عوضًا عن القلق
۲۵ فبراير ۲۰۱۹
الخالق والخليقة
۱۱ مارس ۲۰۱۹

هل الله ظالم؟

لابد أن هذه الجملة دارت في ذهن آدم بعدما أكل من الثمرة المحرمة "يَوْمَ تَأْكُلُ مِنْهَا مَوْتًا مُوتُ" (تكوين 2: 17)، فذلك كان اليوم الذي فيه أكل منها، إذن لابد أنه حتمًا سيموت. لا أتخيل مقدار الذعر الذي شعر به آدم عندما بدأ في خياطة بعض أوراق التين لملابس مؤقتة. كان آدم يعيش وقتًا ضائعًا قبل عقابه محتوم. فيوم الدينونة قد آتى.

بينما أظهر الله عدلًا أرضيًا في ذلك اليوم، فهو أيضًا كبح الدينونة بكامل ثقلها ومنح لآدم وللعالم الساقط الآن عقوبة مؤجّلة. إن تأجيل الله للدينونة الأخيرة برحمته وضع نموذجًا كريمًا ولكنه مُحبِطًا في بعض الأحيان لصراعنا بين الخطية والعدالة — فليس كل شرٍ أرضي سيواجَه بجوابٍ عادلٍ أرضي.

عندما حجب الله الموت الفوري حين ابتلع آدم أول قطعة من الثمرة المحرمة، أظهر أيضًا لهم في ذات الوقت فكرتان جديدتان: النعمة والرحمة. فعكس العدل هو الظلم، بينما مُتمّم العدل هو الرحمة. فكل من العدل والرحمة ينبعان من شخصية الله الصالحة، وفي اليوم الذي احتاجت فيه الخليقة إلى الرحمة كي تنجو، وعد الله بمخلصٍ (تكوين 3: 15).

لكن كيف لنا أن نعرف شخصية الله؟ عندما يشير المتشكّكون إلى العالم ويعلنون أن الأمور ليست كما ينبغي، يمكن للمؤمنين أن يهتفوا "آمين"! لكن عندما يشير المتشكّك بعدها لأعلى ويتّهم الله بالظلم وعدم الصواب، يجب حينها أن يسلك المؤمن والمتشكّك طرقًا مختلفة عقائديًّا.

يؤكد عدد قليل من المتشكّكين في ذات الوقت: (1) "أن الله موجود"، (2) "أن الإله الذي أؤمن به حقًا هو ظالم". تأتي الاتهامات عادةً من أولئك الذي يأملون في كشف الصدام بين حقيقة وجود الله والأحداث المأساويّة غير العادلة. لكن يوجد فرق جوهري بين مسؤوليّة الإنسان تحت شريعة الله وعلاقة الله بالقوانين التي يخلقها ويعلنها. فالقوانين التي خلقها الله قد صاغها من أجل ظروف معينة أرضية وفي بعض الأحيان مؤقته. والله لا يجد نفسه مسؤولاً أمام "قانون" أسمى منفصل عن طبيعته. إن المتشكّك الذي يجعل الله مسؤولاً أمام القوانين قد خلقها الله يُسيء بشدة فهم العلاقة بين الخالق والخليقة.

ماذا عن المتشكّك الذي يلاحظ المظالم في الكتاب المقدس؟ كيف تنسجم طبيعة الله الكاملة والعادلة مع كل أشكال القصص والأحداث في الكتاب المقدس والتي فيها يبدو أن شعب الله — وحتى الله نفسه — يوافقون على المظالم أو يأمرون بها؟

يكشف العهد القديم عن المشهد الأول للمعركة من أجل العدالة المطلقة. ومع تأجيل يوم الدينونة لما بعد جنة عدن، سيزداد الظلم دائمًا. يلقي الله بظلال مؤقتة وأرضية للدينونة النهائية الآتية. قارن قصص حروب يشوع لامتلاك الأرض بأي إصحاح من سفر الرؤيا. يظهر يشوع أكثر رفقة مقارنةً بتنين سفر الرؤيا والوحوش والنار. وبينما ينقل لنا سفر الرؤيا رسالته من خلال رموز مستترة وصور مجازية، فالرسالة ليست فقط استعراض مسرحي — بل ستكون نهاية العالم عنيفة. وقبل نهاية العالم، يصرخ شعب العهد الإلهي إلى الله لكي يُنهي المظالم بما فيها الخيانة، والعبودية، والاغتراب، والموت. لا يمكنك قراءة سفر المزامير دون أن تردد ما شعر به قديسي العهد القديم: "هل من استجابة لصراخي؟"

أجاب أحدهم بالفعل. ولكن النجاة الأخيرة من كل المظالم ستظهر في قصةٍ من جزئين (يوحنا 12 :31؛ رؤيا 14: 7). في المركز نرى المسيح على جبلٍ؛ أي آدم الثاني، منتظرًا في جنة أخرى (أي بستان جثيماني) في عذاب مُتوقّع بسبب الدينونة التي لا يستحقها الآتية حتمًا من الآب (لوقا 22: 44). من بين كل المظالم، كان أعظمهم بما لا يُقاس هو ما حدث في تلك المُبادلة العجيبة — انصبّ يوم الدينونة على المسيح وهو يشتري أعظم مجد على الإطلاق لخليقته الجديدة. يحطم يوم الجمعة العظيمة أي محاولة مبسطة وسطحية لتناول عدالة الله. ففي ذلك اليوم جاء الصليب الخشبي بذروة تحقيق وعد رحمة الله لآدم الأول (تكوين 3: 15).

بعد ثلاثة أيام، حكمت قيامة المسيح على الموت والشيطان بأقصى عقوبة. أطلق بولس على تلك القيامة "باكورة" المؤمنين (1 كورنثوس 15: 20–22). وإن كان المسيح "باكورة" فنحن "الثمر الآتي"، في انتظار حصاد القيامة في نهاية هذا الجزء من التاريخ.

لم يقلل المسيح أبدًا من شأن حقيقة شوكة الموت الظالمة (يوحنا 11: 35‑38)، لكن معرفتنا بنهاية قصة المسيح المدهشة تعطي عزاءًا يتحمّل المظالم الوقتية. إن قيامتنا المحتومة، ومنزلنا الجديد في السماوات الجديدة والأرض الجديدة، سيعوّض في النهاية عن ذلك الظلم القديم على هذه الأرض الأولى. في الوقت الحاضر، يغزو الظلم ويتخلل الهواء الأرضي الذي نتنفّسه. يجب التعامل مع الألم والحوادث المأساويّة بجدية وتناولها باهتمام رعوي. لكننا لن نجد حلًا نهائيَّا — ولا رجاءً مطلقًا — على هذه الأرض. فالراحة المطلقة من الظلم سنجدها في المنزل الأبدي الجديد. نكرر "حَتَّى مَتَى يَا رَبُّ؟" بينما نعرف أن مخلصنا العادل يبني الآن لنا منزلاً جديدًا (يوحنا 14: 3) للمشهد النهائي في اليوم الأخير.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

جاريد أوليفنت
جاريد أوليفنت
جاريد أوليفنت هو طالب يدرس في برنامج الدكتوراه في علم الفلسفة بجامعة تكساس وبرنامج الماجستير في اللاهوت من كلية ويستمنستر للاهوت في مدينة فيلادلفيا، بولاية بنسيلفانيا.