شعور زائف باليقين
۱٤ أبريل ۲۰۲۰
مساعدة عملية لدراسة الكتاب المقدس
۲۰ أبريل ۲۰۲۰

ماذا كان قبل الله؟

قد يُجادل الناس أنه إن كانت لكل نتيجة سبب، فيجب أن يكون لله سبب. ولذلك قد يسألون، ماذا كان موجود قبل الله؟ لكن الله الأزلي ليس نتيجة. لم يكن هناك أبدًا وقت لم يكن فيه الله موجودًا. إن وجود الله غير مستمد من شيء خارج نفسه، ولا يعتمد على أي شيء خارج نفسه. لا شيء يُميِّز الله عن المخلوق بشكل أكثر شدَّة من هذا، لأن المخلوق، بحكم تعريفه، يعتمد على غيره، ومتغيِّر، ويستمد وجوده من آخر ويفتقر إلى قوة الوجود في ذاته ومن ذاته. لكن الله لا يعتمد على شيء لوجوده؛ فهو موجود منذ الأزل وإلى الأبد (سرمدي).

تسير السرمديَّة في الاتجاه الآخر أيضًا. لن يكون هناك وقت في المستقبل سيتوقَّف فيه الله عن الوجود. فوجوده يبقى قائمًا بذاته إلى الأبد. إن كان هناك شيء موجود، فقد كان هناك شيء موجود دائمًا. إن لم يكن هناك أي شيء على الإطلاق، فلا شيء يمكن أن يكون موجود الآن، لأنه لا يمكن الحصول على شيء من لا شيء. على العكس من ذلك، إذا تواجد شيء الآن، فهذا يدُل في حد ذاته على أنه كان هناك شيء ما دائمًا. وما هو موجود فهو موجود دائمًا في ذاته ومن ذاته. هذا هو الشخص الذي لديه القدرة على الوجود من ذاته، أي الله الحي. لذا فإن سرمديته هي صفة أخرى يجب أن تحث نفوسنا على العبادة والتسبيح: فنحن مخلوقون بواسطة مَن لديه القوة للوجود في ذاته من الأزل وإلى الأبد. تخيل عظمة كائن كهذا.

إن سرمديته، ربما أكثر من أي شيء آخر، تُميِّز الله عنا. فقداسته لا تشير إلى طهارته فحسب، بل أيضًا إلى اختلافه أو سموه، بمعنى أنه يختلف عنَّا. الشيء المشترك بيننا نحن البشر هو أننا مخلوقات، بطبيعتها زمنيَّة. في نهاية حياة الشخص، عندما يُدفن، يتم وضع علامة على قبره منقوش عليها اسمه وتواريخ ولادته ووفاته. نحن نعيش على هذه الأرض بين هذين التاريخين: الميلاد والموت. لا توجد مثل هذه التواريخ لله. فهو غير محدود ليس فقط فيما يتعلَّق بالمكان بل أيضًا بالزمان. لم يكن هناك وقت لم يتواجد فيه الله. إنه موجود من الأزل إلى الأبد. ترتبط سرمديَّة الله ارتباطًا وثيقًا بوجوده الذاتي، أي ذاتيَّة وجوده (seitya). ومع ذلك، فإن مصطلح "ذاتيَّة الوجود" غائب عمليًّا عن مفردات المسيحي العادي. إن المقصود بذاتيَّة الوجود هو "الكيان أو الوجود من الذات".

أوضح عالم الرياضيات والفيلسوف برتراند راسل (Bertrand Russell)، في كتابه "لماذا أنا لست مسيحيًّا" أسباب عدم إيمانه. فحتى سن المراهقة، كان راسل مقتنعًا بأنه يجب أن يكون هناك إله لشرح وجود الكون. ثم قرأ كتابات جون ستيوارت ميل (John Stuart Mill)، الذي اعترض على الحجة الكونيَّة التقليديَّة لوجود الله، والتي تُرجع سبب وجود الأشياء الموجودة الآن الي العلَّة الأولى. يعتمد هذا المنطق على قانون السببيَّة، الذي ينص على أن كل نتيجة يجب أن يكون لها سبب سابق أو علَّة سابقة. أكَّد ميل أنه إن كان يجب أن يكون هناك علَّة سابقة لكل شيء، فإن الله نفسه يجب أن يكون له علَّة سابقة. ولكن إذا كان لله علَّة سابقة، فهو إذن مخلوق مثل أي شخص آخر. عندما قرأ راسل هذا في أواخر سن المراهقة، قرَّر أن الحجة الكلاسيكيَّة لوجود الله هي خاطئة. أبقى راسل على هذا الرأي حتى وفاته، وفشل في إدراك أن رأيه قد بُني على تعريف خاطئ لقانون السببيَّة.

يُعلِّم قانون السببيَّة أن كل نتيجة يجب أن يكون لها سبب، وليس أن كل شيء يجب أن يكون له سبب. فالنتائج، بحكم تعريفها، ناتجة عن شيء خارج نفسها. ومع ذلك، لا يجب أن نفترض أن كل شيء هو نتيجة —زمنيَّة، محدودة، مشروطة، ومعتمدة على غيرها. فلا يوجد شيء غير عقلاني حول فكرة الوجود الذاتي، الكيان الأزلي الذي لديه قوة الوجود داخل نفسه. في الواقع، مثل هذا المفهوم ليس فقط ممكنًا منطقيًّا ولكن (كما أوضح توما الأكويني) ضروريًّا منطقيًّا. لكي يُوجد أي شيء، فلابد لشيء ما، في مكان ما، بطريقة ما، أن يكون لديه قوة الوجود، لأنه بدون قوة الوجود، لا شيء يمكن أن يكون. إن مَن له قوة الوجود في ذاته، ولا يعتمد على أي شيء خارج نفسه، بالتأكيد له قوة الوجود بشكل سرمدي. هذا ما يُميِّز الله عنَّا. نتذكَّر الجملة الأولى من العهد القديم: "فِي الْبَدْءِ خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ" (تكوين 1: 1). كل شيء في الكون، باستثناء الله، هو مخلوق. كل شيء في الخليقة —في الكون— له بداية زمنيَّة. الله وحده هو من الأزل وإلى الأبد يمتلك صفة السرمديَّة. يتجاوز تمامًا هذا الجانب المهيب من طبيعة الله أي شيء نتخيَّله في هذا العالم بحيث يجب أن يكون وحده كافيًا لدفع نفوسنا لتسبيحه وعبادته. فالله وحده لديه قوة الوجود في ذاته وبذاته. إننا لا نفكر في هذه الأمور في كثير من الأحيان بما فيه الكفاية. إذا فكرنا في كائن أزلي، وهو مصدر القوة لكل شيء آخر موجود، بما في ذلك أنفسنا، فيجب أن نندفع نحو عبادته.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

أر. سي. سبرول
أر. سي. سبرول
الدكتور أر. سي. سبرول هو مؤسِّس هيئة خدمات ليجونير، وكان أحد رعاة كنيسة القديس أندرو (St. Andrews Chapel) في مدينة سانفورد بولاية فلوريدا، كما كان أول رئيس لكليَّة الكتاب المقدَّس للإصلاح (Reformation Bible College). وهو مؤلِّف أكثر من مائة كتاب، بما في ذلك بما في ذلك "كلُّنا لاهوتيُّون" (Everyone’s A Theologian).