الإيمان والعقل
۱۳ يوليو ۲۰۲۰
عدم الامتنان أساس الخطية
۲۲ يوليو ۲۰۲۰

بيت الله

عندما انتقلت سحابة الله النيِّرة من على قمة جبل سيناء إلى خيمة الاجتماع المُقامة حديثًا، مغطية بيت الله بدخان كثيف وتملأه ببهائه (خروج 40: 34)، أُعلِنَت ذروة تعامل الله مع البشر. بهذا المشهد الجليل، ينتهي سفر الخروج بحلٍّ، حتى وإن كان مؤقَّتًا ووسطيًّا، لقصة طرد الإنسان من جنة عدن المذكورة في تكوين 3. فضلًا عن أن خيمة الاجتماع الممتلئة ببهاء الله كانت ظل الحل النهائي لله لهذا الطرد عبر شخص يسوع المسيح وعمله.

ونحن نتأمَّل أهميَّة خيمة الاجتماع (والهيكل لاحقًا) في الكتاب المقدس، سيكون من المفيد أن نأخذ نقطتين في الاعتبار. أولًا، كانت خيمة الاجتماع بيت الله، محل سُكناه. شققٌ أو ستائرٌ أَسْمَانْجُونِيَّة (زرقاء) وأُرْجُوَانيَّة (بنفسجيَّة) وقِرْمِزيَّة، ومصنوعات كثيرة من الذهب الخالص، والحجاب الذي يفصل بين محلتي الخيمة يصوِّرها بأنها قصر الملك القدوس.

ثانيًا، كانت أيضًا خيمة الاجتماع الطريق إلى الله، إذ قدَّمت طقوس ذبائحها الكفارةَ والتطهير اللازمين للسُكنى مع الله. تقدَّم النظرة العامة البسيطة لنظام الذبائح الطريقَ إلى الله على أنه ينطوي على انتقالٍ من ثلاثِ مراحل للدخول إلى محضر الله، أي "رحلة" يمكن تتبُّعها عن طريق الطقوس الدينيَّة لثلاث ذبائح أساسيَّة. عادةً ما كانت تبدأ العبادة بذبيحة الخطية، المُشدِّدة على الدم والمُؤكِّدة على احتياج البشر إلى الكفَّارة، لنيل غفران الله وتطهيره. ثم يتبعها ذبيحة المحرقة، المُشدِّدة على حرق الذبيحة بأكملها بعد إزالة جلدها، التي كانت ترمز إلى حياة مقدَّسة بالكامل لله. وينتهي الطقس بذبيحة السلامة الذي فيه يحتفل المُتعبِّد بتناول وجبة مقدَّسة مع أسرته وأحبائه في محضر الله. تقود الكفَّارة، كما تُعلِّم رحلة الذبيحة، إلى القداسة، من ثم تنمو القداسة إلى شركة فرح مع الله.

بإيجازٍ، كانت علاقة بني إسرائيل بالله محفوظة وتنمو بنظام ذبائح خيمة الاجتماع، مما يُمكِّن خالق السماء والأرض من السُكنى وسط شعبه وفي شركة معهم. لاستيعاب مدى عمق مثل هذا القصد وروعته، دعونا نتأمَّل أولًا في معنى خيمة الاجتماع في سياق هدف الله من الخليقة ثم بصفته جوهر عهد الله مع شعبه — وهو القصد الذي حمله الرب يسوع المسيح وتمَّمه.

الخليقة وخيمة الاجتماع:

ربما يبدأ الفهم الرئيسي لدور خيمة الاجتماع والقصد منها بإدراك أولًا أن الكون نفسه خُلق ليكون بيت الله حيث فيه تستمتع البشريَّة بشركة معه. لكن بمجرد أن تلوَّث هذا البيت بالخطية والموت، صار البيت الثانوي والمؤقَّت ضروريًّا. لذلك، يتوقَّع المرء قدرًا من التماثل بين خيمة الاجتماع والخليقة، وهذا هو الحال تمامًا.

تُصوِّر قصة الخلق في تكوين 1: 1-2: 3 الله بانيًا لبيتٍ من ثلاثةِ طوابق (السماء، والأرض، والمياه) في ستةِ أيام، ثمَّ بمجرد انتهائه منه، يستقر به مُستمتعًا براحةِ السبت. وحقًا، يُصوَّر الكون كثيرًا عبر الكتاب المقدس بأنه بيت الله، وهيكله المقدَّس. على سبيل المثال، يقول مُرنِّم المزمور إن الله هو الباسط السماوات مثل خيمة والْمُسَقِّفُ عَلاَلِيَهُ بِالْمِيَاهِ (مزمور 104: 2-3؛ راجع إشعياء 40: 22). كما لاحظ كل من المفسرين القدماء والمعاصرين توازيًا بين سرد أحداث الخلق وخيمة الاجتماع في أسفار موسى الخمسة، بما فيها من لغة البركة والتقديس المستخدمة لوصف الانتهاء من العمل فيهما.

