المحاضرة 1: أَيُّوبُ، وَالشَيْطَانُ، وَاللهُ | خدمات ليجونير
 

المحاضرة 1: أَيُّوبُ، وَالشَيْطَانُ، وَاللهُ

الآنَ، سَوْفَ نَدْرُسُ مَعًا سِفْرَ أَيُّوبَ، بِكُلِّ أَصْحَاحَاتِهِ ٤٢؛ وَالْيَوْمَ سَنَبْدَأُ بِالأَصْحَاحِ الافْتِتَاحِيِّ، أَيُّوبَ الأَصْحَاحَ ١. فَلْنَبْدَأْ بالآيَةِ ١: "كَانَ رَجُلٌ فِي أَرْضِ عَوْصَ اسْمُهُ أَيُّوبُ. وَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ كَامِلًا وَمُسْتَقِيمًا، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ".

فِي الْقَرْنِ ١٧، وَاعِظٌ مَشْيَخِيٌّ اسْكُتْلَنْدِيٌّ يُدْعَى جُورْج هَاتْشِينْسُونْ (George Hutchinson) أَلْقَى ٣١٦ عِظَةٍ مِنْ سِفْرِ أَيُّوبَ. ثُمَّ أَتَى جُوزِيف كَارُول (Carroll Joseph)، وَهُوَ أَشْهَرُ مِنْهُ، وَكَانَ فِي لُنْدُنَ؛ ثُمَّ خَلَفَهُ جُونْ أُوِين (John Owen) فِي الْكَنِيسَةِ فِي لُنْدُن، وَقَضَى ٢٣ عَامًا يَعِظُ مِنْ أَصْحَاحَاتِ سِفْرِ أَيُّوبَ، مُلْقِيًا ٤٢٤ عِظَةٍ. وَفِي عِظَتِهِ الأَخِيرَةِ كَتَبَ: "لَمْ أَصِلْ إِلَى فَهْمٍ وَاضِحٍ لِبَعْضِ النُصُوصِ". مِنَ الصَعْبِ تَخَيُّلُ أَنْ أبْتَعِدَ عَنِ الْكَنِيسَةِ ١٥ عَامًا أَوْ ٢٠ عَامًا، ثُمَّ أَعُودُ إِلَيْهَا لأَجِدَهُ لا يَزَالُ يَعِظُ مِنْ سِفْرِ أَيُّوبَ. نَعَمْ، سَنَدْرُسُ سِفْرَ أَيُّوبَ لَكِنْ عَلَى مُدَّةٍ زَمَنِيَّةٍ أَقْصَرَ؛ عَلَى مَدَارِ ١٢ مُحَاضَرَةً تَقْرِيبًا.

يُثِيرُ سِفْرُ أَيُّوبُ بَعْضَ أَصْعَبِ الأَسْئِلَةِ في شَتَّى أُمُورِ الْحَيَاةِ. أَسْئِلَةَ "لِمَاذَا؟" وَ"لِمَاذَا أَنَا؟" وَ"لِمَاذَا الأَلَمُ؟" وَ"لِمَاذَا بِهَذِهِ الْقَسْوَةِ؟" وَ"لِمَاذَا الآنَ؟" وَ"لِمَاذَا بِهَذِهِ الطَرِيقَةِ تَحْدِيدًا؟" يُثِيرُ السِفْرُ مَسَائِلَ لاهُوتِيَّةً وَأُخْرَى فَلْسَفِيَّةً، وَأَسْئِلَةً عَنِ الْعَلاقَةِ بَيْنَ الأَلَمِ وَالْخَطِيَّةِ، وَالْعَلاقَةِ بَيْنَ الْخَيْرِ وَالشَرِّ، وَهَلِ اللهُ ذُو سِيَادَةٍ وَمُتَجَبِّر، أَمْ لَهُ الإِرَادَةُ وَلَكِنَّهُ فَاقِدُ السِيَادَةِ؟ يُثِيرُ السِفْرُ أسئلة كثيرة، ما نشير إليها بعبارة "الْعَدَالَةِ الإِلَهِيَّةِ"، تَبْرِيرُ تَعَامُلاتِ اللهِ. كَيْفَ يَكُونُ اللهُ عَادِلًا فِي ظِلِّ قَسْوَةِ الْمُعَانَاةِ الَتِي جُرِّبَ بِهَا أَيُّوبُ، فِي الأَصْحَاحَيْنِ ١، ٢؟

