توقعات قديمة| خدمات ليجونير
سفر المزامير
۱٦ فبراير ۲۰۲۱
العلاج المزدوج
۱۹ فبراير ۲۰۲۱

توقعات قديمة

عندما بدأ الرب يسوع في الخدمة الأرضيَّة، بدأ "يَكْرِزُ بِبِشَارَةِ لْمَلَكُوتِ" (متي 4: 23). ومع ذلك، لا نرى في أي مكان في الأناجيل الرب يسوع يعطي تعريفًا واضحًا للملكوت. والسبب بسيط: لم يكن على المسيح أن يُحدِّد معنى الملكوت، لأن مستمعيه كانوا دارسين بشكلٍ جيد للعهد القديم. كان اللغز بالنسبة لهم هو محاولة معرفة كيفيَّة توافق مجيء يسوع مع توقُّعاتهم من العهد القديم. لهذا قال يسوع في وقتٍ لاحق: "مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كُلُّ كَاتِبٍ مُتَعَلِّمٍ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ يُشْبِهُ رَجُلاً رَبَّ بَيْتٍ يُخْرِجُ مِنْ كَنْزِهِ جُدُدًا وَعُتَقَاءَ" (متى 13: 52). إن ملكوت الله، أو ملكوت السماوات، كما يُدعى في رواية متى، هو شيء قديم وجديد على حدٍ سواء. إنه مفهوم قديم قدم الخليقة نفسها، لكنه وصل إلى الأرض بطريقة جديدة تمامًا بمجيء المسيح. في هذه المقالة، سوف نستكشف الجذور القديمة لملكوت الله وننظر في كيفيَّة تجديده وتحقيقه في شخص وعمل يسوع المسيح.

نشأ ملكوت الله في فعل الخلق ذاته. فالرب هو الملك على كل ما خلقه، مما يعني أنه يحكم كل شيء في الكون من حولنا. فهو يحكم نجوم السماء والكواكب، وهذا الحكم ينعكس في الحكم الخاضع له الذي تمارسه الشمس والقمر على مدار النهار والليل والمواسم والسنوات.  والرب يحكم الأرض وجميع مخلوقاتها، وهذا الحكم ينعكس في التفويض الممنوح لآدم وحواء لحكم النظام المخلوق الأدنى، وملئه وإخضاعه لمجد الملك العظيم، الذي خُلقوا على صورته. في جنة عدن، كان مطلوبًا منهم أن يخضعوا لشريعة الملك العظيم وعدم الأكل من شجرة معرفة الخير والشر. كان هذا المظهر الأول لحكم الله هو زمن "بِرٌّ وَسَلاَمٌ وَفَرَحٌ فِي الرُّوحِ الْقُدُسِ"، الذي وصفه بولس بأنه جوهر ملكوت الله في رومية 14: 17. ولكن عندما أخطأ آدم وحواء، ضاع كل ذلك. فقد تم تحدِّي حكم الله على الخليقة بفعل التمرُّد: استُبدل البر بالإثم، وكانت النتيجة انهيار علاقة السلام والفرح المُتناغمة بين الملك وشعبه.

ومع ذلك، كان قصد الله هو إعادة ملكه الرؤوف على البشر. لهذا السبب، دعا الرب إبراهيم من جذوره الوثنيَّة ووعده بإعطائه أرضًا ليعيش فيها. في وقت الخروج، أخرج الرب نسل إبراهيم من مصر وأعلن أنهم سوف ينتمون إليه بطريقة خاصة: ستكون إسرائيل مَمْلَكَة كَهَنَةٍ وَأُمَّة مُقَدَّسَة (خروج 19: 5-6). سيكون الرب راعيهم السماوي، وسيوفِّر لهم رعاةً في الأرض، ملوكًا سيحكمونهم بحكمةٍ (تثنية 17: 15). يمارس الرب سيادته على العالم كله بالبر وبعدل من أجل شعبه إسرائيل (مزمور 99).

