قيمة الكتاب المقدس
۱۰ مارس ۲۰۲۰
لماذا يتعبَّد المسيحيُّون في يوم الأحد؟
۲۳ مارس ۲۰۲۰

الألم والمجد في مزمور 22

يبدأ مزمور 22 بأكثر الصرخات المؤلمة في تاريخ البشريَّة: "إِلهِي، إِلهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟" هذه هي الكلمات التي نطق بها المسيح بشفتيه في عمق آلالمه على الصليب. كانت آلامه فريدة من ناحية أنه بذل نفسه لأجل خطايا شعبه. وهكذا، قد نميل للنظر إلى تلك الصرخة على أنها فريدة بالنسبة المسيح. لكن من الواضح أن تناول هذه الكلمات بهذا الشكل هو خطأ. لم يخترع المسيح كلمات فريدة كي يفسِّر آلامه. بل كان يقتبس من مزمور 22: 1. أول من نطق بهذه الكلمات هو داود، وكان داود يتحدَّث بها نيابة عن جميع شعب الله. نحتاج أن نتأمل في هذه الكلمات والمزمور كله من حيث علاقتهم بالمسيح وبكل شعبه لكي نفهمهم بشكل تام.

يبدأ المزمور بجزء يغلب فيه صلاة داود المصحوبة بالألم (الآيات 1–21). عبَّر داود في المقام الأول عن تجربته الخاصة بالشعور بالترك من قبل الله. هنا أكثر المعاناة شدة التي يمكن لعبد الرب أن يختبرها — ليس فقط أن الأعداء يحيطون به (الآيات 7، 12–13) وأن جسده يتألم بشدة (الآيات 14–16)، بل إحساسه أن الله لا يستمع إليه ولا يُبالي بآلامه. وهذه ليست تجربة داود فقط. إنها تجربة كل شعب الله في مواجهة الشدائد المفزعة. نتساءل كيف يمكن لأبانا السماوي المحب أن يقف مكتوف الأيدي عندما نكون في مثل هذه الشدة.

ومع ذلك، حتى في هذه المحنة الشديدة، لم يفقد داود إيمانه أبدًا أو يسقط في يأسٍ تام. فقد قادته أوجاعه إلى الصلاة، وأول كلمة في الصلاة هي: "إِلهِي". حتى في آلامه وتساءله عن طرق الله، لم يتخلَّى عن معرفته أن الله هو إلهه. في وسط معاناته، أقرَّ بهذا الإيمان. فقد تذكَّر أمانة الله في الماضي عبر تاريخ إسرائيل: "عَلَيْكَ اتَّكَلَ آبَاؤُنَا. اتَّكَلُوا فَنَجَّيْتَهُمْ. إِلَيْكَ صَرَخُوا فَنَجَوْا. عَلَيْكَ اتَّكَلُوا فَلَمْ يَخْزَوْا" (الآيات 4–5). ثم تذكَّر داود رعاية الله في الماضي في حياته الشخصيَّة: "لأَنَّكَ أَنْتَ جَذَبْتَنِي مِنَ الْبَطْنِ. جَعَلْتَنِي مُطْمَئِنًّا عَلَى ثَدْيَيْ أُمِّي. عَلَيْكَ أُلْقِيتُ مِنَ الرَّحِمِ. مِنْ بَطْنِ أُمِّي أَنْتَ إِلهِي" (الآيات 9–10). إن العلاج الروحي المتكرِّر في المزامير هو ملء الذهن بذكريات أمانة الله في الماضي كي تؤكِّد لنا أمانته في الحاضر.

نرى رجاء داود أيضًا في جديَّة صلاته من أجل الراحة في الحاضر. فهو يعلم أن الله قادر على المساعدة، فلجأ إلى الله لأنه الوحيد الذي سيساعده: "أَمَّا أَنْتَ يَا رَبُّ، فَلاَ تَبْعُدْ. يَا قُوَّتِي، أَسْرِعْ إِلَى نُصْرَتِي" (الآية 19). يجب علينا ألا نتوقف عن الصلاة أبدًا، حتى في أعمق ضيقاتنا.

