المحاضرة 3: اللَيْلَةُ الْحَالِكَةُ عَلَى النَفْسِ | خدمات ليجونير
 

المحاضرة 3: اللَيْلَةُ الْحَالِكَةُ عَلَى النَفْسِ

وَصَلْنَا إِلَى الأَصْحَاحِ ٣ مِنْ سِفْرِ أَيُّوبَ. إِنَّهُ مَقْطَعُ "لَيْلَةٍ حَالِكَةٍ عَلَى النَفْسِ" وَرُبَّمَا لا يَفُوقُ هَذَا الأَصْحَاحُ ظُلْمَةً فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ كُلِّهِ سِوَى مَقْطَعِ رَبِّنَا يَسُوعَ وَهُوَ فِي جَثْسَيْمَانِي. فَدَعُونَا نَقْرَأُ بِضْعَ آيَاتٍ مِنَ الأَصْحَاحِ ٣. "بَعْدَ هَذَا فَتَحَ أَيُّوبُ فَاهُ وَسَبَّ يَوْمَهُ". كَمِ الْوَقْتُ الَذِي مَرَّ بَعْدَ الأَصْحَاحَيْنِ ١ وَ٢، مُنْذُ أَنْ فَقَدَ أَبْنَاءَهُ، وَفَقَدَ عَافِيَتَهُ؟ أَتَعْلَمُونَ، نَحْنُ نُفَكِّرُ هُنَا أَنَّهُ لَرُبَّمَا قَدْ مَرَّتْ أَسَابِيعَ، أَوْ شُهُور.

لَيْتَهُ هَلَكَ الْيَوْمُ الَّذِي وُلِدْتُ فِيهِ، وَاللَّيْلُ الَّذِي قَالَ: قَدْ حُبِلَ بِرَجُلٍ. لِيَكُنْ ذَلِكَ الْيَوْمُ ظَلَامًا. لَا يَعْتَنِ بِهِ اللهُ مِنْ فَوْقُ، وَلَا يُشْرِقْ عَلَيْهِ نَهَارٌ. لِيَمْلِكْهُ الظَّلَامُ وَظِلُّ الْمَوْتِ. لِيَحُلَّ عَلَيْهِ سَحَابٌ. لِتَرْعَبْهُ كَاسِفَاتُ النَّهَارِ. أَمَّا ذَلِكَ اللَّيْلُ فَلْيُمْسِكْهُ الدُّجَى، وَلَا يَفْرَحْ بَيْنَ أَيَّامِ السَّنَةِ، وَلَا يَدْخُلَنَّ فِي عَدَدِ الشُّهُورِ. هُوَذَا ذَلِكَ اللَّيْلُ لِيَكُنْ عَاقِرًا، لَا يُسْمَعْ فِيهِ هُتَافٌ. لِيَلْعَنْهُ لَاعِنُو الْيَوْمِ الْمُسْتَعِدُّونَ لِإِيقَاظِ التِّنِّينِ. لِتُظْلِمْ نُجُومُ عِشَائِهِ. لِيَنْتَظِرِ النُّورَ وَلَا يَكُنْ، وَلَا يَرَ هُدُبَ الصُّبْحِ، لِأَنَّهُ لَمْ يُغْلِقْ أَبْوَابَ بَطْنِ أُمِّي، وَلَمْ يَسْتُرِ الشَّقَاوَةَ عَنْ عَيْنَيَّ.

وَيُوَاصِلُ مَرْثَاتَهُ طَوَالَ الأَصْحَاحِ ٣. رُبَّمَا هَذَا يُشْبِهُ الآيَةَ الْخِتَامِيَّةَ لِلْمَزْمُورِ ٨٨، وَهْوَ قَصِيدَةٌ لِهَيْمَانَ الْأَزْرَاحِيِّ، الَتِي تَقُولُ: "مَعَارِفِي فِي الظُّلْمَةِ" أَوْ بِحَسَبِ تَرْجَمَةٍ أُخْرَى وَارِدَةٍ تَقُولُ: "وبُتُّ رَفِيقَ الظُلُمَاتِ". ضَعُوا فِي ذِهْنِكُمْ، قَبْلَ إِصْدَارِ الأَحْكَامِ عَلَى هَذَا الْمَقْطَعِ، لَقَدْ ذَكَرَ إِرْمِيَا هَذَا الْمَقْطَعَ فِي الأَصْحَاحَيْنِ ١٩ وَ٢٠ مِنْ نُبُوَّتِهِ. بَعْدَمَا عُذِّبَ إِرْمِيَا فِي تِلْكَ اللَيْلَةِ فِي الْمِقْطَرَةِ، فِي الْغَدِ أُطْلِقَ سَرَاحُهُ. أَعْتَقِدُ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى بَيْتِهِ، صَحِيحٌ أَنَّ النَصَّ لا يَقُولُ ذَلِكَ، لَكِنِّي أَعْتَقِدُ أَنَّهُ ذَهَبَ إِلَى بَيْتِهِ ثُمَّ نَطَقَ بِهَذِهِ الْكَلِمَاتِ، وَيُخَيَّلُ إِلَيْكَ كَمَا لَوْ كَانَ هَذَا الْمَقْطَعُ مِنَ الأَصْحَاحِ ٣ مِنْ سِفْرِ أَيُّوبَ مَا قَدْ حَفِظَهُ إِرْمِيَا مِنَ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ. مَا مَقَاطِعُكُمْ الْمُفَضَّلَةُ مِنَ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ؟ الْمَقْطَعُ الَذِي تَحْفَظُونَهُ عَنْ ظَهْرِ قَلْبٍ يَقُولُ شَيْئًا مَا، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ لَقَدْ نَطَقَ إِرْمِيَا بِكَلِمَاتِ أَيُّوبَ عَيْنِهَا مِنَ الأَصْحَاحِ ٣.

