الله، حتى دون أن نذكِّره، ما يضايقنا وما هو الأفضل لنا بحيث يبدو ليس ضروريًّا أن نزعجه بصلواتنا كما لو كان نائمًا أو لو كانت عيناه ناعستين فنوقظه بأصواتنا؟ أما مَن يفكرون بهذه الطريقة فلا يلاحظون ماذا كانت غاية الرب من تعليمه شعبه أن يُصلُّوا، فأنه لم يُعيِّن الصلاة لفائدته هو بل لمصلحتنا نحن. وهو الآن يشاء —كما يحق له— أن يُوفَى حقه كما يجب، إقرارًا من الإنسان بأن كل ما يرغبه الإنسان ويحسبه مفيدًا له يأتي من عند الله، وأن في أداء الصلاة شهادةً لذلك. ولكن فائدة هذه التقدمة التي بها نُقدِّم عبادتنا الله تعود علينا. لهذا اهتم الآباء القديسون بالصلاة بأكثر حماسةً كلما ازداد تعظيمهم بثقةٍ أكثر لإحسانات الله لذواتهم وللآخرين...

يلزمنا مع ذلك أن ندعو إليه: أولًا، لكي تُضطرَم قلوبنا بالغيرة والرغبة المفعمة لنطلب وجهه دائمًا، ولنحبه، ولنخدمه، فيما نتعوَّد أن نلوذ إليه عند كل احتياج كما لمرساة مُقدَّسة. وثانيًا، حتى لا تتسرَّب إلى قلوبنا أي رغبة تُخجلنا من أن نجعله شاهدًا، فيما نحن نتعلَّم أن نطرح كل رغباتنا أمام عينه، بل أن نسكب عنده قلوبنا بكليتها. وثالثًا، لكي نكون مستعدِّين أن نستقبل إحساناته بامتنان قلبي وشكر حقيقي، التي تذكرنا الصلاة أنها تأتي من يديه. (كالفن، أسس الدين المسيحي، [لويزفيل: وستمنستر جون نوكس، 1960]، الكتاب 3، الفصل 20، المقطع 3.)

الصلاة، مثل كل شيء آخر في الحياة المسيحيَّة، هي لمجد الله ولمنفعتنا، بهذا الترتيب. فكل ما يفعله الله، وكل ما يسمح به الله ويُعيِّنه، هو بالمعنى الأسمى لمجده. وصحيح أيضًا أنه في حين أن الله يطلب مجده بشكل خاص، فإن الإنسان ينتفع عندما يتمجَّد الله. نحن نصلِّي لتمجيد الله، ولكننا نصلِّي من أجل الحصول على بركات الصلاة من يده. إن الصلاة هي لمنفعتنا، حتى في ضوء حقيقة أن الله يعلم النهاية منذ البداية. إنه لامتياز لنا أن نكرِّس كل وجودنا المحدود لمجد حضوره غير المحدود.

كان أحد الموضوعات الكبرى للإصلاح فكرة أن الحياة كلها يجب أن تُعاش تحت سلطان الله، ولمجد الله، وفي محضر الله. إن الصلاة ليست مناجاة للنفس، أو مجرد تدريب في التحليل النفسي العلاجي، أو تلاوة دينيَّة. إن الصلاة هي حوار مع شخص الله نفسه. هناك في فعل وديناميكيَّة الصلاة، أضع حياتي كلها أمامه ليفحصها. نعم، إنه يعرف ما يدور في ذهني، ولكن ما زال لديَّ امتياز التعبير له عمَّا هو موجود. فهو يقول: "تعال. تحدَّث إليَّ. اجعل طلباتك معروفة لديَّ". لذلك نحن نأتي لنعرفه ونُعرَف منه.

هناك شيء خاطئ في السؤال: "إن كان الله يعلم كل شيء فلماذا نُصلِّي؟" يفترض السؤال أن الصلاة ذات بُعد واحد وتُعرَّف ببساطة على أنها دعاء أو توسل. على العكس، الصلاة مُتعدِّدة الأبعاد. لا تلقي سيادة الله بظلالها على صلاة العبادة. إن معرفة الله المُسبَقة أو مشورته المحتومة لا تُبطل صلاة التسبيح. فالشيء الوحيد الذي يجب أن تفعله الصلاة هو أن تعطينا سببًا أكبر للتعبير عن إجلالنا لطبيعة الله. إذا كان الله يعلم ما سأقوله قبل أن أقوله، فإن معرفته، بدلًا من تقييد صلاتي، تعزِّز جمال تسبيحي.

أنا وزوجتي على مقربة جدًا، أقرب ما يمكن أن يكون لأي شخصين. غالبًا ما أعرف ما ستقوله تقريبًا قبل أن تقوله. والعكس صحيح أيضًا. ولكن ما زلت أحب سماعها وهي تقول ما يدور في ذهنها. إذا كان هذا صحيحًا عن الإنسان، فما مدى صحته بالنسبة لله؟ لدينا امتياز لا مثيل له لمشاركة أفكارنا العميقة مع الله. بالطبع، يمكننا ببساطة أن ندخل مخدع الصلاة، وأن نترك الله يقرأ ما في عقولنا، وندعو ذلك صلاة. لكن هذا ليس شركة وبالتأكيد ليس تواصل معه.

نحن مخلوقات نتواصل في المقام الأول من خلال الكلام. من الواضح أن الصلاة المنطوقة هي شكل من أشكال الكلام، وهي وسيلة لنا لتكون لنا شركة مع الله ونتواصل معه. من جانب معين يجب أن تؤثر سيادة الله على موقفنا من الصلاة، على الأقل فيما يتعلَّق بالعبادة. على الأقل، إن فهمنا لسيادة الله يجب أن يدفعنا على حياة صلاة الشكر المكثَّفة. بسبب هذه المعرفة، يجب أن نرى أن كل بركة، وكل عطية صالحة وكاملة، هي تعبير عن وفرة نعمته. فكلما فهمنا سيادة الله، امتلأت صلواتنا بالشكر.

بأي طريقة يمكن لسيادة الله أن تؤثِّر سلبًا على صلاة التوبة والاعتراف؟ ربما قد نستنتج أن خطيتنا هي في نهاية المطاف مسؤوليَّة الله وأن اعترافنا هو اتهام بالذنب ضد الله نفسه. يعلم كل مسيحي حقيقي أنه لا يستطيع لوم الله على خطيته. قد لا أفهم العلاقة بين السيادة الإلهيَّة والمسؤوليَّة البشريَّة، لكنني أدرك أن ما ينبع من شر قلبي لا يُمكن أن يُنسَب إلى إرادة الله. لذلك يجب أن نُصلِّي لأننا مذنبون، ننشد العفو من لدن القدُّوس الذي أساءنا إليه.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

أر. سي. سبرول
أر. سي. سبرول
الدكتور أر. سي. سبرول هو مؤسِّس هيئة خدمات ليجونير، وكان أحد رعاة كنيسة القديس أندرو (St. Andrews Chapel) في مدينة سانفورد بولاية فلوريدا، كما كان أول رئيس لكليَّة الكتاب المقدَّس للإصلاح (Reformation Bible College). وهو ألَّف أكثر من مائة كتاب، بما في ذلك بما في ذلك "كلُّنا لاهوتيُّون" (Everyone’s A Theologian).