تحدَّت الخطيَّة حكم الرب على إسرائيل، تمامًا كما تحدَّت سابقًا حكمه على الخليقة. فشعب الله المُختار تمرَّد عليه وكسر العهد، باحثين عن أسياد آخرين بدلًا منه. والملوك الذين أقامهم الله لقيادة الشعب في البر أضلُّوهم بدلًا من ذلك، حيث أقاموا أصنامًا لهم ليعبدوها. نتيجة لذلك، بدلًا من البر والسلام والفرح، عانت إسرائيل من لعنات العهد، وبلغت ذروتها في السبي من أرض الموعد. غادر الملك العظيم الهيكل، الذي هو مسكنه الأرضي في أورشليم، وتركه بلا حماية ضد أعدائه (حزقيال 9-10).

لا يمكن أن يكون لخطيَّة البشر الكلمة الأخيرة. حتى عندما تم سبي إسرائيل ويهوذا، أعلن الأنبياء اليقين من بداية جديدة في المستقبل، أي مملكة جديدة ستُؤسَّس على عهد جديد (إرميا 31: 31-33). فستأتي الأيام التي سيخلق فيها الله سماواتٍ جديدةً وأرضًا جديدةً (إشعياء 65: 17)، أي خليقة جديدة تشمل عودة السلام والازدهار مثل جنة عدن (إشعياء 11: 6-9). سيُصعد الرب مرة أخرى شعبه من أرض غريبة في خروجٍ جديد، ومن عظام الماضي الجافة سيشكِّل إسرائيل الجديدة (حزقيال 34: 23-24). وهذا الشعب الجديد سيقوده ملك جديد حسب قلب الله (حزقيال 34: 23-24) وسيشمل حتى الأمم في عددهم (إشعياء 2: 2-4؛ 56: 6-7).

لكن هذه البداية الجديدة لملكوت الله لن تكون فوريَّة أو لحظيَّة. حتى بعد العودة من السبي، وجد الشعب نفسه يعيش في يوم الأمور الصغيرة، محاولًا البقاء في غياب ملكهم (زكريا 4: 10). وقد حذَّرهم دانيال النبي أن نهاية العالم لم تقترب بعد – بل سيكون هناك طريق طويل وشاق للسفر قبل أن يبدأ مُلك الرب وقدِّيسيه. فالمملكة القادمة لإنهاء جميع الممالك لن تصل إلا بعد فترة طويلة وشاقة من التاريخ (دانيال 8). لم تكن سنوات السبي سوى جزء صغير من عصر المحن والضيقات، والتي لن تمتد لمدة سبعين عامًا فقط بل سبعين مرة سبع سنوات (دانيال 9: 24؛ قارن متى 18: 22). سيبدأ ملكوت الله كحبَّة صغيرة تنمو بعد ذلك لتُصبح جبلًا يهيمن على العالم (دانيال 2: 34-35). ومع ذلك في النهاية، بغض النظر عن المقاومة البشريَّة أو الروحيَّة ضد ملكوت الله، فملكوت الله سينتصر بالتأكيد.

عندما جاء يسوع ليعظ بملكوت الله، كان يتحدَّث في ضوء خلفيَّة توقُّعات العهد القديم. فأعلن وصول حكم الله على الأرض بطريقة جديدة وملموسة: لقد جاء الله نفسه ليسكن بين البشر ليحقِّق هدفه الأزلي المُتمثِّل في وجود شعب لنفسه. إن مجيئه يجلب البر والسلام والفرح في الروح القدس (لوقا 4: 18-19). لقد ظهر ملكوت الله من خلال مجيء إسرائيل الجديدة، أي الرب يسوع نفسه. في إنجيل متى، تعلن سلسلة نسب يسوع أنه إسرائيل الجديد، من نسل إبراهيم، وابن داود، وابن السبي (متى 1: 2-16).