إِنَّهُ يُخْجِلُنَا حَقًّا! لِمَاذَا هَذَا الأَصْحَاحُ هُنَا؟ لَوْ كُنْتُمْ مَنْ يُنَسِّقُ الأَسْفَارَ الْمُقَدَّسَةَ. أَعْلَمُ بخُطُورَةِ طَرْحِ السُؤَالِ السَابِقِ، فَأَنَا لا أَقْصِدُ أَنْ أَكُونَ قَلِيلَ الاحْتِرَامِ أَوْ مَا شَابَهَ. لَكِنْ إِنْ كُنْتُمْ تُحَاوِلُونَ اتِّخَاذَ قَرَارٍ بِمَا يَنْبَغِي أَنْ يُضَمَّ إِلَى الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، إِلَى كَلِمَةِ اللهِ الْمَعْصُومَةِ، هَلْ كُنْتُمْ لِتَحْفَظُوا مَكَانًا لِهَذَا الأَصْحَاحِ ٣ مِنْ سِفْرِ أَيُّوبَ، الَذِي فِيهِ يَلْعَنُ أَيُّوبُ الْيَوْمَ الَذِي وُلِدَ فِيهِ، مُتَمَنِّيًا أَنَّهُ لَمْ يُولَدْ قَطُّ، قَائِلًا إِنَّهُ يَتَمَنَّى أَنَّ تِلْكَ اللَيْلَةَ الَتِي قَالَتْ فِيهَا الْقَابِلَةُ: "قَدْ حُبِلَ بِرَجُلٍ" كَانَتْ قَدْ مُحِيَتْ مِنَ التَارِيخِ؟ رُبَّمَا قَدْ أُجْرِيَتْ مُحَادَثاتٌ فِي غُرَفِ الْمَشُورَةِ ذَاتِ الإِضَاءَةِ الْخَافِتَةِ نُطِقَ فِيهَا بِمِثْلِ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ وَالْكَلِمَاتِ. إِنَّهَا مَرْثَاةٌ! إِنَّهَا مَرْثَاةُ لَعْنٍ! لَيْسَتْ مُوَجَّهَةً إِلَى أَيِّ كَائِنٍ بِعَيْنِهِ. فَهِيَ لَيْسَتْ مُوَجَّهَةً تَحْدِيدًا وَخَاصَّةً إِلَى اللهِ. رُبَّمَا يَنْبَغِي لَنَا رُؤْيَةُ الأَمْرِ كَأَنَّهُ شِدَّةُ التَقَلُّبَاتِ الَتِي تُصِيبُنَا وَتَنْقُلُنَا مِنَ النَشْوَةِ إِلَى الاكْتِئَابِ. هَذَا بِكُلِّ تَأْكِيدٍ مُؤَشِّرٌ إِلَى مَا يَحْدُثُ لِعَدَدٍ عَظِيمٍ مِنَ الْبَشَرِ حِينَ يَمُرُّونَ بِتَجْرِبَةِ فُقْدَانٍ أَوْ مُعَانَاةٍ أَوْ ضَعْفٍ فِي الْعَافِيَةِ. تَمُرُّ عَلَيْهِمْ أَوْقَاتُ نَشْوَةٍ عَظِيمَةٍ، وَأَوْقَاتُ سَلامٍ خَاصٍّ، وَأَوْقَاتُ شُعُورٍ خَاصٍّ بِحُضُورِ اللهِ. ثُمَّ تَمُرُّ عَلَيْهِمْ أَوْقَاتٌ أُخْرَى يَبْدُو فِيهَا اللهُ بَعِيدًا، فَتُخَيِّمُ عَلَيْهِمْ ظُلْمَةٌ حَالِكَةٌ ويَتَمَنَّوْنَ حِينَهَا لَوْ أَنَّهُمْ لَمْ يُولَدُوا.

فَقَبْلَ الْمُسَارَعَةِ إِلَى انْتِقَادِ هَذَا الْمَقْطَعِ، أَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَجِبُ أَنْ نُنْصِتَ إِلَى أَيُّوبَ. فَالأَمْرُ الأَوَّلُ الَذِي أَوَدُّ أَنْ نُفَكِّرَ فِيهِ يَتَمَثَّلُ فِي الْخَلْفِيَّةِ؛ فَهُنَاكَ أَرْبَعَةُ أُمُورٍ بِالتَحْدِيدِ. الأَمْرُ الأَوَّلُ هُوَ أَنَّ الْوَقْتَ مَرَّ. فَالْوَقْتُ كَفِيلٌ بِتَغْيِيرِ مِزَاجِكَ، وَوُجْهَةِ نَظَرِكَ، وَالطَرِيقَةِ الَتِي تَرَى بِهَا الأُمُورَ. الأُسْبُوعُ قَدْ يَسْتَمِرُّ أَمَدًا طَوِيلًا. فِي السِيَاسَةِ، الأُسْبُوعُ قَدْ يُغَيِّرُ كُلَّ شَيْءٍ. وَكَذَلِكَ يَسْتَطِيعُ تَغْيِيرَ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْحَيَاةِ الْمَسِيحِيَّةِ. ٦ أَسَابِيعٍ بَعْدَ فَاجِعَةِ الْفُقْدَانِ. لَقَدْ قِيلَ لِي مُنْذُ وَقْتٍ طَوِيلٍ، عِنْدَمَا كَانَ قَدْ مَرَّ أَحَدٌ مَا بِتَجْرِبَةِ الْحِرْمَانِ، عَلَيْكَ افْتِقَادُ حَالِهِمْ بَعْدَ ٦ أَسَابِيعَ. اتَّصِلْ بِهِمْ، أَوْ أَرْسِلْ لَهُمْ بَرْقِيَّةً؛ لأَنَّهُ فِي الْغَالِبِ مَا سَيَكُونُ الْمِزَاجُ مُخْتَلِفًا مَعَ مُرُورِ الزَمَنِ.

