صار يسوع لعنة من أجلنا
۲۰ أبريل ۲۰۱۹
السَمَاوَات الجَدِيدَة وَالأَرْض الجَدِيدَة
۲۳ أبريل ۲۰۱۹

طاعة المسيح المزدوجة

يتحدث علماء اللاهوت في الكثير من الأحيان عن الطاعة الفاعلة والطاعة الخاضعة للمسيح. تتمثّل طاعته الفاعلة في حفظه الكامل لناموس الله عبر حياته. وتتمثّل طاعته الخاضعة في استقباله طواعية عقاب كسر الخطاة للناموس. كلاهما يتم احتسابهما للخطاة الذين يثقون في المسيح، فيُروا على أنهم كاملي البر في المسيح وبدون أي عقوبة على كسر الناموس (انظر إقرار إيمان وستمنستر 11). إن تسمية "الطاعة الخاضعة" خاطئة إلى حد ما، لأن تحمّل المسيح لعقاب الخطية كان تحملاّ فاعلاً.

إن النص الذي يؤكد بقوة على الحسبان القاطع لبر المسيح هو 1 كورنثوس 1: 30: "وَبِفَضْلِ اللهِ صَارَ لَكُمْ مَقَامٌ فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ الَّذِي جُعِلَ لَنَا حِكْمَةً مِنَ اللهِ وَبِرّاً وَقَدَاسَةً وَفِدَاءً" (ترجمة كتاب الحياة). إن اتحاد المؤمنين بالمسيح يعني أنه "فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ" يُعتبر أن لدينا نفس "الحكمة... والبر... والقداسة... والفداء" الكاملين التي يمتلكها المسيح. لا يعني هذا أننا نمتلك هذه الصفات في وجودنا الشخصي على الأرض. ولكن يمثلنا المسيح على أننا نصبح هذه الأمور بسبب اتحادنا به (أي أننا "فِي الْمَسِيحِ"). يشير التعبير "لَنَا" إلى مكاننا "في الْمَسِيحِ يَسُوعَ" ومشاركتنا في صفاته.

يعترض البعض على هذا الاستنتاج لأنه يبدو من الصعب فهم كيف أن المسيح شخصيًا تم "فداءه" بنفس الطريقة التي "يُفتدى" بها المؤمنين. وبالتالي، يزعم البعض أنه لا يجب أن تكون الإشارة إلى "الحكمة"، و"البر" و"القداسة" بطريقة تمثيليّة. بل تشير الآية    فقط إلى أن المؤمنين يصبحون حكماء، ومقدسين، وأبرارًا ومفديين من خلال المسيح، وتكون الصفات الثلاثة الأولى صفات إلهية يجب أن تميز حياة المسيحيين بشكل متزايد.

لكن دراسة بسيطة للكلمة تحل هذه المشكلة. إن الكلمة التي تُرجمت "فداء" تُستخدم في بعض الأحيان في الترجمة اليونانية للعهد القديم لتشير إلى العتق من الخطية ولكنها تُستخدم بشكل أكبر لتشير إلى التحرير من الظلم القاسي. في ضوء ذلك، يبدو أن الاستخدام الطبيعي لكلمة "فداء" في 1 كورنثوس 1: 30 هو للإشارة إلى التحرير من الظلم، خاصة فيما يتعلّق بالمسيح. فإنها تشير إلى عتقه من الموت وتحريره من قيود قوى الشيطان بالقيامة.

يعزز الجزء الأول من الآية مفهوم أنه يتم تمثيل المسيحيين بصفات المسيح هذه: لأنه "بِفَضْلِ" الله نحن "فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ"، ولأننا "فيه"، فإننا نشترك في صفاته التي بلا عيب بحكم مقامنا فيه. لذا لا ينبغي أن نفتخر بقدراتنا الشخصية (الآيات 29، 31) ولكن بالمزايا الناتجة عن كون المسيح ممثلاً عنا.

وبالتالي، فإن 1 كورنثوس 1: 30 تدعم فكرة أن المؤمنين ممثلين ببر المسيح الكامل وأنهم، بحكم مقامهم، أبرارًا تمامًا مثله (انظر رومية 5: 15-19، فيلبي 3: 9). في 2 كورنثوس 5: 21، يكتب بولس: "لأَنَّهُ جَعَلَ الَّذِي لَمْ يَعْرِفْ خَطِيَّةً، خَطِيَّةً لأَجْلِنَا، لِنَصِيرَ نَحْنُ بِرَّ اللهِ فِيهِ". يؤكد بولس أن المسيح أخذ ذنبًا غريبًا عنه واحتمل عقابًا لم يكن يستحقه هو شخصيًا لكي يصير الخطاة الذين احتمل المسيح العقاب من أجلهم "بِرَّ اللهِ فِيهِ [المسيح]". هذا معناه أن الله يرانا على أننا "غير مذنبين" وغير مستحقين العقاب بالرغم من أننا قد ارتكبنا الخطية. لكن معنى أننا أصبحنا "بر الله" يعني أيضًا أن نشترك في "بر الله" ليس فقط في ذبيحة الموت التي قدمها المسيح ولكن تحديدّا في المسيح المقام، بحيث يُحتسب لنا جانب ايجابي من بر المسيح.