ومثل إسرائيل، نزل يسوع إلى مصر وهو طفل، وخرج بأمان من هناك (متى 2: 13-15). وقد عبر في مياه المعموديَّة وقضى أربعين يومًا وليلة في البريَّة، بالتوازي مع خبرة إسرائيل (متى 3-4)، قبل صعوده إلى الجبل ليعطي شعبه الشريعة (متى 5). ولكن حيث فشلت إسرائيل في البريَّة، أطاع يسوع بأمانةٍ. جاء يسوع ليُتمِّم الناموس الذي كان قد سحق إسرائيل (متى 5: 17). من خلال موته وقيامته، حقَّق يسوع خروجًا جديدًا لشعبه، إذ أخرجهم من عبوديَّة الخطيَّة والموت (لوقا 9: 31). في المسيح، أصبح شعب الله الجديد – في وحدة تجمع بين اليهود والسامريين والأمم – حقيقة واقعيَّة (يوحنا 4؛ أفسس 2: 11-22). في المسيح، أصبح البر والسلام والفرح في محضر الله مرة أخرى متاحين للبشر.

ومع ذلك، في حين قد جاء ملكوت الله إلى الأرض في شخص يسوع منذ أكثر من ألفي عام، يبقى اكتماله النهائي رجاؤنا المستقبلي. لهذا السبب علَّم يسوع تلاميذه أن يصلُّوا من أجل أن يأتي الملكوت (متي 6: 10)، وأن ينتظروه بترقُّبٍ، حتى لو طال انتظاره (متى 25). لقد بدأ مُلك الله، حاملًا معه السلام والفرح لشعبه، لكنَّنا لم نرَ بعد السماوات الجديدة والأرض الجديدة التي تكلَّم عنها الأنبياء. بشكلٍ عميق، مع مجيء المسيح، وخاصة بموته وقيامته، أصبحت ممالك العالم بالفعل لإلهنا ومسيحه (رؤيا 11: 15). ومع ذلك، فإننا لم نصل بعد إلى أورشليم الجديدة، التي تضم هي نفسها عدنًا جديدًا، وتأتي بكل تاريخ البشريَّة إلى اكتمال وتحقيق كوني. على الرغم من أننا لا نستطيع أن نرى ذلك بعد، إلا أن نهاية القصة مؤكَّدة. فقد ضرب الحجر قدمي الخزف من هياكل السلطة في هذا العصر وبدأ تفتيتها النهائي إلى غبار (دانيال 2: 34-35). على الرغم من كل مجدها وكبريائها وفخرها، فإن الكتابة على الحائط تتعلَّق بملوك وإمبراطوريَّات هذا العالم - وزوالها مؤكَّد. إن ملكوت الله هو الملكوت الوحيد الذي يدوم إلى الأبد.

في الوقت الحالي، نحن ننتظر عودة ملكنا من السماء برجاء نابض بالحياة. سيأتي مرة أخرى ليجلب ملء البر والسلام والفرح في الروح القدس التي هي الثمار الموعودة لحُكمِه. سيحكم من البحر إلى البحر، على الرجال والنساء من كل قبيلة ولسان وأمة ولغة. فقد تم خوض المعركة الحاسمة بالفعل، وقد تجلَّى الانتصار في قيامة يسوع من بين الأموات. في يسوع، جاء ملكوت الله إلى الأرض، وسيبقى مُلكه إلى الأبد.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

إيان دوجيد
إيان دوجيد
الدكتور إيان دوجيد هو أستاذ العهد القديم بكليَّة وستمنستر للاهوت في مدينة فيلادلفيا، والراعي المُؤسِّس لكنيسة المسيح المشيخيَّة في مدينة جلينسايد، بولاية بنسلفانيا. وهو ألَّف العديد من الكتب، منها (The Whole Armor of God: How Christ's Victory Strengthens Us for Spiritual Warfare).