ثَانِيًا الأَصْدِقَاءُ. هَا قَدْ جَاءَ الأَصْدِقَاءُ. لَقَدْ وَصَلُوا مَعَ نِهَايَةِ الأَصْحَاحِ ٢. وَفِي الْوَاقِعِ لَمْ يَتَفَوَّهُوا بِكَلِمَةٍ وَتَصَرَّفُوا بِطَرِيقَةٍ أَوْحَتْ أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَقَّعُونَ أَنْ يَمُوتَ أَيُّوبُ. كَذَلِكَ أَبْدَتْ تَصَرُّفَاتُهُمْ وَصَمْتُهُمْ وَذَرْيُ الرَمَادِ عَلَى رُؤُوسِهِمْ وَمَا إِلَى ذَلِكَ. كُلُّ هَذَا كَانَ لِيَرْمُزَ إِلَى حَقِيقَةِ أَنَّهُ بِقَدْرِ مَا كَانَ يَهُمُّهُمْ أَيُّوبُ، لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِمْ مَا يَقُولُونَهُ وَأَيُّوبُ كَانَ فِي حُكْمِ الْمَيْتِ. وَزَوْجَةُ أَيُّوبَ حَثَّتْهُ عَلَى أَنْ يَلْعَنَ اللهَ ثُمَّ يَمُوتَ. وَرُبَّمَا حِينَهَا كَانَ يُفَكِّرُ فِي هَذَا الاقْتِرَاحِ. رُبَّمَا هَذَا مَا كَانَ يَنْبَغِي لَهُ فِعْلُهُ. دَعِ الأَمْرَ يَنْتَهِي. ويُفَارِقُ هَذِهِ الْحَيَاةَ.

ثُمِّ إِنَّ اللهَ كَانَ فِي صَمْتٍ، الْوَضْعُ الَذِي سَيَزْدَادُ بِالطَبْعِ فِي الأَصْحَاحَاتِ التَالِيَةِ. لَمْ يُكَلِّمْهُ اللهُ أَبَدًا، لا بِرُؤْيَةٍ، وَلا بِكَلِمَةٍ، وَلَمْ يُوجَدْ نَبِيٌّ يُشِيرُ عَلَيْهِ، لا شَيْءَ الْبَتَّةَ.

إِنَّ الْمَشَاعِرَ وَالأَفْكَارَ الَتِي دَارَتْ فِي ذِهْنِ أَيُّوبَ وَعَبَّرَ عَنْهَا هُنَا، صَادِمَةٌ وَصَاعِقَةٌ. فَقَدْ لَعَنَ الْيَوْمَ الَذِي وُلِدَ فِيهِ، حِينَ قَالَتِ الْقَابِلَةُ "قَدْ حُبِلَ بِرَجُلٍ". إِذْ قَالَ: "وَلَا يَدْخُلَنَّ فِي عَدَدِ الشُّهُورِ". وَفِي وَقْتِ الْفَرَحِ، فِي الآيَةِ ٧ يَقُولُ: "لَا يُسْمَعْ فِيهِ هُتَافٌ". أَتَعْلَمُونَ، حِينَ أَسْتَرْجِعُ ذِكْرَى مِيلادِ ابْنَتِي. وَأَسْتَرْجِعُ ذِكْرَى مِيلادِ ابْنِي. كَانَ فِي ذَلِكَ التَوْقِيتِ فِي بَرِيطَانْيَا نَوْعٌ مِنَ الْوَعْيِ الاجْتِمَاعِيِّ بِضَرُورَةِ وُجُودِ الزَوْجَيْنِ وَحُضُورِهِما وَقْتَ الْوِلادَةِ. فَقَبْلَ ذَلِكَ بِوَقْتٍ قَصِيرٍ، لَمْ يَكُنْ يَحْدُثُ هَذَا. كَانَ هَذَا فِي حِقْبَةٍ مَا، فِي زَمَنِ السِتِينِيَّاتِ أَوِ السَبْعِينِيَّاتِ أَوْ ما يَقْرُبُ مِنْ ذَلِكَ، عَلَى الأَقَلِّ فِي بَرِيطَانْيَا. وَكُنْتُ هُنَاكَ وَقْتَئِذٍ، وَأَتَذَكَّرُ شُعُورَ الْفَرَحِ وَالسُرُورِ، وشُعُورَ النَشْوَةِ. فَهُوَ يُرِيدُ لَوِيَاثَانَ، فِي الآيَةِ ٨ مِنَ الأَصْحَاحِ ٣، ذَلِكَ الْوَحْشَ الْكَاسِرَ، وَحْشَ الْخَرَابِ وَالْفَوْضَى. وَسَنَعُودُ إِلَيْهِ لاحِقًا. فَهُوَ مَذْكُورٌ هُنَا، وَمَذْكُورٌ مَرَّةً أُخْرَى فِي الأَصْحَاحَاتِ ٣٨ وَ٣٩ وَ٤٠ مِنْ سِفْرِ أَيُّوبَ. مَهْمَا كَانَ هَذَا الْمَخْلُوقُ تَحْدِيدًا، هَذَا مَخْلُوقُ خَرَابٍ، هَذَا مَخْلُوقٌ مُرْتَبِطٌ بِكُلِّ مَا هُوَ شَرٌّ، "فَلْيَنْهَضْ هَذَا الْوَحْشُ وَيَلْعَنِ الْيَوْمَ الَذِي وُلِدْتُ فِيهِ، وَلْيُمْحَ أَبَدًا كَمَا لَوْ أَنَّهُ لَمْ يُوجَدْ". أَمَّا النِصْفُ الثَانِي مِنَ الأَصْحَاحِ ٣ عِبَارَةٌ عَنْ رِثَاءٍ كَامِلٍ صَرِيحٍ. فِيهِ يَتَمَنَّى أَيُّوبُ لَوْ لَمْ يَكُنْ قَدْ وُلِدَ، وَيَطْرَحُ سَيْلًا مِنَ الأَسْئِلَةِ. إِنَّهَا مَعْرَكَةٌ، إِنَّهَا مَعْرَكَةٌ إِيمَانِيَّةٌ تُشَنُّ، عَلَى إِيمَانِهِ بِاللهِ، عَلَى إِيمَانِهِ بِمَا يَكُونُ عَلَيْهِ اللهُ. فَيَقُولُ فِي الآيَةِ ١١:"لِمَ لَمْ أَمُتْ مِنَ الرَّحِمِ؟ عِنْدَمَا خَرَجْتُ مِنَ الْبَطْنِ، لِمَ لَمْ أُسْلِمِ الرُّوحَ؟ لِمَاذَا أَعَانَتْنِي الرُّكَبُ، وَلِمَ الثُّدِيُّ حَتَّى أَرْضَعَ؟ لِأَنِّي قَدْ كُنْتُ الْآنَ مُضْطَجِعًا سَاكِنًا. حِينَئِذٍ كُنْتُ نِمْتُ مُسْتَرِيحًا مَعَ مُلُوكٍ وَمُشِيرِي الْأَرْضِ، الَّذِينَ بَنَوْا أَهْرَامًا لِأَنْفُسِهِمْ، أَوْ مَعَ رُؤَسَاءَ لَهُمْ ذَهَبٌ، الْمَالِئِينَ بُيُوتَهُمْ فِضَّةً".

