هل الله ظالم؟
۱ مارس ۲۰۱۹
الله
۱۱ مارس ۲۰۱۹

الخالق والخليقة

تبدأ كلمة الله بخلق الله لكل شيء من العدم. تُقدم الإصحاحات ١ و٢ من سفر التكوين الخلقَ كأساسٍ لكل الحقائق الكتابيّة. كما تُعتبر الإصحاحات الإحدى عشر الأولى من سفر التكوين أساسًا للعهد الجديد بأكمله. فيُشير كُتّاب العهد الجديد إلى هذه الإصحاحات بشكلٍ متكرر، وقد اُشار يسوع المسيح نفسه إلى كل إصحاح من الإصحاحات الستة الأولى لسفر التكوين. فلا يقدّم الرب، أو أيٌّ من كُتّاب العهد الجديد، أدنى تلميح أن هذه الإصحاحات الأساسيّة الأولي لأسفار موسى الخمسة يمكن أن تكون أي شيء أخر سوى أنها حقيقة تاريخيّة مباشرة، يجب أن يتم فهمها بالمعنى الحرفي التاريخي.

"فِي ٱلْبَدْءِ خَلَقَ ٱللهُ ٱلسَّمَاوَاتِ وَٱلْأَرْضَ" (تكوين ١: ١). وهذا يعني، كما يؤكد قانون الإيمان النيقاوي، أن الله هو خالق "كل ما يُرَى وما لا يرى". وفي اللغة العبريّة، عبارة "السماوات والأرض" هي عبارة تقسيميَّة بمعنى أنها تشير إلى الصورة الكاملة بتسمية بعض الأجزاء منها. ففي هذه الحالة، "السماوات والأرض" تعني "كل شيء على الإطلاق". في كتابه التفسير الحرفي لسفر التكوين (Literal Interpretation of Genesis)، يشير أوغسطينوس أسقف هيبو إلى أنه عندما جلب الله الواقع المادي للوجود، "حينها بدأ الزمن رحلته"، أي عندما خلق الله الأشياء المادية، في نفس الوقت خلق الزمان والمكان ليكون سياق لها. وقد فعل ذلك في غضون ستة أيام، وخلق الملائكة في وقت ما خلال أسبوع الخلق الأول هذا أيضًا. فيجب ألا نضع أبدًا القيود المكانية والزمنيّة على الله، لأنه سيدها، وليس خادمها.

قبل أسبوع الخلق، لم يكن هناك أي شيء سوى الله — لا وجود لعالم مادي، ولا مكان، ولا زمان. سكن الله وحده في الأزل. علّم آباء الكنيسة والمصلحون أن الاسم المذكور عن الله في تكوين ١: ١، بصيغة الجمع إلوهيم، وليس بصيغة المفرد إيلوها، هو تلميح إلى حقيقة الثالوث. في ذاته، الإله الواحد هو مثلث الأقانيم منذ الازل (كما نتعلّم لاحقًا بوضوح في الكتاب المقدس). فهو لم يكن الكائن الأوحد، لكنه ثلاثة في واحد. وفقًا لرسالة أفسس ٣: ١٤-١٥، فإن الأبوة البشريّة هي انعكاس للأبوة الإلهيّة، بحيث تتشابه بشكل ما حياة الله، مع حياة العائلة: "لِلآبِ.. الَّذِي هُوَ أَصْلُ كُلِّ أُبُوَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَعَلَى الأَرْضِ" (ترجمة كتاب الحياة). فعقيدة الخلق من قِبَل إلوهيم هي أساس هيكل وبناء العائلة وأساس الفرح.

من خلال خلق كل الأشياء من العدم (أي، بدون مادة موجودة من قبل)، يُظِهر الله أنه وحده الله. عندما سأل موسى الله عن اسمه عند العُليقة المشتعلة، أجابه الله: "أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ" (خروج ٣: ١٤). هذه الحروف هي أصل الكلمة العبرية للفعل "يكون". فالله دائمًا موجود؛ ليس له أصل؛ ولا يعتمد على أي شيء خارج ذاته ليكون ما هو عليه، أو ليفعل ما يفعله. أما كل شيء آخر فيعتمد على الله. وحده الله لا يعتمد على شيء سوى ذاته لوجوده.

عبر الكتاب المقدس، تُنسب بعض الصفات إلى الله وإلي الله وحده، بما في ذلك السرمديّة، عدم المحدودية، القدرة المطلقة، والفهم الأعظم (هذه الصفات تشمل خطته الشاملة التي يستطيع وحده أن ينفذها). ولكن في بداية التاريخ البشري، أغوى الشيطان أبوينا الأوليين للاعتقاد بأنه من خلال عصيان وصية الله الواضحة يمكنهم هم أنفسهم أن يصبحوا آلهة ويُقرّرون لأنفسهم ما هو الخير والشر (تكوين ٣). لقد سعى البشر الساقطون منذ ذلك الحين إلى الارتقاء إلى المرتفعات والمستويات الإلهية بإنكار كل من سلطة الله المُبدعة عليهم وكلمته لهم، على أمل وضع مفهوم مستقل خاص بهم عن الخير والشر.

