عقيدة الاحتساب: بيان هيئة ليجونير عن الكريستولوجي (شخص وعمل المسيح)
۹ سبتمبر ۲۰۱۹
ما هو يوم الإصلاح؟
۷ أكتوبر ۲۰۱۹

هل هناك درجات من الخطية؟

لطالما علّمت كلا من الكاثوليكيَّة والبروتستانتيَّة، تاريخيًّا، أن هناك درجات من الخطية.  وتميّز الكنيسة الكاثوليكيَّة بين الخطية المميتة والخطية العَرَضيَّة. والمقصود من هذا التمييز أن بعض الخطايا هي من البشاعة، والشناعة، والخطورة لدرجة أن ارتكابها بالفعل هو أمر مميت بمعنى أنه يقتل نعمة التبرير التي تسكن في نفس المؤمن. وفي فكرهم اللاهوتي، ليست كل الخطايا مهلكة إلى هذه الدرجة، بل بعض الخطايا الحقيقيَّة هي خطايا عرضيَّة. هذه أقل خطورة من جهة عواقبها، ولا تملك القدرة على قتل التبرير مثل الخطايا المميتة.

يرفض العديد من البروتستانت الإنجيليين فكرة درجات الخطية لأنهم يعرفون أن الإصلاح البروتستانتي رفض التمييز الكاثوليكي في روما بين الخطية المميتة والخطية العرضيَّة. وكانت النتيجة أنهم استنتجوا متسرعين أنه لا يوجد تمييز بين الخطايا في البروتستانتيَّة.

يجب أن نرجع إلى آراء المصلحين أنفسهم. لقد كان جون كالفن ناقدًا صريحًا لكنيسة روما الكاثوليكيَّة ولتمييزها بين الخطية المميتة والعرضيَّة. وقد قال كالفن أن كل الخطايا مميتة بمعنى أنها تستوجب الموت. تُذكّرنا رسالة يعقوب أنّ "مَنْ حَفِظَ كُلَّ النَّامُوسِ، وَإِنَّمَا عَثَرَ فِي وَاحِدَةٍ، فَقَدْ صَارَ مُجْرِمًا فِي الْكُلِّ" (يعقوب ٢: ١٠). فحتى أصغر الخطايا هي خيانة شديدة الضخامة. وعلى بالرغم من أننا نخفق في تقدير مدى خطورة أفعالنا، إلا أن هذه هي الحقيقة.

عندما أخطئ فإنني أضعُ إرادتي فوق إرادة الله القدير. ضمنيًّا، أقول إنني في الحقيقة أكثر ذكاءً، وحكمةً، وبرًا، وقدرةً من الله نفسه. وقد قال كالفن أن كل خطية مميتة بمعنى أن لله الحق في إهلاك كل واحد منا لأصغر خطية ارتكبناها. وفي الحقيقة، فإن الله قد أعلن عقوبة الخطية يوم خلق الإنسان: "وَأَمَّا شَجَرَةُ مَعْرِفَةِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ فَلاَ تَأْكُلْ مِنْهَا، لأَنَّكَ يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا تَمُوتُ" (تكوين ٢: ١٧). إلا أن الله لا يتعامل معنا دائمًا بحسب عدله. بل يتعامل معنا بحسب نعمته، فيسمح لنا أن نحيا، ويعمل لأجل فدائنا. وقد قال كالفن أن كل الخطايا مميتة بمعنى أننا نستحق الموت بسببها لكن لا توجد خطية مميتة بمعنى أنها تُميت النعمة التي تخلِّصنا. صحيح أننا نحتاج أن نتوب، إلا أن الخطية لا تُميت النعمة التي تبرِّر والتي يمنحها لنا الروح القدس. وقد أكَّد كالفن وكل المصلحين بشدة أن هناك فرقًا بين الخطايا الأقل وبين ما أسموه الخطايا الجسيمة أو الشنيعة.

ومن المهم أن يفهم المسيحيون هذا الفرق حتى نتعلَّم أن نظهر النعمة نحو بعضنا البعض. ويمكن لخطية التفاهة — أي التركيز على الخطايا الصغيرة في المجتمع — أن تمزِّق جسد المسيح. ويحدث الكثير من الضرر عندما نسكب على نارها وقود النميمة والمذمة. نحن مدعوون لطول الأناة واحتمال فشل المسيحيين الآخرين في صراعاتهم مع الخطية. هذا لا يعني أننا مدعوون للتساهل مع الخطية، لأن هناك خطايا معينة مذكورة في العهد الجديد تُعد خطيرة ولا ينبغي السماح بها في الكنيسة. الزني خطير. وزنا المحارم يتطلَّب التأديب الكنسي. والسُّكر، والقتل، والفسق مذكورين مرارًا. هذه الخطايا مُهلِكة لدرجة أنها تتطلَّب التأديب الكنسي حينما تحدث.