وَمَا إِلَى ذَلِكَ. جَنِينٌ جَهِيضٌ. هَذَا لَيْسَ انْتِحَارًا. هُنَاكَ مُتَّسَعٌ مِنَ الْوَقْتِ لِلْحَدِيثِ عَنِ الانْتِحَارِ. فَأَنَا كُنْتُ أَعْرِفُ مُؤْمِنِينَ، مَسِيحِيِّينَ حَقِيقِيِّينَ، وَضَعُوا حدًّا لِحَيَاتِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ. لَقَدْ فَقَدُوا كُلَّ الْمَعْنَى بِالْهَدَفِ فِي هَذَا الْعَالَمِ، أَيًّا كَانَ سَبَبُ ذَلِكَ. كَمَا أُؤْمِنُ بِأَنَّ الْمُؤْمِنِينَ، أَبْنَاءَ اللهِ الْمَوْلُودِينَ ثَانِيَةً، الَذِينَ انْتَحَرُوا قَدْ خَلُصُوا، وَهُمُ الآنَ فِي مَحْضَرِ اللهِ. كَمَا أَنِّي قَدْ مَرَرْتُ بِتَجْرِبَةِ حُضُورِ فِي الْغَالِبِ عَشَرَاتِ الْجِنَازَاتِ لِمِثْلِ هَذِهِ الْحَوَادِثِ. لَكِنَّ هَذَا لَيْسَ مَا يَتَحَدَّثُ عَنْهُ النَصُّ. فَمَا يَقُولُهُ أَيُّوبُ، كَمَا أَعْتَقِدُ: "فَلْيَقُمِ اللهُ بِذَلِكَ. فَلْيَمْحِ هَذَا الْيَوْمَ كَمَا لَوْ أَنِّي لَمْ أُولَدْ قَطُّ". هُوَ يَتَحَدَّثُ عَنِ الْحَيَاةِ هُنَا كَمَا لَوْ أَنَّهَا بُؤْسٌ. انْظُرُوا إِلَى الآيَةِ ٢٠: "وَحَيَاةٌ لِمُرِّي النَّفْسِ؟" وَفِي الآيَةِ ٢٤، يَتَكَلَّمُ عَنِ الأَنِينِ وَالزَفَرَاتِ. وَفِي الآيَةِ ٢٥ يَتَكَلَّمُ عَنْ أَنَّ ارْتِعَابَ كَوَابِيسِ اللَيْلِ غَدَتْ حَقِيقَةً: "لِأَنِّي ارْتِعَابًا ارْتَعَبْتُ فَأَتَانِي، وَالَّذِي فَزِعْتُ مِنْهُ جَاءَ عَلَيَّ". وَفِي الآيَةِ الأَخِيرَةِ يَقُولُ: "لَمْ أَطْمَئِنَّ وَلَمْ أَسْكُنْ وَلَمْ أَسْتَرِحْ، وَقَدْ جَاءَ الرُّجْزُ".

لا يُمْكِنُنِي تَخَيُّلُ أَنَّنَا سَنَرْغَبُ فِي أَنْ يَكُونَ هَذَا الأَصْحَاحُ هُوَ أَصْحَاحُنَا الْمُفَضَّلُ مِنَ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ. إِذْ يَحْمِلُ النَصُّ قَدْرًا كَبِيرًا مِنَ التَهَكُّمِيَّةِ هُنَا، وَقَدْرًا مِنَ الْعَدَمِيَّةِ هُنَا. إِنَّهُ ظُلْمَةٌ قَاتِمَةٌ. عِنْدَمَا فَقَدَ سِي. إِسْ. لُوِيسْ زَوْجَتَهُ كَتَبَ عَنْ هَذَا الشُعُورِ، عَنْ تَجْرِبَةِ الْفُقْدَانِ. فَعَبَّرَ عَمَّا شَعَرَ بِهِ قَائِلًا، بَعْدَ مُرُورِ شَهْرٍ مِنْ فُقْدَانِ زَوْجَتِهِ، إِنَّهُ شَعَرَ بِتِلْكَ التَهَكُّمِيَّةِ. فَقَدْ غَمَرَهُ هذا الشُعُورُ وَتَسَاءَلَ: مَا الْهَدَفُ مِنْ كُلِّ هَذَا؟ مَا الْقَصْدُ مِنْ كُلِّ هَذَا؟ إِنَّ الْحَيَاةَ تُشْبِهُ سَرَابًا. فَظَنَّ أَنَّهُ "مَا مِنْ هَدَفٍ مِنَ الْحَيَاةِ"، وَغَمَرَهُ هَذَا النَمَطُ الْمِزَاجِيُّ.

