الخالق والخليقة
۱۱ مارس ۲۰۱۹
شعب الله في سبي
۱۱ مارس ۲۰۱۹

الله

يُعد الخروج أحد أهم الأحداث في حياة شعب الله عبر تاريخ الفداء. لكن الأكثر أهمية لنا، بقدر الخروج ذاته، هو رؤية أن الله في الأصحاح الثالث من سفر الخروج يعلن عن جلال شخصه المَهيب. إنه جلال ينطوي على حقيقتين مجيدتين، متلازمتين دون انفصام، لا يمكن بدونهما فهم إله المسيحيّة أو عبادته. فبقدر أهمية خلاص شعب إسرائيل من مصر، لا يمكن فهم هذا الخلاص بشكل صحيح ما لم يُوضع داخل إطار الكشف عن وجهي شخصية الله كما صرح به إعلان الله الخاص وكما ظهر في العُليقة المشتعلة.

حينما ظهر الله لموسى، أعلن عن نفسه قائلًا "أَنَا إِلهُ أَبِيكَ، إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ" (خروج 3: 6). فهنا يُعَرِّف الله عن نفسه بأنه إله العهد، الإله الذي بسيادته بدأ علاقة مع شعبه. إن أول شيء أراد الله من موسى إدراكه هو إنه الله الذي مع شعبه (الآية 12)، والذي سيخرجهم من مصر (الآية 8)، والذي سيفتديهم لكي يعبدونه وحده (الآية 12). فالله تمم وعده بالعهد لإسرائيل من خلال موسى.

يدرك موسى وزر الحمل الثقيل لدعوة الله. لذلك يتردد ويبحث عن مخرج. أولًا يشير إلى عدم كفاءته ("مَنْ أَنَا؟" الآية 11)، من ثم يشير الله إلى كفايته ("إِنِّي أَكُونُ مَعَكَ" الآية 12).

لكن بعد ذلك، طلب موسى شيئًا قد يبدو، من الوهلة الأولى، غريبًا. أراد أن يعرف اسم الله. وسبب سؤاله عن اسم الله هو لأنه كثيرًا ما يدل الاسم على شخصية حامله، كما نرى في العهد القديم. فموسى طلب من الله الكشف عن شخصيته لكي يعرف بنو إسرائيل أن الشخص الذي دعا موسى كافٍ وقادر على تحقيق الوعد بالخلاص.

إن الاسم الذي قاله الله لموسى، "أَهْيَهِ الَّذِي أَهْيَهْ"، إعلان عن كفاية الله الذاتية الكاملة والمطلقة. إنه إعلان أن الله كائن بذاته، وأن كينونته مستقلة (aseity). فهو وحده من ذاته. الله وحده لا سواه لا يعتمد على شيء، مما يعني، لموسى ولبني إسرائيل، أنه لا يعتمد على استجابة وتعاون فرعون لتحقيق ما وعد به.

يعد اسم الله، "أَهْيَهْ"، الأصل المأخوذ منه اسم "يَهوَهْ". يقول جون كالفن، عن حقٍ، إن هذا الاسم أُعطيَ لنا في العهد القديم "لتمتلئ عقولنا بالإعجاب كلما يُذكر جوهره غير المُدرَك". فلقد ذُكِرَ هذا "الجوهر غير المُدرَك"، باسم يَهوَهْ، أكثر من خمسة آلاف مرة في العهد القديم.

لذلك، في الإصحاح الثالث من سفر الخروج، يُعَرِّف الله عن نفسه بطريقتين. فقد أخبر موسى أنه إله العهد، القائم مع شعبه، وأنه الله الكائن بذاته الذي لا يحتاج لشيء ليغدو من هو عليه أو ليتمم مشيئته.

يقودنا هذا إلى العُليقة المشتعلة. لم يكن الغرض من تلك المعجزة ببساطة إثارة دهشة موسى، بل إظهار وجهي شخصية الله الفريدة التي أعلنها لموسى. فالعُليقة المشتعلة توضح ما يسميه اللاهوتيون بسمو الله وقربه. كانت هذه العليقة المشتعلة بمثابة إعلان بأن "أَهْيَهْ" كائن وسيظل دائمًا مستقلاً تمامًا ومكتفي ذاتيًّا. فهو إله كامل غير منقوص حتى في وعده ومشيئته "لينزل" (خروج 3: 8) ليكون مع شعبه وليفديهم. كما توجهنا العليقة المشتعلة إلى ذروة الإعلان عن الكائن الذي بالحقيقة وبالتمام الله القائم بذاته الذي نزل ليفدي شعبه، عمانوئيل (الله معنا). إنها توجهنا إلى الرب يسوع المسيح ذاته (متى ١: ٢٣؛ ٢٨: ٢٠).

من الضروري على كل من يسعى للانخراط في درب علم الدفاعيات الكتابي الإلمام بالإعلان عن وجهي شخصية الله في الإصحاح الثالث من سفر الخروج. فما من دين آخر على وجه الأرض يرى الله هكذا. فالإيمان الذي ندافع عنه هو فريد من نوع ولا مثيل له. إنه يبدأ وينتهي بالإعلان عن هذا السر المهيب لشخصية الله المُقدم لنا داخل الكتاب المقدس.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في مجلة تيبولتوك.

سكوت أوليفنت
سكوت أوليفنت
د. سكوت أوليفنت هو أستاذ علم الدفاعيات واللاهوت النظامي في كلية وستمنستر للاهوت بمدينة فيلادلفيا، كما أنه قسيس مرتسم في الكنيسة المشيخيّة القويمة (Orthodox Presbyterian Church)، وهو مؤلف كتاب "أشياء لا يمكن زعزعتها" (Things That Cannot Be Shaken).