ختم جون كالفن في تفسيره بالإعلان أن الإحساس بالترك من قبل الله، الأمر الذي هو ليس فريدًا بالنسبة للمسيح أو نادرًا للمؤمن، هو صراع منتظم ومتكرر للمؤمنين. كتب كالفن قائلاً: "لا يوجد شخص تقي لا يختبر يوميًّا بنفسه الشيء ذاته. فحسب تقدير الجسد، يعتقد أنه مرفوض ومتروك من قبل الله، في حين أنه يفهم بالإيمان نعمة الله، المخفية عن عيون حواسنا ومنطقنا". لا ينبغي أن نفكر أن العيش في الحياة المسيحيَّة أمر سهل أو أننا لن نضطر أن نحمل الصليب يوميًا.

إن هذا المزمور ليس فقط خبرة كل مؤمن، لكنه أيضًا نبوَّة رائعة ومحدَّدة عن آلام المسيح. نرى مشهد الصلب بشكل خاص في الكلمات: "جَمَاعَةٌ مِنَ الأَشْرَارِ اكْتَنَفَتْنِي. ثَقَبُوا يَدَيَّ وَرِجْلَيَّ. أُحْصِي كُلَّ عِظَامِي، وَهُمْ يَنْظُرُونَ وَيَتَفَرَّسُونَ فِيَّ. يَقْسِمُونَ ثِيَابِي بَيْنَهُمْ، وَعَلَى لِبَاسِي يَقْتَرِعُونَ" (الآيات 16–18). هنا نرى حقًا أن هذا المزمور يتحقَّق بالكامل في المسيح.

عرف المسيح هذا المزمور واقتبس كلماته الأولى لكي يشبنها في آلامنا، لأنه حمل على الصليب أوجاعنا وآلامنا: "فَإِذْ قَدْ تَشَارَكَ الأَوْلاَدُ فِي اللَّحْمِ وَالدَّمِ اشْتَرَكَ هُوَ أَيْضًا كَذلِكَ فِيهِمَا، لِكَيْ يُبِيدَ بِالْمَوْتِ ذَاكَ الَّذِي لَهُ سُلْطَانُ الْمَوْتِ" (عبرانيين 2: 14). حرَّرنا المسيح من خلال أنه صار بديلًا عنَّا وذبيحة من أجل خطايانا.

في الجزء الثاني من هذا المزمور، تغيَّر المزاج والنبرة بشكل كبير. فتحوَّلت الصلاة المصحوبة بالألم إلى التسبيح المصحوب بالحماس. امتلأ كاتب المزمور بالتسبيح قائلاً: "أُخْبِرْ بِاسْمِكَ إِخْوَتِي. فِي وَسَطِ الْجَمَاعَةِ أُسَبِّحُكَ" (الآية 22). فقد دعا إخوته لينضموا إليه في التسبيح قائلاَ: "يَا خَائِفِي الرَّبِّ سَبِّحُوهُ!" (الآية 23).

هذا التسبيح المصحوب بالحماس هو بسبب نجاح قصد الله. فالفشل في بداية المزمور الذي بدا مؤكَّدًا الآن تم ابتلاعه بالنصرة. لن يكون هذا النجاح على المستوى الشخصي أو الفردي لكنه سيكون لكل العالم. يرتكز التسبيح على غنى الوعد الآتي: "تَذْكُرُ وَتَرْجعُ إِلَى الرَّبِّ كُلُّ أَقَاصِي الأَرْضِ. وَتَسْجُدُ قُدَّامَكَ كُلُّ قَبَائِلِ الأُمَمِ... أَكَلَ وَسَجَدَ كُلُّ سَمِينِي الأَرْضِ. قُدَّامَهُ يَجْثُو كُلُّ مَنْ يَنْحَدِرُ إِلَى التُّرَابِ" (الآيات 27، 29). بعد الألم يأتي مجد الملكوت في كل العالم.

لن يؤثر نجاح الله على كل العالم فحسب، بل سيشمل الأجيال أيضًا: "الذُّرِّيَّةُ تَتَعَبَّدُ لَهُ. يُخَبَّرُ عَنِ الرَّبِّ الْجِيلُ الآتِي" (الآية 30). الصورة هنا ليست فترة نجاح وجيزة لمقاصد الرب، ولكن التأكيد على أن زمن الألم سيقود لوقت انتشار عظيم لمعرفة الله في جميع أنحاء الأرض. وبالتأكيد، منذ يوم الخمسين، رأينا تحقيق هذا الوعد. في جميع أنحاء العالم اليوم، المسيح معروف وتُقدَّم له العبادة. حتى مع استمراريَّة الألم في هذا العالم، نرى وعد المسيح يتحقَّق: "أَبْني كَنِيسَتِي، وَأَبْوَابُ الْجَحِيمِ لَنْ تَقْوَى عَلَيْهَا" (متى 16: 18).

