المشاركة بالإنجيل مع المسلمين
۱۲ مارس ۲۰۱۹
هل يوجد إله؟
۲۰ مارس ۲۰۱۹

العَيْش في الأيام الأخيرة

في بعض الأحيان يسألني الناس عن ميعاد مجيء الأيام الأخيرة، فأجيبهم أن الأيام الأخيرة قد جاءت منذ ألفي عام. بدأت الأيام الأخيرة بخدمة، وموت، وقيامة يسوع المسيح. يخبرنا بطرس أن مجيء المسيح قد تم التنبؤ به وكان معروف مسبقًا و"قَدْ أُظْهِرَ فِي الأَزْمِنَةِ الأَخِيرَةِ" (1 بطرس 1: 20). كما تخبرنا عبرانيين 1: 2 "كَلَّمَنَا [الله] فِي هذِهِ الأَيَّامِ الأَخِيرَةِ فِي ابْنِهِ،" موضحةً أن الأيام الأخيرة جاءت مع مجيء الابن. وتكلم الابن الكلمة النهائية والحاسمة في الأيام الأخيرة.

بنفس المفهوم، أعلن بطرس في يوم الخمسين أن نبوة يوئيل عن الأيام الأخيرة قد تحققت في إرسال الروح القدس (أعمال الرسل 2: 16-18). بما أن المسيح قد صُلب وتمجّد أيضًا، لذا فالروح يُسكب الآن على كل من يتوب عن خطاياه ويضع ثقته في يسوع المسيح. يخبرنا الرسول يوحنا أنه "هِيَ السَّاعَةُ الأَخِيرَةُ" (1 يوحنا 2: 18)، وبالتالي فنحن نعيش في الساعة الأخيرة منذ ألفى عام.

أتى الملكوت في شخص يسوع نفسه، وتبرهن عليه بإخراج يسوع للشياطين بقوة الروح (متى 12: 28). إن الأمثال التي رواها يسوع في متى 13 كشفت "أَسْرَارَ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ" (الآية 11)، ويمكننا أن نلخّص مضمون رسالة هذه الأمثال بأن الملكوت تم تأسيسه ولكنه لم يكتمل بعد. فالملكوت لم يأتِ في البداية بقوة هائلة فوق طبيعة بل مثل حبة الخردل الصغيرة وبشكل غير مرئي مثل الخميرة في العجين.

قد أتت الأيام الأخيرة والملكوت تأسس، ولكن ملكوت الله سوف يكتمل أيضًا يومًا ما، لذلك نصلى "لِيَأْتِ مَلَكُوتُكَ" (متى 6: 10)، كما نصلى أيضًا "تَعَالَ أَيُّهَا الرَّبُّ يَسُوعُ" (رؤيا 22: 20). كمؤمنين، نعيش بين أزمنة مختلفة؛ فبالرغم من أننا مقدسين بنعمة المسيح الآن (1 كورنثوس 1: 2)، إلا أن اكتمال تقديسنا سيكون لنا في يوم عودة المسيح (1 تسالونيكى 5: 23-24؛ 1 يوحنا 3: 2). كمؤمنين بيسوع المسيح، نحن الآن أولاد الله بالتبني (رومية 8: 15-16)، ولكن اكتمال تبنينا سوف يتحقق في يوم القيامة حين تتغير أجسادنا (الآية 23). بنفس المفهوم، بما أن الأيام الأخيرة قد بدأت، فنحن مفديين بدم يسوع (أفسس 1: 7؛ كولوسى 1: 14)، ولكن فداؤنا سوف يكتمل إلى التمام عند قيامة أجسادنا من الموت (رومية 8: 23). إن المؤمنين مخلصون بالنعمة وحدها من خلال الإيمان وحده (أفسس 2: 8)، ولكن ننتظر يوم الدينونة عندما نخلص من غضب الله (رومية 5: 9).

الأيام الأخيرة والتقديس:

منذ أن جاءت الأيام الأخيرة، ونحن نعيش الآن في عصر تحقيق الوعود الإلهية. فهو يعدنا بأن نصير مثل يسوع عندما نراه (1 يوحنا 3: 2)، وهذا الرجاء في التغيير الذي سيحدث في نهاية الزمان يحفزنا الآن أن نشابه يسوع أكثر فأكثر، لذا نسعى أن نحيا في القداسة والطهارة (الآية 3). إن الله كلى السيادة والسلطان على كل ما يحدث، ولكن في نفس الوقت يمكن لحياتنا المقدسة أن "تسرع" من يوم مجيئه (2 بطرس 3: 12). بمعنى آخر، يمكن لقداسة حياتنا أن تكون واحدة من الطرق التي يستخدمها الله لتحقيق نهاية الزمان. إن الوعد باكتمال قداستنا عند نهاية الزمان لا يخمد رغبتنا في أن نصير مثل المسيح بل يحفز أشواقنا أن نحيا بطريقة تُسر الله.