وكما أن قصة الخلق رُويت في سبعِ فقرات (على سبعةِ أيام)، ووصلت إلى ذروتها في يوم السبت، هناك بالمثل سبعة أحاديث إلهيَّة تسرد إرشادات بناء خيمة الاجتماع (خروج 25-31)، ويصل الحديث السابع إلى ذروته بشريعة السبت التي تشير مباشرةً إلى سبت الله في تكوين 2: 1-3 (انظر خروج 31: 12-18). و"روح الله" هو مَن يُمكِّن من بناء بيت الله سواء الكون (تكوين 1: 2) أو خيمة الاجتماع (خروج 31: 1-5).

بالإضافة لذلك، تستخدم قصة الخلق مصطلحات خيمة الاجتماع، خاصة في اليوم الرابع المركزي المذكور في تكوين 1: 14-19، على الرغم من عدم وضوح ذلك في الترجمات العربيَّة. إذ أن كلمة "أنوار" في اللغة العبريَّة، التي تشير إلى الشمس والقمر والكواكب والنجوم، هي ذاتها كلمة "سُرج" التي تشير دائمًا في أسفار موسى الخمسة إلى سُرج منارة خيمة الاجتماع. وبالمثل، فإن كلمة "أوقات" في اللغة العبريَّة، التي تكون فيها الأنوار أو السُرج علامات، هي مصطلح في أسفار موسى الخمسة مرادف لأعياد إسرائيل أو احتفالاتها الدينيَّة.

تصف هذه الخواص، مع يوم السبت الذي يختم الروايتين، الكون بأنه هيكل ضخم فيه يتمتَّع البشر بامتياز الكهنوت للتقرُّب إلى الله بالعبادة والشركة — مع كل الخليقة، بما فيها الشمس والقمر والنجوم التي تعمل بمثابة دعوة إلى العبادة. فالكون باعتباره بيت من ثلاثة طوابق السماء والأرض والمياه، ينعكس على البناء الثلاثي لخيمة الاجتماع، وفيه يقابل قدس الأقداس بلاط عرش الله في السماء. لذا، فالقصد من الخليقة هو أن يسكن الله والبشر في بيت الله في شركة معًا. وكون ذلك "غاية الإنسان العُظمى"، تشدِّد راحة السبت على الشركة مع الله بما أن اليوم السابع هو الوحيد الذي تَقدَّس في سفر التكوين بأكمله (2: 3).

في سرد أحداث جنة عدن (تكوين 2: 4-4: 16)، تزداد تفاصيل صورة خيمة الاجتماع، بتصوير جنة عدن بأنها قدس الأقداس الأول. يتجلَّى بهاء جنة عدن في ملء الحياة المُتعلِّقة بخيمة الاجتماع، بما في ذلك المنارة التي على هيئة شجرة التي قارنها البعض بشجرة الحياة في جنة عدن (كما تتضمَّن رؤية هيكل حزقيال على نهر الحياة؛ حزقيال 47: 1-12). كما أن حضور الرب في جنة عدن، الموصوف في قوله "ماشيًا"، يُقدَّم بشكلٍ مشابه في خيمة الاجتماع (تكوين 3: 8؛ لاويين 26: 11-12). وأيضًا، تصوير عمل آدم في الجنة، الذي يُترجم أفضل إلى "يعبد ويطيع" (تكوين 2: 15)، يُستخدَم في موضعٍ آخر ليصف عمل اللاويين في خيمة الاجتماع (عدد 3: 7-8). وحتى الكلام عن إلباس الله لآدم وحواء يتكرَّر ظهوره لاحقًا في إلباس موسى للكهنة (تكوين 3: 21؛ لاويين 8: 13).

كانت جنة عدن، ربما بأكثر وضوح، مُوجَّهة نحو الشرق، وعقب طرد آدم وحواء، وقف الكروبيم — ملائكة قوية — لحراسة مدخل الجنة (تكوين 3: 24)، وهذه خواص اتسمت بها مداخل الأماكن المُقدَّسة في العالم القديم. أما المكان الوحيد في أسفار موسى الخمسة الذي ظهر فيه الكروبيم مرة أخرى يتعلَّق بالحجاب وغطاء الكفَّارة داخل المسكن (خروج 25: 18-21؛ 26: 1، 31) الذي أيضًا كان يواجه الشرق (27: 9-18؛ عدد 3: 38).