تقدم الآية في تكوين 1: 28 وتكراراتها عبر العهد القديم خلفية هامة لفهم عمل التبرير الذي قام به المسيح فيما يتعلّق بطاعته الفاعلة. يشمل التكليف الموجود في التكوين 1: 26-28 على الجوانب التالية: (1) "بَارَكَهُمُ اللهُ"؛ (2) "أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا"؛ (3) "امْلأُوا الأَرْضَ"؛ (4) "أَخْضِعُوهَا [الأرض]"؛ (5) "تَسَلَّطُوا عَلَى [كل] الأَرْضِ". إن خلق الله لآدم "عَلَى صُورَتِهِ" و"كشبهه" هو ما سيمكن آدم من تنفيذ الأجزاء المختلفة من التكليف. كحامل لصورة الله، كان على آدم أن يعكس شخصية الله، مما يشمل انعكاس المجد الإلهي. بالإضافة لتحريم الأكل من شجرة معرفة الخير والشر (تكوين 2: 16-17)، فإن جوهر التكليف كان في إخضاع الأرض والتسلّط عليها وملأها بمجد الله، خاصة عن طريق إنتاج ذرية تحمل الصورة الإلهية المجيدة. إن كان آدم قد أطاع تكليفه، كان سينال البركات المتصاعدة لنهاية الأزمنة، جوهرها هو حياة جسدية وروحية غير قابلة للفساد وأبدية ولا رجعة فيها، والتي كان سيحياها في كون غير قابل للفساد حرًا من أي تهديد شرير أو خاطئ.

إلا أن آدم عصى التكليف بعدم طاعة كلمة الله وعدم التسلّط على الخليقة بالطريقة التي كان يجب عليه، سامحًا للحية أن تدخل وتفسده هو وزوجته (تكوين 3، انظر 2: 16-17). ولكن لم تُنقض التكليف المُعطى لآدم. فالعديد من النصوص الكتابية تشير إلى أن التكليف الذي أُعطي إلى آدم انتقل إلى شخصيات أخرى شبيهة بآدم مثل، نوح، والآباء، وإسرائيل العهد القديم. ومع ذلك، فقد فشلوا جميعًا في تحقيق التكليف. بدءًا من الآباء، اندمج التكليف المتكرر المُعطى لآدم مع الوعد "بنسل" "سيبارك" الأمم. مما يوحي أن التكليف سيتحقق في النهاية عن طريق "النسل".

إن تكرارات التكليف المعطى في تكوين 1 بدءًا بإبراهيم مذكورة إما كوعد بعمل ما إيجابي وفاعل سيتحقق، أو بوصية ما سينتج عنها طاعة عاملة. إن كل من تكرارات التكليف سواء في صورة وعد أو وصية يتعلق بالدخول الانتصاري "للنسل"، وامتلاكه (أو أخذ ميراثه)، وتضاعفه وتزايده، وانتشاره. في ضوء ذلك، سيكون من الغريب ألا يشير العهد الجديد على الإطلاق إلى يسوع باعتباره آدم الأخير بنفس الطريقة الفاعلة. في الواقع، يرى العهد الجديد خضوع المسيح للموت على الصليب كجزء من طاعته لتكليف آدم (انظر رومية 5: 12-17؛ فليبي 2: 5-11؛ عبرانيين 2: 6-10). لم يحقق يسوع ما كان يجب على آدم الأول أن يحققه فحسب، ولكنه أصبح مطيعًا حتى الموت، مما أدى إلى نصرته من خلال القيامة والتمجيد.

يشير بولس إلى ما يُسمى بالطاعة الخاضعة للمسيح في الموت أكثر مما يشير إلى طاعته الفاعلة في خلاص الناس. ومع ذلك، توجد نصوص تُصور يسوع كآدم الأخير بدون الإشارة إلى موته ولكن إلى قيامه بما كان يجب على آدم أن يقوم به. تجربة المسيح في البرية (متى 4؛ لوقا 4) هي مثال لذلك. هناك قام المسيح بدور كل من آدم الأخير وإسرائيل الحقيقي (أي آدم الجماعي) الذي أطاع في نفس المراحل ذاتها التي عصى فيها آدم الأول وإسرائيل الأول.