حينما نتمعَّن في تحذيرات الكتاب المقدس يصبح من الواضح أن هناك درجات من الخطية. هناك على الأقل ٢٢ إشارة في العهد الجديد لدرجات من المكافآت التي ستُعطَى للقديسين في السماء. هناك مستويات مختلفة، ومكافآت مختلفة، وأدوار مختلفة في السماء. ويحذِّرنا الكتاب المقدس من أن نزيد من شدة دينونتنا. قال الرب يسوع لبيلاطس: "الَّذِي أَسْلَمَنِي إِلَيْكَ لَهُ خَطِيَّةٌ أَعْظَمُ" (يوحنا ١٩: ١١). فالرب يسوع يقيس ويقيّم الذنوب، ومع تعاظم الذنب وتعاظم المسؤوليَّة تتعاظم الدينونة. هذا النمط من التفكير متغلل في كل العهد الجديد.

إن فكرة تدرّج الخطية والمجازاة مبنية على عدالة الله. إن ارتكبتُ ضعف ما ارتكبه شخص آخَر من خطايا، فالعدل يقتضي أن تتناسب العقوبة مع الجريمة. وإن كنتُ على درجة من الفضيلة ضِعفَ ما لشخص آخَر، فالعدل يقتضي أن أنال مكافأة أكبر. يقول لنا الله أن دخول السماء سيكون فقط بناء على استحقاق المسيح، ولكن بمجرد دخولنا السماء فالمكافآت ستُعطى بحسب الأعمال. فهؤلاء الذين كانوا مُكثرين من الأعمال الحسنة سيأخذون مكافأة كثيرة. أما مَن كانوا مقصرين ومهملين من جهة الأعمال الحسنة فستكون مكافأتهم قليلة في السماء. وبنفس المنطق، فإن منَ كانوا شديدي العداوة لله سيُعانون عذابًا شديدًا في جهنم. ومَن كانوا أقل عداءً سينالون عقابًا أقل من يد الله. إن عدل الله عدل تام، وعندما يدين فهو سيأخذ في حسابه كل العوامل المخففة. قال الرب يسوع: "وَلكِنْ أَقُولُ لَكُمْ: إِنَّ كُلَّ كَلِمَةٍ بَطَّالَةٍ يَتَكَلَّمُ بِهَا النَّاسُ سَوْفَ يُعْطُونَ عَنْهَا حِسَابًا يَوْمَ الدِّينِ" (متى ١٢: ٣٦).

لماذا يهمنا التركيز على هذه الفكرة؟ تكلَّمت مرات كثيرة مع رجال يصارعون مع الشهوة ويقولون لأنفسهم، أو يقولون لي: "بما أني مذنب بخطية الشهوة، فلا فرق إذًا لو ارتكبت خطية الزنا فعليًّا. فأنا بالفعل في أسوأ حال في نظر الله، فلا فرق لو ارتكبتها بالفعل". ودائمًا أجيب: "بل يمكنك أن تكون في حال أسوأ بكثير". إن دينونة الزنا الفعلي ستكون أشد بكثير من دينونة الشهوة. هذه هي الطريقة التي سيتعامل بها الله معنا، ومن الحماقة أن يقول مَن ارتكب جُنحة "بما أنني مذنب بالفعل، فلا مانع من أن أجعلها جناية". إن الله ينهانا عن أن نفكر بهذه الطريقة. وإن فعلنا فإننا سنواجه دينونة الله العادلة. ولا بد لنا أن نضع هذا الأمر نصب أعيننا في سعينا لبناء ضمير مسيحي وشخصيَّة مسيحيَّة.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

أر. سي. سبرول
أر. سي. سبرول
الدكتور أر. سي. سبرول هو مؤسس هيئة خدمات ليجونير، وكان أحد رعاة كنيسة القديس أندرو في مدينة سانفورد بولاية فلوريدا، كما كان أول رئيس لكلية الكتاب المقدس للإصلاح. وهو مؤلف أكثر من مائة كتاب، بما في ذلك "قداسة الله" (The Holiness of God).