لَقَدْ قُدِّرَ لَنَا الْمُعَانَاةُ. إِنَّهَا فَصْلٌ مِنْ فُصُولِ الْحَيَاةِ. حَتَّى إِنَّهُ قَدْ قِيلَ لَنَا: "طُوبِى لِلْحَزَانَى". فَأَنَا أَقْبَلُ الْأَمْرَ. لَمْ أَتْرُكْ أَيَّ شَيْءٍ لَمْ أُسَاوِمْ عَلَيْهِ. بِالطَبْعِ، الْأَمْرُ يَخْتَلِفُ حِينَ يُصِيبُنَا نَحْنُ أَنْفُسَنا، وَلَيْسَ الْآخَرِينَ. وَفِي الْوَاقِعِ، لَيْسَ فِي الْخَيَالِ. لَيْسَ أَنِّي، كَمَا أَظنُّ، عُرْضَةً بشكلٍ كبيرٍ للتَخَلِّي عَنِ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ. إِنَّمَا الْخَطَرُ الْحَقِيقِيُّ يَنْبُعُ مِنَ الْإِيمَانِ بِمِثْلِ تِلْكَ الْأُمُورِ الْمُرَوِّعَةِ بِشَأْنِ شَخْصِهِ. فَالِاسْتِنْتَاجُ الَذِي أَخَافُ مِنْهُ لَيْسَ "الاسْتِنْتَاجَ أَنَّهُ مَا مِنْ إِلَهٍ فِي النِهَايَةِ"؛ بَلْ "السُؤَالُ: هَلْ هَذَا مَا يَبْدُو عَلَيْهِ اللَّهُ حَقًا؟ كُفَّ عَنْ خِدَاعِ نَفْسِكَ!" مَاذَا يَعْنِي الْبَشَرُ حِينَ يَقُولُونَ: "أَنَا لَا أَخَافُ مِنَ اللَّهِ لِأَنِّي أَعْلَمُ أَنَّهُ إِلَهٌ صَالِحٌ؟" هَلْ سَبَقَ لَهُمْ أَنْ ذَهَبُوا إِلَى طَبِيبِ أَسْنَانٍ قَبْلًا؟ سَوَاءٌ أَمْسَكْتَ بِذِرَاعَيْ مَقْعَدِ طَبِيبِ الْأَسْنَانِ أَوْ أرْخَيْتَ يَدَيْكَ عَلَى سَاقَيْكَ، لا يَهُمُّ فَالْمِثْقَابُ يَقُومُ بِعَمَلِهِ.

هَذَا مَا قَالَهُ سِي أَسْ لُوِيس. نَعَمْ بِالطَبْعِ ذَهَبَ لُوِيسُ إِلَى عِيَادَةِ أَسْنَانٍ بَرِيطَانِيَّةٍ.

نَعَمْ، يَا لَهُ مِنْ أَصْحَاحٍ مُحْزِنٍ لِلْغَايَةِ. يَسُودُهُ الْحُزْنُ وَتَعْتَرِيهِ الْبَلِيَّةُ وَتُخَيِّمُ عَلَيْهِ الظُلْمَةُ؛ كَالْمَزْمُورِ ٨٨ حَيْثُ تَقُولُ الآيَةُ الأَخِيرَةُ: "مَعَارِفِي فِي الظُّلْمَةِ". يَا لَهَا مِنْ ظُلْمَةٍ حَالِكَةٍ، إِنْ كَانَ الصَدِيقُ الْوَحِيدُ الَذِي لَكَ هُوَ الظُلْمَةُ.

الآنَ، أُرِيدُ أَنْ أَطْرَحَ سُؤَالًا أَوْ سُؤَالَيْنِ مِنْ هَذَا الأَصْحَاحِ. بِمَاذَا نَسْتَفِيدُ مِنْ هَذَا الأَصْحَاحِ؟ كَيْفَ يَنْبَغِي لَنَا نَحْنُ الْمُؤْمِنِينَ الْمَسِيحِيِّينَ أَنْ نَفْهَمَهُ؟ كَمَا أَرْغَبُ فِي الْحَدَيِثِ عَنْ ٤ أُمُورٍ.

الأَمْرُ الأَوَّلُ يَتَعَلَّقُ بِكَلِمَةِ اللهِ الْمَعْصُومَةِ، أَيِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ. كَتَبَ رِجَالُ اللهُ مَا قَادَهُمُ الرُوحُ الْقُدُسُ لِكِتَابَتِهِ، فَقَدْ كَانُوا مَسُوقِينَ بِالرُوحِ الْقُدُسِ. "كُلُّ الْكِتَابِ"، وَهُنَا يَكْتُبُ بُولُسُ إِلَى تِيمُوثَاوُسَ، مُتَحَدِّثًا عَنِ الْعَهْدِ الْقَدِيمِ، "كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ". وَهُوَ يَسْتَخْدِمُ كَلِمَةً بِعَيْنِهَا هِيَ: ثِيُونِيسْتُوسْ (theopneustos) فَكُلُّ الْكِتَابِ هُوَ نِتَاجُ أَنْفَاسِ اللهِ، كالأَنْفَاسِ الَتِي تَخْرُجُ فِي صَبَاحِ يَوْمٍ بَارِدٍ. نَحْنُ نَعِيشُ فِي فْلُورِيدَا، فَلِذَا عَلَيْنَا الاسْتِعَانَةُ بِمُخَيِّلَتِنَا الآنَ عَنِ الصَبَاحِ الْبَارِدِ. فَحِينَ تَتَنَفَّسُونَ، تَسْتَطِيعُونَ أَنْ تَرَوْا أَنْفَاسَكُمْ. تَسْتَطِيعُونَ رُؤْيَةَ ذَلِكَ، ذَلِكَ النَفَسِ أَمَامَ وُجُوهِكُمْ. فَقَدْ تَنَفَّسَ اللهُ، فَمَاذَا كَانَتِ النَتِيجَةُ؟ الْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ. فَمَاذَا كَانَتِ النَتِيجَةُ؟ الأَصْحَاحُ ٣ مِنْ سِفْرِ أَيُّوبَ. هَذَا مَا هُوَ إِلَّا جُزْءٌ مِنْ كَلِمَةِ اللهِ الْمَعْصُومَةِ، وَلِذَا فَهُوَ "نَافِعٌ لِلتَّعْلِيمِ وَالتَّوْبِيخِ، لِلتَّقْوِيمِ وَالتَّأْدِيبِ الَّذِي فِي الْبِرِّ، لِكَيْ يَكُونَ إِنْسَانُ اللهِ كَامِلًا، مُتَأَهِّبًا لِكُلِّ عَمَلٍ صَالِحٍ".