وبالمثل، يصور بولس المسيح باعتباره آدم الأخير الذي أخذ المكانة المنتصرة ومكافأة المُلك المجيد الذي لا يفسد كنتيجة لكونه قد حقق كل شروط الطاعة التي كانت مطلوبة من آدم الأول، خاصة الامتلاك والدخول الانتصاري. في 1 كورنثوس 15: 27 وأفسس 1: 22، يؤكد بولس أن المسيح قد حقق النموذج المثالي لمزمور 8: 6 والذي كان يجب على آدم الأول أن يحققه: "جَعَلْتَ [يا الله] كُلَّ شَيْءٍ تَحْتَ قَدَمَيْهِ"، مما يعني أن المسيح نفسه كآدم الأخير له "بِحَسَبِ عَمَلِ اسْتِطَاعَتِهِ أَنْ يُخْضِعَ لِنَفْسِهِ كُلَّ شَيْءٍ" (فليبي 3: 21). تشير 1 كورنثوس 15: 45 بوضوح إلى المسيح على أنه "آدم الأخير" الذي حقق البركة السامية لعدم الفساد والتي لم يحصل عليها آدم الأول. علاوة على ذلك، ترى 1 كورنثوس وأفسس المؤمنين إما في ضوء أن كل الأشياء خاضعة للمسيح (أفسس 2: 5-6) أو في ضوء كونه يملك البركات التي لا تفسد (1 كورنثوس 15: 49-57؛ انظر أيضًا عبرانيين 2: 6-17).

فهم بولس أن المسيح تمّم التكليف الآدمي المذكور في مزمور 8. يعني هذا أن المسيح بشكل كامل تسلّط، وأخضع، وضاعف النسل الروحي (بالرغم من أن هذا العنصر غائب في مزمور 8)، وملء الأرض بمجد الله بالمقدار الذي يمكن لشخص واحد أن يقوم به في حياته. هذا مفهوم لآخر الأيام قد تأسس، إذ أن طاعة المسيح الأمينة بصفته آدم الأخير أدت إلى المكافأة الأبدية بأنه أصبح بكر الخليقة الجديدة غير القابلة للفساد وملك هذه الخليقة. بعبارة أخرى، إن جسد المسيح المقام من الأموات كان بداية الخليقة الجديدة لآخر الأيام وحكمه المطيع في هذه الخليقة الجديدة. وكما يرتبط المؤمنون بمقام المسيح في القيامة والتمجيد الملكي في السماء، فهم يرتبطون أيضًا بمكافأته في المُلك المجيد وطاعته الأمينة التي لا تزال تُميّز هذا المُلك. إن مُلك المسيح المُقام من الأموات والمجيد ومكانته كآدم المطيع يمثل بزوغ الخليقة الجديدة المستقبلية في العصر الحالي. هذه ليست خليقة جديدة مُكمّلة، إذ أن المؤمنون في العصر الحالي ليسوا بعد ملوكًا مطعين بالكامل، ولم يختبروا المكافأة المُكتملة للقيامة الكاملة. ومع ذلك، نحن متحدين بالمسيح، آدم الأخير الذي كان مطيعًا بالكامل.

إن عقيدة أن المسيح كان البديل العقابي عن الخطاة الذي كسروا الناموس، حتى يُعتبروا غير مذنبين، هي عقيدة الطاعة الخاضعة للمسيح. تشير 2 كورنثوس 5: 21 أيضًا إلى هذه الفكرة: إن كون المسيح قد صار ذبيحة خطية عن عقوبة خطايا المؤمنين نتج عنه الإعلان أننا غير مذنبين، ولكن كما رأينا أعلاه، نحن كمؤمنين نأخذ أيضًا على أنفسنا بر المسيح المقام من الأموات.

تشير رومية 3: 23-26 أيضًا إلى طاعة المسيح الخاضعة، حيث كلمة "كفارة" في عدد 25 تشير إلى "عرش النعمة" (mercy seat)، أي غطاء تابوت العهد حيث تم سكب دم الذبيحة كبديل يمثل عقاب خطايا إسرائيل. أصبح المسيح الآن هو "عرش النعمة" حيث سفك دمه شخصيًّا من أجل عقاب الخطية حتى يتم إعلان الخطاة "غير مذنبين" أو "أبرارًا".

وبالتالي، فإن حياة المسيح وموته الذين مثلنا فيهما ينسبان لشعبه البر ويعلنان أننا غير مذنبين بخطايانا. كنا سنهلك لولا مخلصنا.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

جريجوري بيل
جريجوري بيل
د. جريجوري بيل هو أستاذ العهد الجدد واللاهوت الكتابي ويشغل كرسي جي. جريشام مايتشن للعهد الجديد في كلية وستمنستر للاهوت في مدينة فيلادلفيا، بولاية بنسيلفانيا. وهو مؤلف العديد من الكتب، بما فيها "الله يسكن وسطنا" (God Dwells among Us).