إن الحقبة الفاصلة بين التأسيس الوعود الإلهية وتحقيقها غالبًا تُوصف بتعبير الآن وليس بعد. لقد حقّق الله وعوده للخلاص، ولكن يوجد أيضًا جانب "ليس بعد" بمعنى أن هذه الوعود لم تكتمل بعد. يشكل الآن وليس بعد كل جوانب الحياة. بالنسبة للتقديس، على المؤمنين أن يمتلئوا بالرجاء بما أننا نتمتع بعطية نهاية الزمان أي الروح القدس. بما أن الروح القدس قد أُعطى لنا، يجب على المؤمنين أن يمتلئوا بالروح (أفسس 5: 18)، ويسلكوا بالروح (غلاطية 5: 16)، وينقادوا بالروح (الآية 18)، ويُظهروا ثمر الروح (الآية 22)، ويعيشوا بالروح (الآية 25)، ويزرعوا للروح (6: 8). بمعنى آخر، يمكننا أن نحيا بقوة الروح القدس بطريقة تسر الله.  يمكّنا الروح من أن نحب بعضنا البعض وأن نتمّم الناموس (رومية 8: 2-4). نتغير الآن بنعمة الله وبقوته بما أن الأيام الأخيرة قد أتت.

يجب ألا ننسى أنه هناك جانب "ليس بعد" للتقديس. كمؤمنين، لم نتكمل في القداسة بعد. مازالت المعركة تحتدم بين الجسد والروح (غلاطية 5: 16-18)، ومازلنا نعانى من "جسد خطيتنا" يوميًا (رومية 7: 14-25). إن الشهوات الجسدية لم تختفي، ولن تنتهي حتى يوم اكتمال الفداء. إن حدة المعركة بين الجسد والروح تجعل المؤمنين في معركة مع الجسد (1 بطرس 2: 11)، حيث يجب أن نميت الشهوات الجسدية (رومية 8: 13؛ كولوسى 3: 5). بالرغم من أننا نتغير بنعمة الله وبروحه، الا أننا مازلنا نخطئ يوميًا، وعليه فالكمال ليس ممكنًا في هذه الحياة. يبقينا الله متضعين إذ يذكرنا بحدود ما يمكن أن نصل إليه. لا يوجد عذر للخطية قط، ولكن مفهوم الآن وليس بعد في التقديس يجعلنا واقعيين حتى لا نظن أنفسنا أكثر روحانية مما نحن عليه.

الأيام الأخيرة والحياة الأسرية:

حقيقة أننا نعيش في الأيام الأخيرة تؤثر أيضًا على الحياة الأسرية، والمقصود بذلك زيجاتنا وتربيتنا لأولادنا. من خلال نعمة الله، يجب على زيجاتنا أن تلفت النظر بمحبة الأزواج واهتمامهم بعضهم ببعض. فالزواج سر يعكس علاقة المسيح بالكنيسة (أفسس 5: 32)، وهذا السر يجب أن تعكسه العلاقة بين الزوج والزوجة. على الأزواج أن يحبوا، يهتموا، يقدروا، ويرعوا زوجاتهم، كما أحب المسيح الكنيسة وأسلم نفسه لأجلها (الآيات 25-29). على الزوجات أن يخضعن لأزواجهن ويتبعن قيادتهم، كما تخضع الكنيسة للمسيح في كل شيء (الآيات 22-24). بِما أَنَّ المسيح قد جاء والروح قد أُعطى، فيجب أن تُظهر زيجاتنا للعالم ما يمكن أن يكون وما يجب أن يكون عليه الزواج. ومع ذلك، لا يجب أن ننسى أننا لسنا بعد في الفردوس. يمكن لزيجاتنا أن تكون جيدة ولكنها لن تكون كاملة، لأن الخطية مازالت تلوثنا حتى يوم اكتمال الفداء. يمكننا أن نتمتع بزيجات جيدة، ولكن لا يوجد زيجات كاملة، ومن يسعون وراء زيجات كاملة قد يقعون في الخطأ المأساوي والأثيم بالتخلي عن زيجة جيدة — أو زيجة بنعمة الله يمكن أن تصير جيدة في المستقبل. يمكن للكمال أن يكون عدو الجيد والحسن، كما يقول المثل القديم.