يَعْرِضُ لَنَا الأَصْحَاحُ ١ السِيَاقَ فِي صُورَةِ مَشْهَدٍ تَمْهِيدِيٍّ. يَنْبَغِي لَنَا إِدْرَاكُ أَنَّ أَيُّوبَ ذَاتَهُ لَمْ يَعْلَمْ بِمَا يَحْتَوِيهِ هَذَانِ الأَصْحَاحَانِ مِنْ أَحْدَاثٍ. هَذِهِ الْمَعْلُومَاتُ هِيَ لَنَا. ثُمَّ نَقْرَأُ حِوَارًا مُطَوَّلًا بَيْنَ أَيُّوبَ وَأَصْدِقَائِهِ الثَلاثَةِ، ثُمَّ بَيْنَ أَيُّوبَ وَأَلِيهُو، وَفِي النِهَايَةِ بَيْنَ أَيُّوبَ وَاللهِ نَفْسِهِ. إِنَّمَا الأَصْحَاحَانِ الأَوَّلانِ يَمْنَحَانِنَا تَمْهِيدًا إلى المعاناةِ والأَلَمِ. تَبْدَأُ الشَخْصِيَّاتُ الرَئِيسِيَّةُ فِي الظُهُورِ. أَوَّلًا، أَيُّوبُ. ثَانِيًا، إِبْلِيسُ، أَوِ الشَيْطَانُ. ثَالِثًا، اللهُ.

أَوَّلُ شَخْصِيَّةٍ هِيَ أَيُّوبُ. أَنَا أُؤْمِنُ أَنَّ أَيُّوبَ شَخْصِيَّةٌ تَارِيخِيَّةٌ. إِذْ ذَكَرَهُ حِزْقِيَالُ فِي الأَصْحَاحِ ١٤ مِنْ نُبُوَّتِهِ مَعَ نُوحٍ. مِنَ الْمُحْتَملِ أَنَّهُ قَدْ عَاصَرَ إِبْرَاهِيمَ، وَرُبَّمَا قَبْلَهُ بِزَمَنٍ قَصِيرٍ، مَعَ أَنَّه يُحْتَمَلُ أنَّ السِفْرَ نَفْسَهُ قَدْ دُوِّنَ بَعْدَ هَذِهِ الْحِقْبَةِ. أَتَى أَيُّوبُ مِنْ عَوْصَ، وَهِيَ مِنْطَقَةٌ فِي الصَحْرَاءِ الْعَرَبِيَّةِ. أَيْ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ، رُبَّمَا لِيُمَثِّلَ الْبَشَرِيَّةَ جَمْعَاءَ فِي الْعُمُومِ. وَلَمْ يُذْكَرْ لَهُ نَسَبٌ. لَكِنْ هُنَاكَ آيَةٌ تَرَدَّدَتْ ٣ مَرَّاتٍ، مَرَّتَيْن فِي الأَصْحَاحِ ١ وَمَرَّةً فِي الأَصْحَاحِ ٢، تَقُولُ إِنَّهُ كَانَ "كَامِلًا وَمُسْتَقِيمًا، يَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ". تَمَتَّعَ أَيُّوبُ بأَرْبَعِ صِفَاتٍ وَهِيَ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ وَيَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَرِّ. تَرَوْنَهَا فِي الآيَةِ ١، الآيَةِ الَتِي افْتَتَحَ بِهَا الْكَاتِبُ السِفْرَ، ثُمَّ يَقُولُ اللهُ بِفَمِهِ هَذَا أَيْضًا عَنْ أَيُّوبَ فِي الآيَةِ ٨ مِنَ الأَصْحَاحِ ١، وَالآيَةِ ٣ مِنَ الأَصْحَاحِ ٢. فَقَدِ اسْتُعْلِنَتْ تَقْوَاهُ. رُبَّمَا كَانَ أَتْقَى إِنْسَانٍ عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ. كَمَا