تتمثَّل النقطة الأساسيَّة من هذه التشابهات في أن نظام خيمة الاجتماع (بما تتضمَّنه من أمتعة، وكهنوت، وذبائح، وتقويم، وطقوس)، الذي هو عطية من الله، كان المقصود منه استرداد كمال الله للخليقة، والتأكيد على قصده للسُكنى وسط البشر. لذا تُمثِّل حركة مجد السحابة فوق الخيمة في خروج 40: 34 خليقة جديدة ممتلئة بمجد الله، حيث يقوم هارون ونسله بدور آدم جديد في هذه "الخليقة". لاهوتيًّا، يعد القول بأن الكون كان مسكن خيمة الاجتماع الأول لله بمثابة إدراك أن خيمة الاجتماع قد أُقيمت لتعكس الخليقة، وأن قدس الأقداس مثَّل جنة عدن، وأن الكهنوت مورس بالمنصب بصفتهم بشريَّة مجدَّدة. بعبارة أخرى، كان نظام خيمة الاجتماع مثل كرة ثلجيَّة، صورة مُصغرَّة داخل الكون، ونموذج طقسي للخليقة مكتمل بخليقته البشريَّة.  لذا كان، على سبيل المثال، لا بد أن يكون الكهنة أصحاء وبلا عيب جسدي (لاويين 21: 17-23) وأن يمتنعوا عن النوح (10: 6-7؛ 21: 1-3)، حيث كان ذلك جزءًا من دورهم في تصوير حياة الإنسان في جنة عدن مع الله.

كما أن المقارنة بين خيمة الاجتماع والخليقة تقودنا إلى ثلاث ملاحظات مهمة. أولًا، نجد معنى الطقوس في ربطها بالخليقة، وبالتحديد مع سرد الأحداث الأولى من سفر التكوين. في يوم الكفارة بالتحديد، نجد قصة طرد الإنسان من جنة عدن معكوسة؛ إذ يتَّجه رئيس الكهنة، كونه شبيه آدم، غربًا إلى جنة عدن عبر المدخل الذي يحرسه الكروبيم — أي من خلال الحجاب المطرز بالكروبيم إلى قدس الأقداس — وهذا بدم الكفارة. في يوم الخريف المقدس هذا، قد مُحيت خطايا شعب الله علانية "كَبُعْدِ الْمَشْرِقِ مِنَ الْمَغْرِبِ" (مزمور 103: 12) إذ يُطلق تيس عزازيل إلى البرية باتجاه الشرق، وتتطهَّر خيمة الاجتماع نفسها، حيث مسكن الله والكون المُصغَّر، طقسيًّا من فساد خطايا إسرائيل.

ثانيًا، يوضِّح أيضًا التشابه بين خيمة الاجتماع والخليقة أن ثمار طقوس يوم مثل يوم الكفارة، التي لا تطهِّر سوى نموذج الكون المُصغِّر، لا بد وأن تحدث على مستوى الخليقة ذاتها للبيت الأصلي لله، أي الكون. ويعد هذا جزءًا من هدف رسالة العبرانيين، التي فيها يحوِّل كاتبها عار الرب يسوع من أنه ليس من نسل لاوي، مما يمنعه من الخدمة الكهنوتيَّة، إلى ضرورة منطقيَّة: فإن كان الرب يسوع لاويًّا، لكانت ذبيحته وخدمته محدودة بنموذج الكون المُصغَّر (ألا وهو، الهيكل). مع ذلك، أكمل الرب يسوع يوم الكفارة الحقيقي بدخوله، لا إلى نموذج فردوس السماء (قدس الأقداس)، بل إلى الواقع الحقيقی — حقًا، لقد دخل "السماء عينها"، وذلك ليس بدم تيوس وعجول، الذي أناب عن حياة البشر، بل بدم نفسه (عبرانيين 9: 11-15، 23-28).

ثالثًا، عندما يخلق الله السماء الجديدة والأرض الجديدة، حيث الخليقة قد تطهَّرت بعمل المسيح الكفاري وتجدَّدت بنيران الروح القدس، لن يكون هناك حاجة إلى هيكلٍ، لأن شعب الله سيسكن مع الله في بيت خليقة الله الجديدة. فخيمة الاجتماع والهيكل كانا مؤقَّتان للفترة التي بين الخليقة والخليقة الجديدة.

