ما نحتفل به في عيد الميلاد

ما نحتفل به في عيد الميلاد ليس هو ولادة طفل، بقدر أهمية هذا الأمر، ولكن المهم للغاية في ولادة هذا الطفل تحديدًا هو أننا نجد في هذه الولادة تجسُّد الله نفسه. يعني التجسُّد المجيء بالجسد. نعلم كيف بدأ يوحنا إنجيله، "فِي الْبَدْءِ كَانَ الْكَلِمَةُ، وَالْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ". لذلك في هذا البيان الاستهلالي المعقد للغاية، يميِّز يوحنا بين الكلمة والله، ثم في الحال يطابق الاثنين، "الْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ اللهِ، وَكَانَ الْكَلِمَةُ اللهَ". ثم في نهاية المقدمة، يقول: "وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَدًا وَحَلَّ بَيْنَنَا". في هذا "التجسُّد" وظهور المسيح على هذا الكوكب، ليس الأمر أن الله قد تغيَّر فجأة من خلال تحوُّل شكلي إلى إنسان، بحيث توقَّفت الطبيعة الإلهيَّة نوعًا ما عن الوجود أو تحوَّلت إلى شكل جسدي جديد. لا، التجسد ليس انتقاص بقدر ما هو إضافة، حيث أتَّخذ الأقنوم الثاني الأزلي في الثالوث طبيعة بشريَّة وضمَّ طبيعته الإلهيَّة لتلك الطبيعة البشريَّة لغرض الفداء.

في القرن التاسع عشر، طرح علماء ليبراليون عقيدة تُدعى نظرية الإخلاء عن التجسُّد، وربما سمعت عنها، الفكرة هي أنه عندما جاء الرب يسوع إلى هذه الأرض، وضع جانبًا صفاته الإلهيَّة حتى أن الله المتجسِّد، على الأقل فيما يختص بألوهيته، لم يعد لديه الصفات الإلهيَّة من العلم الكلي، والقدرة الكليَّة، وغيرها. لكن بالطبع، هذا يتناقض تمامًا مع الطبيعة الإلهيَّة لله، الذي لا يتغير. حتى في التجسُّد، لم تفقد الطبيعة الإلهيَّة صفاته الإلهيَّة. وهو لم ينقلها إلى الطبيعة البشريَّة. كما لم يؤلِّه الطبيعة البشريَّة، لكن في سر الاتحاد بين الطبيعة الإلهيَّة والطبيعة البشريَّة للرب يسوع، فإن الطبيعة البشريَّة هي بشريَّة حقًا. فهي ليست كليَّة العلم، وليست كليَّة القدرة. هي ليست أي شيء من هذه الأشياء. لكن في الوقت نفسه، تظل الطبيعة الإلهيَّة إلهيَّة تمامًا وبشكل كامل. قال ب. ب. وارفيلد، عالم اللاهوت العظيم بكلية برنستون للاهوت، في تعليقه على نظرية الإخلاء في أيامه، "الإخلاء الوحيد الذي تثبته هذه النظرية هو إخلاء عقول اللاهوتيين الذين يروِّجونها"، فقد أخلوا أنفسهم من المنطق السليم.

لكن على أي حال، ما تم إخلاءه هو المجد، والامتياز، والتمجيد. جعل الرب يسوع نفسه بالتجسد بلا شهرة. فقد سمح لمكانته الإلهيَّة المُمجَّدة أن تتعرَّض لعداء البشر والنقد والإنكار البشري. "آخِذًا صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِرًا فِي شِبْهِ النَّاسِ". هذا أمر مدهش أنه لم يأتِ كإنسان فحسب، بل أتى كعبد. فقد جاء في مكانة لم تحمل معها أي تمجيد، أو كرامة، بل فقط الإهانة. "وَإِذْ وُجِدَ فِي الْهَيْئَةِ كَإِنْسَانٍ، وَضَعَ نَفْسَهُ وَأَطَاعَ حَتَّى الْمَوْتَ"، موت الصليب المهين.