فَهَذَا الأَصْحَاحُ يَحْمِلُ تَعْلِيمًا مِنْ أَجْلِكُمْ وَمِنْ أَجْلِي. كَثِيرًا مَا أُفَكِّرُ فِي الأَمْرِ هَكَذَا. أَنَا أُسَافِرُ كَثِيرًا، سَفْرِيَّاتٍ كَثِيرَةً جِدًّا. أَسْتَقِلُّ الطَائِرَةَ كَثِيرًا. لَطَالَمَا كَانَ الأَمْرُ مُمْتِعًا. لَكِنَّهُ لَمْ يَعُدْ كَذَلِكَ. أَصْبَحَ فِي الْغَالِبِ نَقِيضَ الْمُتْعَةِ. وَأَنْتُمْ بِدَاخِلِ ذَلِكَ الصُنْدُوقِ الْمَعْدَنِيِّ، وَحَوْلَكُمْ أُنَاسٌ مُلاصِقِينَ لَكُمْ، وَأُنَاسٌ بِعَيْنِهِمْ حَوْلَكُمْ مُلاصِقِينَ لَكُمْ. وَأَحْيَانًا، حِينَ تَسْتَقِلُّونَ إِحْدَى تِلْكَ الطَائِرَاتِ الصَغِيرَةِ، إِنْ كُنْتُمْ تَعِيشُونَ فِي مَدِينَةِ كُولُومْبْيَا بِكَارُولَيْنَا الْجَنُوبِيَّةِ، كَمَا أَعِيشُ أَنَا، أَوْ مِثْلَمَا اعْتَدْتُ أَنْ أَعِيشَ فِي مَدِينَةِ جَاكْسُون بِوِلايَةِ مِيسِيسِبِي، فَفِي الْغَالِبِ مَا تَكُونُ الطَائِرَةُ المُكَمِّلَةُ إِلَى مَدِينَةِ دِيلْتَا إِحْدَى الطَائِرَاتِ الصَغِيرَةِ، وَهِيَ طَائِرَاتٌ كَنَدِيَّةٌ نَفَّاثَةٌ ثُنَائِيَّةُ الْمُحَرِّكِ، وَقَدْ صُمِّمَتْ لِمَنْ طُولُهُمْ لَا يَتَعَدَّى الْمِتْرَ وَالنِصْفَ وَأَوْزَانُهُمْ لا تَتَعَدَّى ٥٠ كِيلُو جْرَامًا، وَنُحَاوِلُ إِرْكَابَ جَمِيعِ هَؤُلاءِ الرُكَّابِ وَأَمْتِعَتَهُمْ فِي الطَائِرَةِ، وَهُنَاكَ إِحْدَى الْمُضِيفَاتِ أَوْ أَحَدُ الْمُضِيفِينَ الَذِي يُحَاوِلُ الإِشَارَةَ إِلَى حَقِيقَةِ وُجُودِ أَسْفَلَ مَقْعَدِي سُتْرَةَ نَجَاةٍ وَصَفَّارَةٍ، وَسَيُضِيءُ ضَوْءٌ خَافِتٌ، بِمُلامَسَةِ الْمَاءِ، سَيُضِيءُ حِينَ يُلامِسُ الْمِيَاهَ. فِي كَنِيسَتِي، الْكَنِيسَةِ الْمَشْيَخِيَّةِ الأُولَى فِي كُولُومْبْيَا، أَحَدُ الأَعْضَاءِ الَذِي مَرَّ بِتَجْرِبَةِ مَأْسَاةِ رِحْلَةٍ جَوِّيَّةٍ مُرْعِبَةٍ. مَأْسَاةٍ قُتِلَ فِيهَا عَدَدٌ كَبِيرٌ لِلْغَايَةِ. إِذْ قَدِ اصْطَدَمَتِ الطَائِرَةُ بِالْيَابِسَةِ وَتَحَطَّمَتْ. لَكِنَّهُ قَدْ نَجَا مِنْهَا. وَحِينَ أَدْلَى بِاخْتِبَارِهِ، كَانَ مَا جَازَ بِهِ يَحْبَسُ الأَنْفَاسَ، وَكَذَلِكَ حَقِيقَةُ نَجَاتِهِ مِنْهَا. فَرَجَائِي يَسْتَنِدُ إِلَى امْتِلاكِي لِسُتْرَةِ نَجَاةٍ وَصَفَّارَةٍ وَضَوْءٍ.