وهذا يعمل بشكل عام عن طريق نقل الصفات الإلهية إلى النظام المخلوق، كما تصوّر رسالة رومية ١: "الَّذِينَ اسْتَبْدَلُوا حَقَّ اللهِ بِالْكَذِبِ، وَاتَّقَوْا وَعَبَدُوا الْمَخْلُوقَ دُونَ الْخَالِقِ، الَّذِي هُوَ مُبَارَكٌ إِلَى الأَبَدِ" (الآية ٢٥). ونجد هذا في يعمل في نظرية التطور: تُؤخذ الأزلية من الله وتُعطى إلى كون مادي دائم الوجود. وتُنسب القدرة الكلية إلى الكون غير الشخصي، الذي يصبح قادرًا بشكلٍ ما من القوة الناشئة من ذاته أن يُخرج نظامًا من الفوضى. وفي حين لا يُنسب عمومًا الفهم الأعظم للنظام الكوني، إلا أنه يتم استبداله عمليًّا بشيء مثل محرك التطور الفطري الطبيعي للانتقال من البساطة إلى التعقيد. (لم يُثبت العلم التجريبي أبدًا وجود محرك التطور وما يصحبه؛ فهي مجرد افتراضات من أولئك الذين يريدون استبدال الله بالطبيعة، أو بأنفسهم، أو بالدولة).

هناك العديد من المزايا للاستيعاب العقلي لعقيدة الكتاب المقدس عن الخالق وخليقته. إنه يُظهر أن الله وحده هو الله، وأن الإله السرمدي لديه خطة أزلية وشاملة لكل ما يحدث في خليقته. وتُعيد تلك العقيدة المعنى والرجاء للحياة. كما تتمتع أيضًا تلك العقيدة بميزة هائلة تتمثل في رفض منح الصفات الإلهية إلى أي شيء أقل من الله، سواء كان العالم المادي، أو الإنسانيّة، أو، خاصة فيما يتعلّق بأيامنا، الدولة المأمولة أو النظام العالمي ذو الكفاءة الكاملة. فعقيدة الخلق من قِبَل الله هي دائمًا أساس مقاومة استبداد الدولة (أو الاستبداد الكنسي).

تُفيدنا عقيدة الخلق الكتابية أيضًا بإظهار أن إله النظام قد صنع خليقة بمكونات منظمة، وتسلسل مناسب، وانتظام عام، ووضوح. هذه الافتراضات هي أساس كل العلوم الحقيقية (كما أشار حتى المؤرخون غير المسيحيين مثل ألفريد نورث وايتهيد). يوضح لنا سفر التكوين ١ و٢ أيضًا أن الله خلق كل شيء "حَسَنٌ جِدًّا" (تكوين ١: ٣١). وهذا يعني أن الخليقة المادية، بما في ذلك العقل والجسم البشري، هي خليقة جيدة وحسنة، وليست شرورًا ينبغي علينا السعي للهروب منها (كما يتم التعليم في الديانات الهندوسيّة والبوذيّة وديانات العصر الحديث).

ظهر الشر في المشهد، وفقًا لتكوين ٣ ورومية ٥، بسبب الاختيارات المتمردة للكائنات الأخلاقية، التي خُلقت في الأساس في حالة من البراءة وكانت حسنة، ولكن خلقت بقدرة على الاختيار طواعية بين محبة الله أو عصيانه. فالملاك الساطع الذي أصبح الشيطان سقط في الخطية بواسطة العصيان المتمرّد ضدّ خالقه، وفي وقت ما جرّب بشكل ناجح آدم وحواء، أبوينا الأوليين، ليتبعوه. ومن ثم، فإن الشر لا يأتي من الواقع المادي في حد ذاته، بل من أشخاص أخلاقيين قاموا بالعصيان. وبالتالي، لا يحتاج المؤمن أبدًا أن يكره جسده، أو يسعى إلى الفرار من العالم الحقيقي، أو يصنع من الواقع إلهًا.

لم يكن أي من كل هذا خارج مشورة الله الأزلية، لأنه حتى قبل أن تحدث الخطية الأولى، كان المسيح هو الخروف المذبوح مند تأسيس العالم (رؤيا ١٣: ٨). ولذلك، فإننا لا ننظر إلى عملية التطور الأسطوريّة من أجل تحسين وضعنا، أو تطوير العالم المحيط بنا. بل نتطلع إلى الله الخالق السرمدي بالإيمان، من خلال ابنه، ربنا يسوع المسيح، من أجل الغفران الأبدي لخطايانا، ومن أجل النظام والمعنى لحياتنا التي نحياها في تلك الخليقة الساقطة، ومن أجل أبدية النعيم في "سَمَاوَاتٍ جَدِيدَةً، وَأَرْضًا جَدِيدَةً" (٢ بطرس ٣: ١٣) التي سيُحققها مجيئه الثاني.

إنه إله يُمكننا الاتكال عليه؛ ومعنى ورجاء في الحياة، وما بعدها؛ والتحرر من الطغيان؛ ونظرة سعيدة للجسد والزواج؛ وتقدّم في العلم الحقيقي وقراءة واضحة للكتاب المقدس؛ والطريق إلى الغفران الأبدي — كل هذه الفوائد تنبُع من عقيدة الخالق وخليقته.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

دوجلاس كيلي
دوجلاس كيلي
د. دوجلاس كيلي هو أستاذ فخري للاهوت في كلية اللاهوت المُصلَحة بمدينة شارلوت في ولاية نورث كارولاينا، ومؤلف كتاب "علم اللاهوت النظامي: أساسه في الكتاب المقدس ويُفهم في ضوء الكنيسة" (Systematic Theology: Grounded in Scripture and Understood in Light of the Church.).