العهد والهيكل:

لإدراك أهمية خيمة الاجتماع في التاريخ، على المرء أن يدقِّق، من خلال الكتاب المقدس، خارج الخليقة والزمن، نحو رغبة الله المُحدَّدة، تلك الرغبة المعلنة في وعد العهد المُتكرِّر: "وَهُوَ سَيَسْكُنُ مَعَهُمْ، وَهُمْ يَكُونُونَ لَهُ شَعْبًا، وَاللهُ نَفْسُهُ يَكُونُ مَعَهُمْ إِلَهًا لَهُمْ". يتكرَّر هذا الوعد ثلاثي الأقسام، كليًّا أو جزئيًّا، في جميع أنحاء الكتاب المقدس باعتباره جوهر العهد، وهدف الخلق والفداء. حقًا، لقد استُبِقَت خيمة الاجتماع الممتلئة بالمجد، في نهاية سفر الخروج، بإعلان صريح عن وعد العهد يقول: "فَيَصْنَعُونَ لِي مَقْدِسًا لِأَسْكُنَ فِي وَسَطِهِمْ" (خروج 25: 8)، "وَأَسْكُنُ فِي وَسَطِ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَكُونُ لَهُمْ إِلَهًا، فَيَعْلَمُونَ أَنِّي أَنَا الرَّبُّ إِلَهُهُمُ الَّذِي أَخْرَجَهُمْ مِنْ أَرْضِ مِصْرَ لِأَسْكُنَ فِي وَسْطِهِمْ. أَنَا الرَّبُّ إِلَهُهُمْ" (29: 45-46). ولاحقًا استخدم الأنبياء الهيكل رمزًا إلى علاقة العهد، معلنين أن الله حقًا سيفدي شعبه ويقدِّسهم ويسكن في وسطهم (انظر على سبيل المثال، حزقيال 36: 26-27). أما في العهد الداودي، يرتفع دور الهيكل في خطة الله للفداء إلى الصدارة منفردًا.

بعدما اختار الله جبل صهيون ليكون موضع سكناه الدائم، عبَّر داود عن رغبته في إقامة بيت دائم لله، أي يبني له هيكلًا (2 صموئيل 7). وإذ أُعلن أن داود غير مناسب لبناء الهيكل لأنه سفك دماء كثيرة، قد صدر هذا المنع في سياق حروبه لاستكمال امتلاك الأرض (1 ملوك 5: 3؛ 1 أخبار 22: 8، 28: 3). وبما أن التحوُّل من مسكن الله المتنقِّل إلى الهيكل الدائم كان القصد منه إرساء مفهوم الاستقرار، لذا كان الشخص الأنسب ابن داود ووريثه، سليمان، الذي عكس حكمه استقرار الخلافة الفعَّالة (بدلًا من الحروب) لبناء الهيكل. وبمعنى أعمق، يشير رد الرب على داود إلى أنه في النهاية، كان في ذهنه ابنًا غير سليمان، وكذلك بيتًا غير هيكل سليمان. تستخدم اللغة العبريَّة الكلمة ذاتها على "بيت" و"عائلة"، لذا يتحتَّم على المفسرين الاستناد إلى سياق النص لتحديد المعنى المُراد.

في 2 صموئيل 7: 1-7، اشتاق داود إلى بناء بيتًا لله. مع ذلك، غيَّر رد الله على داود معنى الكلمة ذاتها من "بيت" إلى "عائلة": "أَنَّ الرَّبَّ يَصْنَعُ لَكَ بَيْتًا" (آية 11)، أي بيت ملكي أو أسرة ملكيَّة. ثم وعد الله بأن ابن داود هو من سيبني "بَيْتًا لِاسْمِي" (آية 13). أما السؤال المثير للاهتمام هنا ما المقصود من هذه الكلمة في هذه الآية: "بيت" أو "عائلة"؟ بالنظر إلى التحوُّل الأخير الذي قام به الرب في معنى الكلمة من بيت حجري إلى عائلة، ناهيك من ملاحظاته السابقة غير المبالية نسبيًّا فيما يتعلَّق بالمعنى الأول (آيات 5-7)، سيكون الأمر نوعًا ما عكس الذروة القصصيَّة إن أوجزنا هدف القصة في فكرة أن ابن داود سيبني بيتًا من الحجر.