نَعْلَمُ أَنَّهُ كَانَ فَاحِشَ الثَرَاءِ. وَكَانَ مُتَزَوِّجًا بِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ. وَنَعْلَمُ أَيْضًا أَنَّ لَهُ ١٠ أَبْنَاءٍ، مَاتُوا جَمِيعًا فِي الأَصْحَاحِ ١. لَكِنَّهُ كَانَ تَقِيًّا. هَذَا يُعِدُّنا لِنُدْرِكَ أَنَّ الأَلَمَ الَذِي اخْتَبَرَهُ، لَيْسَ لأنَّهُ لَمْ يَكُنْ بَارًّا أَوْ تَقِيًّا. نَحْنُ نُدْرِكُ لِمَاذَا يَتَأَلَّمُ الأَشْرَارُ، أَلَيْسَ كَذَلِكَ؟ أَوْ عَلَى الأَقَلِّ نُرِيدُ أَنْ نُفَكِّرَ بِهَذِهِ الطَرِيقَةِ، أَنَّ الأَشْرَارَ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَلَّمُوا. إِنْ كَانَ يَجِبُ أَنْ يَتَأَلَّمَ أَحَدٌ فِي الْعَالَمِ، فَهُمُ الأَشْرَارُ. لَكِنَّ مُشْكِلَةَ سِفْرِ أَيُّوبَ أَنَّ لَدَيْنَا رَجُلًا تَقِيًّا، فِي الْوَاقِعِ قَدْ يَكُونُ الرَجُلَ الأَتْقَى عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ فِي زَمَنِهِ، يَخْتَبِرُ هَذِهِ الصَدْمَةَ وَهَذَا الأَلَمَ الْقَاسِي الْعَنِيفَ.

إِنَّ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ الثَلاثَ عَنْ تَقْوَى أَيُّوبَ –أنَّهُ كَامِلٌ وَمُسْتَقِيمٌ، وَيَتَّقِي اللهَ وَيَحِيدُ عَنِ الشَّرِّ– تُؤَكِّدُ عَلَى تَمَسُّكِ أَيُّوبَ وَإِصْرَارِهِ عَلَى بَرَاءَتِهِ. هُنَا نُوَاجِهُ بَعْضَ الْمُشْكِلاتِ حِيَالَ مُعَانَاةِ الْبَرِيءِ أَحْيَانًا، مِمَّا يَدْفَعُنَا لِنَقُولَ: "مَا مِنْ إِنْسَانٍ بَرِيءٍ!" لَكِنَّ أَيُّوبَ كَانَ بَرِيئًا. لَمْ يَكُنْ بِلا خَطِيَّةٍ، فَهُوَ مِنْ نَسْلِ آدَمَ، وَقَدْ وَرِثَ الْخَطِيَّةَ الأَصْلِيَّةَ، لَكِنْ مَا مِنْ رَابِطٍ هُنَا بَيْنَ أَيَّةِ خَطِيَّةٍ اقْتَرَفَهَا وَالأَلَمِ. وَبِالتَالِي نَسْتَطِيعُ أَنْ نَقُولَ إِنَّ أَيُّوبَ مِثَالٌ عَلَى أَلَمِ الأَبْرِيَاءِ. يَحْمِلُ إِنْجِيلُ يُوحَنَّا فِي الأَصْحَاحِ ٩ مِثَالًا آخَرَ وَهُوَ الْمَوْلُودُ أَعْمَى. كَمَا تَتَذَكَّرُونَ، فَقَدْ سَأَلَ التَلامِيذُ الرَبَّ يَسُوعَ: مَنْ أَخْطَأَ: هَذَا أَمْ أَبَوَاهُ حَتَّى وُلِدَ أَعْمَى؟ أَجَابَ يَسُوعُ: "لَا هَذَا أَخْطَأَ وَلَا أَبَوَاهُ، لَكِنْ لِتَظْهَرَ أَعْمَالُ اللهِ فِيهِ". وَهَذَا أَيْضًا يَدْعَمُ ادِّعَاءَ أَيُّوبَ الْبَرَاءَةَ.