هذا النجاح هو عمل الرب "لأَنَّ لِلرَّبِّ الْمُلْكَ، وَهُوَ الْمُتَسَلِّطُ عَلَى الأُمَمِ" (الآية 28). هو الشخص الفاعل الذي يعطي نصرة في النهاية لمقاصده. يحقِّق الرب نصرته من خلال الأدوات التي يستخدمها. ويرى داود نفسه كأداة خاصة في تصريحه عن صلاح إلهه ورحمته: "أُخْبِرْ بِاسْمِكَ إِخْوَتِي" (الآية 22). المسيح هو أيضًا المتكلِّم في الآية 22، كما يخبرنا كاتب الرسالة في عبرانيين 2: 12 (يوضِّح هذا الاقتباس مرة أخرى كيف يرى العهد الجديد بالكامل المسيح متحدِّثًا في المزامير).

في الواقع، يعلن كاتب المزامير عن اسم الله، بالأخص فيما يتعلَّق برحمته المُخلِّصة: "لأَنَّهُ لَمْ يَحْتَقِرْ وَلَمْ يُرْذِلْ مَسْكَنَةَ الْمِسْكِينِ، وَلَمْ يَحْجُبْ وَجْهَهُ عَنْهُ، بَلْ عِنْدَ صُرَاخِهِ إِلَيْهِ اسْتَمَعَ" (الآية 24). إن هذا الإعلان حيوي في إرساليَّة الله في العالم. كما كتب كالفن قائلاً: " يكثر الله ويضاعف كنيسته فقط بواسطة الكلمة". هؤلاء الذين اختبروا رحمة الله يجب أن يخبروا الآخرين عنها.

في حين أن الله يستخدم أدوات لتحقيق أهدافه، فإن المجد هو له وحده، لأنه هو مَن يعمل من خلالها ويؤكِّد نجاحها. لهذا السبب، ينتهي هذا المزمور بهذا اليقين الراسخ: "قَدْ فَعَلَ" (الآية 31). إلهنا يسمع صلواتنا، ويتمِّم وعوده، ويملأنا بالتسبيح. "لأَنَّ مِنْهُ وَبِهِ وَلَهُ كُلَّ الأَشْيَاءِ. لَهُ الْمَجْدُ إِلَى الأَبَدِ. آمِينَ" (رومية 11: 36).

بينما نسعى لفهم مزمور 22 حتى نتمكَّن من استخدامه وتطبيقه، نحتاج أن نري فيه اتجاه تاريخ الكنيسة: الألم أولاً ثم المجد. نحتاج أيضًا أن نرى نموذجًا من نمط التقوى للكنيسة وللمسيحي كفرد. النمط هو هذا: إن مشاكل الحياة الحقيقيَّة التي لا مفر منها في هذا العالم الساقط يجب أن تقودنا إلى الصلاة. ويجب أن تقودنا الصلاة إلى تذكُّر وعود الله والتأمُّل فيها، تلك التي تحقَّقت في الماضي وأيضًا التي نثق أنها ستتحقَّق في المستقبل. إن تذكُّر وعود الله سيساعدنا أن نسبِّحه كما يجب. وبينما نسبِّحه، يمكننا الاستمرار بالنعمة والإيمان في مواجهة المشاكل التي تأتي يوميًّا في حياتنا.

تم نشر هذه المقالة في الأصل في موقع ليجونير.

روبرت جودفري
روبرت جودفري
الدكتور روبرت جودفري هو عضو هيئة التدريس في خدمات ليجونير والرئيس الفخري لكليَّة لاهوت وستمنستر في كاليفورنيا والأستاذ الفخري لتاريخ الكنيسة بها. وهو الأستاذ المُميَّز في سلسلة ليجونير التعليميَّة المكوَّنة من ستَّة أجزاء بعنوان "مسح شامل لتاريخ الكنيسة" A Survey of Church History. تشمل كتبه العديدة "رحلة غير مُتوقَّعة" An Unexpected Journey، و"تعلَّم أن تحب المزامير" Learning to Love the Psalms.