بل، يسمح التلاعب بالألفاظ الغني بتحقيق أولي ببناء هيكل سليمان (1 ملوك 8) باعتباره حدثًا يشير في حد ذاته إلى حقيقة أكثر روعةً: أن يسوع المسيح، ابن داود، سيبني الكنيسة هيكلًا من حجارة حية، وبيتًا يسكن فيه الله بروحه القدوس (أفسس 2: 19-22). يصوِّر العهد الجديد الخلاصَ بأنه جاء لأهل بيت الله، فصاروا أبناء الله، ونالوا الميلاد السماوي بروحه القدوس (يوحنا 1: 12-13؛ 3: 3-8؛ 1 يوحنا 3: 1). أي أن شعب الله بيته وعائلته.

المسيح والهيكل:

يتمركز التحوُّل من الخليقة إلى الخليقة الجديدة ومن الهيكل بوصفه بيتًا إلى الهيكل بوصفه عائلة حول شخص الرب يسوع المسيح وعمله. نقرأ في افتتاحيَّة إنجيل يوحنا أن الابن صار جسدًا و"خيَّم" أو "سكن" بيننا وأعلن مجده (1: 14، ترجمة بتصرف من كاتب المقال). بالتجسُّد، صار الابن السرمدي هيكلًا، أي أن جسد بشريته هو محل سُكنى الله. فبصفته الهيكل، يعد الرب يسوع أيضًا الطريق إلى الله. لقد كفَّرت ذبيحة شخصه على صليب الآلام عن خطايانا، مُتمِّمةً نظام ذبائح إسرائيل القديمة. وعلى نحو ملائم للغاية، قاد صلب المسيح إلى تمزيق الله لحجاب الهيكل (مرقس 15: 38) — ومن خلال حجاب جسد يسوع، فُتح "طَرِيقًا كَرَّسَهُ لَنَا حَدِيثًا حَيًّا" إلى الله (عبرانيين 10: 19-22).

وبقيامته وصعوده، أدخل المسيح البشر — أولًا، عبر طبيعته البشريَّة، وثانيًا عبر به بعمل الروح القدس — إلى فردوس سماء الله. وحقًا، يسوع هو الحجر الذي رفضه البنَّاؤون، لكن جعله الله حجر الزاوية لهيكله الحي (1 بطرس 2: 4-10؛ مزمور 118: 22). وبالروح القدس المُنسَكب، يتجمَّع شعب الله، مثل الأحجار الكريمة المختارة، في اتحاد بالمسيح لتأسيس بيت الله وعائلته. ويا للعجب، صارت الكنيسة — شعب الله المجتمع للعبادة الجماعيَّة — هيكل الله الذي يسكنه روح الله القدوس (1 كورنثوس 3: 16). فحتمًا، يصل موضوع الهيكل في الكتاب المقدس إلى عقيدة الاتحاد بالمسيح.

في النهاية، يشير الهيكل إلى رغبة الله المتأصِّلة والسرمديَّة في السُكنى بشركة مع شعبه في العالم المخلوق. كما يُظهِر موت الرب يسوع المسيح الأعماق الإلهيَّة لهذه الرغبة، والاتحاد بالمسيح الذي هو ذروتها — والمحبة فائقة المعرفة (أفسس 3: 17-19). فمن خلال عدستي الخليقة والعهد، توجِّه خيمة الاجتماع الممتلئة بالمجد عيني الإيمان إلى رؤيا يوحنا عن الكنيسة النازلة من السماء التي وصفها بأنها مدينة وهيكل وأورشليم الجديدة (رؤيا 21). يدفع المجد ذاته أذني الإيمان إلى الإنصات إلى الصوت السماوي العظيم الذي يقول: "هُوَذَا مَسْكَنُ اللهِ مَعَ النَّاسِ، وَهُوَ سَيَسْكُنُ مَعَهُمْ، وَهُمْ يَكُونُونَ لَهُ شَعْبًا، وَاللهُ نَفْسُهُ يَكُونُ مَعَهُمْ إِلَهًا لَهُمْ" (رؤيا 21: 3). وداخل بيت الخليقة الجديدة، سيكون الرب الإله القدير والحمل هيكل الكنيسة، وستصير الكنيسة — شعب الله من كل عصر وأمة —هيكل الله. حينها سندرك ملء الحياة مع الله في بيت الله.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

ل. مايكل مورالز
ل. مايكل مورالز
الدكتور ل. مايكل مورالز هو أستاذ الدراسات الكتابيَّة في كليَّة جرينفيل المشيخيَّة للاهوت وقس للتعليم في الكنيسة المشيخيَّة بأميركا (PCA). وهو مؤلِّف كتاب "من يصعد إلي جبل الرب؟" (Who Shall Ascend the Mountain of the Lord?).