وَبِالتَالِي يُؤَدِّي هَذَا إِلَى تَفَاقُمِ الْمُشْكِلَةِ. لِمَاذَا يَتَأَلَّمُ الإِنْسَانُ التَقِيُّ؟ فَفِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، انْشَقَّتِ الأَرْضُ وَابْتَلَعَتْ حَيَاةَ أَيُّوبَ. مِنْ خِلالِ عَوَاصِفَ مُتَتَالِيَةٍ عَلَى مَا بَدَا أَنَّهُ حَفْلُ عِيدِ مِيلادٍ. فَقَدَ أَيُّوبُ كُلَّ شَيْءٍ. فَقَدَ ثَرْوَتَهُ وَرَأْسَ مَالِهِ وَدَخْلَهُ. فَقَدَ كُلَّ شَيْءٍ. وَالأَهَمُّ فُقْدَانُهُ لأَبْنَائِهِ الْعَشَرَةِ، فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ، وَبِضَرْبَةٍ وَاحِدَةٍ. يَصْعُبُ تَخَيُّلُ كَيْفَ يَبْدُو فُقْدَانُ طِفْلٍ وَاحِدٍ. اتِّصَالٌ هَاتِفِيٌّ مِنَ الشُرْطَةِ. ثُمَّ طَرْقٌ عَلَى الْبَابِ، وإذا رِجَالٌ فِي زِيٍّ مُوَحَّدٍ بِوُجُوهٍ مُتَجَهِّمَةٍ، يَقُولُونَ: "أَتَسْمَحُ لَنَا بِالدُخُولِ؟" وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُمْ لا يَحْمِلُونَ أَخْبَارًا سَارَّةً عَنِ ابْنٍ، أَوْ عَنِ ابْنَةٍ، لَكِنْ فِي حَالَتِنَا هَذِهِ عَنْ ١٠ أَبْنَاءٍ. فُقِدُوا جَمِيعًا، مَاتُوا، قُتِلُوا. فَاجِعَةٌ تُبَاغِتُكَ وَتَتْرُكُكَ فِي حَالَةِ أَلَمٍ وَدَمَارٍ وَخَسَارَةٍ فَادِحَةٍ. وَهَا هُوَ أَيُّوبُ. رُبَّمَا يُمْكِنُكُمْ تَخَيُّلُ أَحَدِ أَبْنَائِهِ يَعْمَلُ فِي بُرْجِ التِجَارَةِ الْعَالَمِيِّ. فَأَيُّوبُ رَجُلٌ ذُو سُمْعَةٍ طَيِّبَةٍ فِي هَذِهِ الْمَدِينَةِ. وَإِحْدَى بَنَاتِهِ تَعْمَلُ مُضِيفَةً عَلَى الْخُطُوطِ الْجَوِّيَّةِ الأَمْرِيكِيَّةِ، وَهَكَذَا. وَلَكُمْ أَنْ تَتَخَيَّلُوا الْمَشْهَدَ. أَوْ رُبَّمَا يَأْلَفُ جَمِيعُكُمْ هَذَا الْمَشْهَدَ جَيِّدًا، لأَنَّكُمْ ذُقْتُمْ شَيْئًا مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ فِي حَيَاتِكُمْ. وَالْكِتَابُ الْمُقَدَّسُ يَتَنَاوَلُ الأَمْرَ هُنَا؛ بِشَكْلٍ مُبَاشِرٍ، إِنْ جَازَ التَعْبِيرُ. فِي الْوَاقِعِ، أَحَدُ أَقْدَمِ أَسْفَارِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ الْقَانُونِيَّةِ يَتَنَاوَلُ هَذِهِ الْمُعْضِلَةَ تَحْدِيدًا. فِي الأَصْحَاحِ التَالِي، فَقَدَ أَيُّوبُ عَافِيَتَهُ. سَنَتَنَاوَلُ هَذَا فِي الْمُحَاضَرَةِ ٢. تَتَفَاقَمُ الأُمُورُ مِنْ سَيِّئٍ إِلَى أَسْوَأَ. لَكِنْ قَبْلَ أَيِّ شَيْءٍ، نَتَعَرَّفُ عَلَى أَيُّوبَ، الرَجُلِ التَقِيِّ، الَذِي يُعَدُّ الإنْسَانَ الأتْقَى عَلَى وَجْهِ الأَرْضِ. لَكِنَّهُ اخْتَبَرَ فِي حَيَاتِهِ هَذِهِ الْخَسَارَةَ الْمُرِيعَةَ الَتِي تُذْهِبُ الْعَقْلَ.