نرى نفس الحقيقة تنطبق على مجال تربية الأولاد. إن الأولاد مدعوون لإطاعة والديهم (أفسس 6: 1-3)، وكآباء نرغب أن ندربهم في أمور الرب (الآية 4). ندرك أن الأولاد يحتاجون إلى انضباط، وهدف تأديبهم وتهذيبهم هو تطوير شخصية تقية. يجب أن يكون أولادنا مهذبين، ومؤمنين، وأُمناء، ويُعتمد عليهم (تيطس 1: 6). إذا صار أولادنا جامحين ومنفلتين، نكون قد تهربنا من مسئوليتنا كآباء.

ولكن يوجد خطر الإفراط في تحقيق الأخرويات (وهو الاعتقاد بأنه يمكننا الحصول على اكتمال المجد الآن)، ويمكن أن نخطئ إذ نتوقع أن نعيش السماء على الأرض في تربية أولادنا. كما يمكن أن نقع في فخ توقع الكمال من أولادنا حتى دون أن نعى ذلك. عندما يحدث ذلك، نبدأ في الإفراط في تهذيب أولادنا، ويمكن أن ينتهي بنا الأمر بأن نغيظ أولادنا باستمرار الإشارة إلى أخطائهم، والمحصلة النهائية هي شعور أولادنا بالفشل والإحباط (كولوسى 3: 21). فكما نرى مرة أخرى، التعليم عن الأيام الأخيرة هو عملي للغاية. فنحن ندرب أولادنا على الطاعة، ولكننا لا نتوقع منهم أن يكونوا كاملين.

الأيام الأخيرة والحياة الكنسية:

لقد أتت الأيام الأخيرة. قام يسوع من الأموات والروح قد أُعطى. تحديدًا، لقد انسكب الروح القدس على شعب الله، على كنيسة يسوع المسيح. إن الكنيسة هي جسد المسيح، وتمتلئ من ملء المسيح (أفسس 1: 23). يجب أن تكون الكنيسة المكان الذي فيه يتصالح الجميع معًا، ليتحد الكل في المسيح؛ السود والبيض، الرجال والنساء، العمال والموظفون (2: 11-22). حقًا، إن حكمة الله مُعلنة للسلاطين في السماويات بواسطة الكنيسة (3: 10)، حيث ينظروا إلى الكنيسة فيروا نعمة وقوة الرب. يجب أن تكون الكنيسة الوسيلة التي من خلالها تنتقل رسالة الإنجيل للمجتمع وللعالم أجمع. يلاحظ العالم محبة أعضاء الكنيسة من نحو بعضهم البعض (يوحنا 13: 34-35) ليدرك أن يسوع هو المسيح.

تتغير الكنيسة بنعمة الله وتنمو لما يريدها الله أن تكونه (أفسس 4: 11-16). مع ذلك، لن تتخلص الكنيسة من العيوب والغضن والبقع والندوب إلى يوم اكتمال الفداء (5: 27). نشتاق إلى السماء والأرض الجديدة، لذا يمكننا أن نصير غير راضيين عن كنيستنا، حتى وإن كانت قوية وجيدة وناضجة. فربما نرى العيوب والندوب ونبدأ في انتقاد كنيستنا بدل من محبتها وتعضيدها.

كلمة أخيرة:

ربما نعتقد أن فكرة أننا نعيش في الأيام الأخيرة هي عقيدة مجردة ليست لها علاقة بحياتنا اليومية. ولكن عندما نفكر في الأمر مليًا، نجده عملي للغاية، لأنه يؤثر على نظرتنا للتقديس، والحياة الأُسرية، والكنيسة، والسياسة، وأكثر من ذلك أيضًا. يمكن أن نسقط فريسة الاستهانة في فهم الأخرويات ونصير غير مباليين وراضيين عن الوضع الحالي. وفى نفس الوقت، يمكن أن نقع في خطأ الإفراط في تحقيق الأخرويات ونتوقع أن نعيش السماء على الأرض. نستطيع أن ندرك لماذا نحتاج إلى كلمة الله وإلى روح الله حتى لا نجنح عن الطريق الصحيح بينما نعيش بين أزمنة مختلفة.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

توماس شراينر
توماس شراينر
الدكتور توماس شراينر هو أستاذ تفسير العهد الجديد، وأستاذ اللاهوت الكتابي، والعميد المساعد لمدرسة اللاهوت بكلية اللاهوت المعمدانية الجنوبية في مدينة لويفيل، بولاية كنتاكي. وهو كاتب لعدد كبير من الكتب، منها "المواهب الروحية" (Spiritual Gifts).