أَتَعْلَمُونَ، لَمْ أَنْظُرْ قَطُّ لأَرَى مَا إِذَا كَانَتْ فِي مَوْضِعِهَا. مِنَ الْمُفْتَرَضِ أَنَّهَا أَسْفَلُ مَقْعَدِكَ أَوْ إِنْ كَانَتْ فِي دَرَجَةِ رِجَالِ الأَعْمَالِ، سَتَكُونُ فِي مَكَانٍ آخَرَ رُبَّمَا فِي جِرَابٍ صَغِيرٍ عَلَى الْجَانِبِ أَوْ فِي مَكَانٍ آخَرَ. لَكِنَّهَا يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ مَوْجُودَةً. لَكِنِّي فِي الْوَاقِعِ لَمْ أَتَحَقَّقْ مِنْ وُجُودِهَا أبدًا. لَمْ أَقُلْ قَطُّ، كَمَا تَعْلَمُونَ، "انْتَظِرُوا! أَوْقِفُوا كُلَّ شَيْءٍ!" وَأَنْحَنِي بِيَدَيَّ وَرُكْبَتَيَّ عَلَى أَرْضِ الطَائِرَةِ لأَبْحَثَ وَأَتَأَكَّدَ، وَأَتَفَحَّصَ تَارِيخَهَا، هَلِ انْتَهَتْ مُدَّةُ صَلاحِيَّتِهَا؟ لَكِنِّي أَحْيَانًا أَقُولُ فِي قَرَارَةِ نَفْسِي: "حَسَنًا، أَنَا سَعِيدٌ أَنَّهَا فِي مَكَانِهَا. رُبَّمَا سَأَحْتَاجُهَا فِي يَوْمٍ مَا. أَرْجُو أَلَّا أَحْتَاجَ إِلَيْهَا. أَرْجُو أَلَّا أَحْتَاجَ إِلَيْهَا. لَكِنْ رُبَّمَا، سَأَحْتَاجُ إِلَيْهَا فِي يَوْمٍ مَا". كَذَلِكَ الْهُبُوطُ عَلَى النَهْرِ فِي نْيُويُورْكَ. جَمِيعُكُمْ يَعْرِفُ هَذَا الأَمْرَ. وَقَدْ نَجَا كُلُّ مَنْ كَانَ عَلَى مَتْنِهَا. يَا لَهَا مِنْ تَجْرِبَةٍ رَائِعَةٍ، بِأَنْ يَتَمَكَّنَ كُلُّ فَرْدٍ مِنَ النَجَاةِ. كَانُوا جَمِيعُهُمْ يَرْتَدُونَ سُتْرَاتِ نَجَاتِهِمْ. أَيُمْكِنُكُمْ تَخَيُّلُ النَشْوَةِ-حِينَ تَهْبِطُونَ عَلَى نَهْرِ هَدْسُون، وَأَنْتُمْ تُفَتِّشُونَ وَتَبْحَثُونَ لِتُخْرِجُوهَا، وَهَا هِيَ، سُتْرَةُ النَجَاةِ، ثُمَّ تَرْتَدُونَها، وَتَشْعُرُونَ بِالأَمَانِ.

فَهَذَا الأَصْحَاحُ كَسُتْرَةِ النَجَاةِ. فَأَنَا لَمْ أَمُرَّ قَطُّ بِمَا فِي الأَصْحَاحِ ٣ مِنْ سِفْرِ أَيُّوبَ. وَلا أَعْتَقِدُ قَطُّ أَنِّي حَتَّى قَدْ أَقْتَرِبُ مِنْهُ. نَعَمْ، مَرَرْتُ بِأَيَّامٍ مَرِيرَةٍ. فَأَنَا مِنْ شُعُوبِ الْقِلْطِ. دَائِمًا مَا يَكُونُ نِصْفُ الْكُوبِ فَارِغًا. حين كَانَتِ ابْنَتِي لا تَزَالُ فِي ١١ أَوِ ١٢ مِنْ عُمْرِهَا، أَهْدَتْنِي صُورَةً لِشَخْصِيَّةِ إِيُو (Eeyore) الْكَرْتُونِيَّةِ. لأَنَّهُ كَانَ عِيدَ مِيلادِي. فَكَانَ إِيُو يَقُولُ: "طَابَ يَوْمُكَ، إِنْ كَانَ يَوْمًا طَيِّبًا، الأَمْرُ الَذِي كُنْتُ أَشُكُّ فِيهِ". فَاسْتَشْعَرَتْ ابْنَتِي أَنَّ هَذَا وَالِدُهَا. فَهُوَ يُشْبِهُ إِيُو. وَمَا زِلْتُ أَحْتَفِظُ بِهَا عَلَى الْحَائِطِ فِي الْمَنْزِلِ. دَائِمًا مَا تُضْحِكُنِي بَعْضَ الشَيْءِ لأَنَّهَا تَضْرِبُ عَلَى وَتَرٍ حَسَّاسٍ. لَكِنِّي لَمْ أَمُرَّ بِهَذَا قَبْلًا، لَمْ أَمُرَّ بِمَا فِي الأَصْحَاحِ ٣ مِنْ سِفْرِ أَيُّوبَ قَطُّ. وَأَرْجُو أَلَّا أَمُرَّ بِمَا فِي الأَصْحَاحِ ٣ مِنْ سِفْرِ أَيُّوبَ أَبَدًا. فَأَنَا لا أَتَمَنَّى أَنْ أَجْتَازَ بِمَا اجْتَازَ أَيُّوبُ بِهِ فِي هَذَا الأَصْحَاحِ. لَكِنَّ بَعْضَ أَبْنَاءِ اللهِ قَدْ مَرُّوا بِهَذَا قَبْلًا. أَحَدُ أَتْقَى الْبَشَرِ الَذِينَ عَرَفَهُمْ هَذَا الْعَالَمُ عَلَى الإِطْلاقِ قَدِ اجْتَازَ بِهَذَا. إِنَّهُ أَيُّوبُ نَفْسُهُ. وَإِرْمِيَا النَبِيُّ، فِي الأَصْحَاحِ ٢٠ مِنْ سِفْرِ إِرْمِيَا يَذْكُرُ مَا فِي الأَصْحَاحِ ٣ مِنْ سِفْرِ أَيُّوبَ. فَفِي الأَصْحَاحَيْنِ ١٩ وَ٢٠، بَعْدَمَا أَمْضَى اللَيْلَةَ مُقَيَّدًا فِي الْمِقْطَرَةِ، ذَكَرَ هَذَا الأَصْحَاحَ تَحْدِيدًا. لِذَا، فَهِيَ كَلِمَةُ اللهِ الْمَعْصُومَةُ، وَسَتُعَلِّمُنِي أَمْرًا مَا.