أَمَّا الشَخْصِيَّةُ الثَانِيَةُ الَتِي فِي الأَصْحَاحِ ١، هِيَ إبْلِيسُ؛ وَهْوَ حَرْفِيًّا "الشَيْطَانُ"، وَالْعَدُوُّ. إِنَّهُ لَقَبٌ أَكْثَرُ مِنْ كَوْنِهِ اسْمًا. وَيَصِفُ مَا هُوَ عَلَيْهِ، فَهُوَ الْعَدُوُّ، وَهُوَ الْمُقَاوِمُ. لا يَظْهَرُ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ آخَرَ فِي السِفْرِ. وَهَذَا مُحَيِّرٌ؛ لا يَظْهَرُ فِي مُحَادَثَةِ الأَصْدِقَاءِ؛ وَلا يَظْهَرُ فِي مُحَادَثَةِ أَلِيهُو، تِلْكَ الشَخْصِيَّةِ الْغَامِضَةِ الَتِي ظَهَرَتْ مَعَ اقْتِرَابِ السِفْرِ مِنْ نِهَايَتِهِ؛ وَلَا يَظْهَرُ، عَلَى الأَقَلِّ بِاسْمِهِ، فِي الْحِوَارِ بَيْنَ أَيُّوبَ وَاللهِ فِي الأَصْحَاحَاتِ الْخِتَامِيَّةِ مِنْ سِفْرِ أَيُّوبَ، مَعَ أَنَّ الْبَعْضَ قَالُوا إِنَّ فِي شَخْصِيَّتَيْ لَوِيَاثَانَ وَبَهِيمُوثَ إِشَارَةً إِلَى الشَيْطَانِ وَسَنَتَحَدَّثُ عَنْ هَذَا فِي الْخِتَامِ.

مَاذَا يَقُولُ؟ يُخْبِرُنَا النَصُّ فِي الأَصْحَاحِ الأَوَّلِ أَنَّهُ ذَاتَ يَوْمٍ جَاءَ الشَيْطَانُ أَيْضًا فِي وَسَطِهِمْ، فِي الآيَةِ ٦ "وَكَانَ ذَاتَ يَوْمٍ أَنَّهُ جَاءَ بَنُو اللهِ لِيَمْثُلُوا أَمَامَ الرَّبِّ، وَجَاءَ الشَّيْطَانُ أَيْضًا فِي وَسْطِهِمْ". لا أَعْلَمُ أَيْنَ حَدَثَ هَذَا، إِنَّهُ فِي مَكَانٍ مَا فِي الْكَوْنِ. لَكِنَّ الْمُرَادَ هُنَا هُوَ أَنَّ الشَيْطَانَ قَدَّمَ حِسَابًا إِلَى اللهِ الْقَدِيرِ. هَذِهِ لَيْسَتْ مَسْأَلَةَ ثُنَائِيَّةِ الْقُوَى، أَيْ لا يَعُودُ السَبَبُ في الأَلَمِ إلى وُجُودِ قُوًى مُتَسَاوِيَةٍ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَرِّ. لا، بَلْ لا بُدَّ مِنْ أَنْ يَحْضُرَ الشَيْطَانُ وَيُقَدِّمَ حِسَابًا. وَنَقْرَأُ فِي الآيَةِ ٧: "فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: "مِنْ أَيْنَ جِئْتَ؟". فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ الرَّبَّ وَقَالَ: "مِنَ الْجَوَلَانِ فِي الْأَرْضِ، وَمِنَ التَّمَشِّي فِيهَا"". فَهُوَ يَطُوفُ وَيَجُولُ بِلا مَسْكَنٍ، إِنَّهُ رُوحٌ هَائِمَةٌ، ولَيْسَ لَهُ مَا يَدْعُوهُ مَنْزِلًا. ثُمَّ فِي الآيَةِ ٨: "فَقَالَ الرَّبُّ لِلشَّيْطَانِ: هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِثْلُهُ فِي الْأَرْضِ" ثُمَّ يَسْرِدُ صِفَاتِهِ الأَرْبَعَةَ. وَفِي الآيَةِ ٩: "فَأَجَابَ الشَّيْطَانُ الرَّبَّ وَقَالَ: هَلْ مَجَّانًا يَتَّقِي أَيُّوبُ اللهَ؟"