الأَمْرُ الثَانِي، يَجِبُ أَنْ نُرَاعِيَ مَا قَدْ يَمُرُّ بِهِ الْمُؤْمِنُونَ أَوْ يَجْتَازُونَ فِيهِ فِعْلًا. يَجِبُ أَنْ نَكُونَ حَسَّاسِينَ لِذَلِكَ. رُبَّمَا هَذا لَيْسَ اخْتِبَارِي. لَكِنْ قَبْلَ أنْ تُصَرِّحُوا بِتَعْلِيقَاتِ إِدَانَةٍ وَتَلْمِيحَاتٍ إِلَى الآخَرِينَ، لا بُدَّ مِنْ أَنْ نَتَحَلَّى بِالإِحْسَاسِ الرَهِيفِ بِحَقِيقَةِ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ الآخَرِينَ، الْمَسِيحِيِّينَ الآخَرِينَ، جَازُوا وَمَرُّوا بِظُرُوفٍ حَالِكَةِ الظُلْمَةِ.

أَمَّا الأَمْرُ الثَالِثُ الَذِي أَوَدُّ أَنْ أَقُولَهُ، وَمِنَ الْمُهِمِّ تَذَكُّرُهُ، إِنَّ اللهَ لَمْ يُسارِعْ إِلَى تَوْبِيخِهِ. رُبَّمَا تَوَقَّعْتُمُ التَالِي: أَنْ يَتَدَخَّلَ اللهُ وَيَقُولَ لأَيُّوبَ: "أَيُّوبُ، لا يَصِحُّ أَنْ تَقُولَ أَنْتَ هَذَا. لا يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تَتَفَوَّهَ بِهَذَا الْكَلامِ". فَمَا مِنِ تَوْبِيخٍ هُنَا. الآنَ، هَلْ أَرَى أَنَّ أَيُّوبَ تَخَطَّى حُدُودَهُ؟ بِكُلِّ تَأْكِيدٍ تَخَطَّى أَيُّوبُ حُدُودَهُ. بِالطَّبْعِ قَدْ تَخَطَّى أَيُّوبُ حُدُودَهُ. فَمَا مِنْ جِدَالٍ بِشَأْنِ ذَلِكَ. لَكِنْ نَحْنُ نَسْتَوْعِبُ الأَمْرَ. كَمَا أَنَّنَا مُتَعَاطِفُونَ مَعَهُ. كَمَا إِلَهُنَا، نَعَمْ، هَذَا الإِلَهُ ذُو السِيَادَةِ، سَنَطْرَحُ أَسْئِلَةً فِي غَايَةِ الصُعُوبَةِ عَنْ شَخْصِ اللهِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمُعَانَاةِ وَالأَلَمِ، لَكِنَّ إِلَهَنَا إِلَهٌ رَؤُوفٌ أَيْضًا. لَقَدْ جَازَ ابْنُهُ فِي ظُلْمَةٍ حَالِكَةٍ كَهَذِهِ، وَلَمْ يَنْطِقْ بِمِثْلِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ، بَلِ اخْتَبَرَ مَعْنَى الْوُجُودِ فِي حَالَةٍ لَمْ يَرْغَبْ أَنْ يَمُرَّ بِهِ. فَفِي بُسْتَانِ جَثْسَيمَانِي، كَأَنَّ الرَبَّ يَسُوعَ نَفْسَهُ قَالَ: "أَمَا مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ؟ فَأَنَا لا أُرِيدُ أَنْ أَسِيرَ فِي هَذَا الطَرِيقِ. أَنَا لا أَرْغَبُ فِي أَنْ تَنْكَشِفَ الْعِنَايَةُ الإِلَهِيَّةُ كَمَا أَرَاهَا تَنْكَشِفُ أَمَامِي". مِنَ الْمُهِمِّ مُلاحَظَةُ أَنَّ اللهَ لَمْ يُسارِعْ إِلَى تَوْبِيخِهِ.

مِنْ ثَمَّ، الأَمْرُ الرَابِعُ الَذِي أَرْغَبُ فِي رُؤْيَتِهِ يَتَمَثَّلُ فِي مَبْدَأٍ. فِي الآيَةِ ١٥ مِنَ الأَصْحَاحِ ٤ مِنَ الرِسَالَةِ إِلَى الْعِبْرَانِيِّينَ نَقْرَأُ: "لِأَنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلَا خَطِيَّةٍ". "يَا أَبَتَاهُ، إِنْ أَمْكَنَ فَلْتَعْبُرْ عَنِّي هَذِهِ الْكَأْسُ، وَلَكِنْ لَيْسَ كَمَا أُرِيدُ أَنَا بَلْ كَمَا تُرِيدُ أَنْتَ".

إِنَّ الرَبَّ يَسُوعَ الْمَسِيحَ كَانَ يَعْلَمُ مَا يَعْنِيهِ بِأَنْ يَتْرُكَكَ اللهُ. "إِلَهِي، إِلَهِي، لِمَاذَا تَرَكْتَنِي؟" فَقَدِ افْتَقَدَ دَاخِلَهُ إِلَى الشُعُورِ بِحُضُورِ اللهِ وَمَحَبَّتِهِ، وَالشُعُورِ بِإِحْسَانِ اللهِ وَعِنَايَتِهِ. لَمْ يَصْرُخْ قَائِلًا: "أَبِي، أَبِي"، بَلْ صَرَخَ قَائِلًا: "إِلَهِي، إِلَهِي" كَأَنَّ كُلَّ مَا كَانَ يُدْرِكُهُ فِي تِلْكَ اللَحْظَةِ هُوَ أَنَّ اللهَ قَدْ تَرَكَهُ وَهَجَرَهُ. وَكَذَلِكَ أَيُّوبُ هُنَا فِي ذَلِكَ الأَصْحَاحِ.

لِأَنْ لَيْسَ لَنَا رَئِيسُ كَهَنَةٍ غَيْرُ قَادِرٍ أَنْ يَرْثِيَ لِضَعَفَاتِنَا، بَلْ مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلَا خَطِيَّةٍ.