تَظْهَرُ هُنَا أُمُورٌ عِدَّةٌ. أَوَّلُهَا، وُجُودُ رَابِطٍ بَيْنَ الشَيْطَانِ وَالأَلَمِ. قَدْ لا نَعْلَمُ الرَابِطَ بَيْنَ الشَيْطَانِ وَالأَلَمِ لَكِنْ مِمَّا لا شَكَّ فِيهِ أَنَّ هُنَاكَ رَابِطًا مَا بَيْنَهُمَا. فَإِنَّ سَبَبَ أَلَمِ أَيُّوبَ لَهُ عَلاقَةٌ بِالشَيْطَانِ. لَكِنَّهَا لَيْسَتِ الإِجَابَةَ الْكَامِلَةَ. فَفِي الأَسَاسِ، مَنِ الَذِي وَضَعَ أَيُّوبَ فِي ذِهْنِ الشَيْطَانِ؟ نَعَمْ، إِنَّهُ اللهُ حِينَ قَالَ: "هَلْ جَعَلْتَ قَلْبَكَ عَلَى عَبْدِي أَيُّوبَ؟" قَدْ تَقُولُونَ: "وَلَكِنْ، رُبَّمَا لَمْ يُفَكِّرِ الشَيْطَانُ فِي أَيُّوبَ سِوَى بَعْدَمَا ذَكَرَهُ اللهُ أَمَامَهُ. لَكِنْ كَمَا تَرَوْنَ، إِنَّ حَلَّ مُشْكِلَةِ الأَلَمِ وَالْمُعَانَاةِ لَيْسَ فِي الشَيْطَانِ. هُوَ حَتْمًا لَهُ دَخْلٌ في الألَمِ. فَالظُلْمةُ وعَالَمُ الشَرِّ وَعَالَمُ الْمُقَاوَمَةِ جُزْءٌ مِنْهُ حَتْمًا، لَكِنْ هذِهِ لَيْسَتْ الصُورَةَ الْكَامِلَةَ. سَيَتَعَيَّنُ عَلَيْنَا تَنَاوُلُ مَوْضُوعِ سِيَادَةِ الله. فَاللهُ مَوْجُودٌ فِي هَذَا الأَلَمِ، وَمَوْجُودٌ فِي هَذِهِ التَجْرِبَةِ. فَاللهُ هُوَ الْوَحِيدُ مَنْ عَرَّفَ الشَيْطَانَ بِأَيُّوبَ. حَقًّا، يُرَاوِدُنَا جَمِيعًا هُنَا انْطِبَاعٌ بِأَنَّ الشَيْطَانَ لا يَسْتَطِيعُ رَفْعَ إِصْبَعٍ دُونَ إِذْنٍ مِنَ اللهِ. فِي سِيَاقِ الأَصْحَاحِ ١، أَخَذَ الشَيْطَانُ "الإِذْنَ". دَعُونَا نَسْتَخْدِمُ هَذِهِ الْكَلِمَةَ الآنَ. سُمِحَ لَهُ بِأَذِيَّةِ مَا لأَيُّوبَ. لَكِنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَلْمُسَهُ هُوَ. إِنَّمَا فِي الأَصْحَاحِ ٢، سيُسْمَحُ لَهُ بِأَذِيَّةِ أَيُّوبَ نَفْسِهِ، فَسَيَمْرَضُ أَيُّوبُ بِمَرَضٍ مُهَدِّدٍ لِلْحَيَاةِ. لَكِنْ مَنْ يَضَعُ الْحَوَاجِزَ وَالْعَوَائِقَ؟ مَنْ يَرْسُمُ الْحُدُودَ؟ مَنْ يَضَعُ الإِحْدَاثِيَّاتِ الَتِي بِدَاخِلِهَا يُنَفِّذُ الشَيْطَانُ أَعْمَالَهُ الدَنِيئَةَ؟ اللهُ مَنْ يَضَعُ وَيَرْسُمُ، إِنَّهُ اللهُ. الشَيْطَانُ كَذَّابٌ. الشَيْطَانُ مُخادِعٌ. هُوَ المُشَوِّهُ. لَكِنَّ سُلْطَانَهُ لَيْسَ مُطْلَقًا، لَهُ دَخْلٌ فِي الأَمْرِ. لِمَاذَا الأَلَمُ مَوْجُودٌ؟ لِمَاذَا التَجْرِبَةُ مَوْجُودَةٌ؟ لِمَاذَا هُنَاكَ مَشَقَّاتٌ؟ لأَنَّنَا نَحْيَا فِي عَالَمٍ مِنَ الْخَيْرِ وَالشَرِّ خَارِقٍ لِلطَّبِيعَةِ. نَحْيَا فِي عَالَمٍ يَسْكُنُهُ الشَيْطَانُ. "إِنَّ مُصَارَعَتَنَا لَيْسَتْ مَعَ دَمٍ وَلَحْمٍ، بَلْ مَعَ الرُّؤَسَاءِ، مَعَ السَّلَاطِينِ، مَعَ وُلَاةِ الْعَالَمِ عَلَى ظُلْمَةِ هَذَا الدَّهْرِ". عَلَيْنَا أَنْ نَضَعَ ذَلِكَ فِي حِسْابَاتِنَا. يُخْبِرُنَا الأَصْحَاحُ ١ مِنْ سِفْرِ أَيُّوبَ أنَّنَا بِحَاجَةٍ إِلَى إِدْرَاكِ وُجُودِ الشَيْطَانِ وَنَشَاطِهِ وَحَقِيقَتِهِ. وَأَنَّهُ يُبْغِضُ اللهَ وَيَكْرَهُهُ. فَهُوَ شَرٌّ مُطْلَقٌ. يَا لَهَا مِنْ سِمَةٍ مَقِيتَةٍ، شَرٌّ مُطْلَقٌ. إِذْ يَصْعُبُ تَخَيُّلُ مَدَى شَرِّهِ. كَائِنٌ حَيٌّ لا هَدَفَ لَهُ سِوَى إِبْطَالِ مَقَاصِدِ اللهِ. فَيُهَاجِمُ شَعْبَ اللهِ، مَنْ هُمْ مِثْلُ أَيُّوبَ أَوْ مِثْلُكُمْ وَمِثْلِي. هَذَا أَيُّوبُ وَذَاكَ الشَيْطَانُ.

ثُمَّ تَأْتِي الشَخْصِيَّةُ الثَالِثَةُ وَهِيَ اللهُ. نَحْنُ نَتَحَدَّثُ عَنْ مُشْكِلَةِ الأَلَمِ. لَقَدْ ألَّفَ سِي. إِسْ. لُوِيس كِتابًا فِي غَايَةِ الأَهَمِّيَّةِ لا يَزَالُ يُعَدُّ أَحَدَ أَعْظَمِ الْمُؤَلَّفَاتِ عَنْ هَذِهِ الْمُعْضِلَةِ، وَهُوَ بِعُنْوَانِ "اللهُ – الإِنْسَانُ وَالأَلَمُ". فِي الْوَاقِعِ، قَدْ نُشِيرُ إِلَيْهَا بِأَنَّهَا "مُشْكِلَةُ اللهِ". فَمَا الْمُشْكِلَةُ الَتِي فِي الأَصْحَاحِ ١؟ نَعَمْ، نَحْنُ نَفْهَمُ الأَلَمَ. فالأَلَمُ مَوْجُودٌ في الْعَالَمِ. وَالْمُعَاناةُ مَوْجُودَةٌ في الْعَالَمِ. لَكِنْ يَتَمَثَّلُ السُؤالُ فِي لِمَاذَا لا يَمْنَعُهُ اللهُ؟ لِمَاذَا لا يَتَصَرَّفُ اللهُ حِيَالَهُ إِنْ كَانَ صَاحِبَ السِيَادَةِ، وَإِنْ كَانَ كُلِّيَّ السُلْطَةِ فِي السَمَاءِ وَعَلَى الأَرْضِ، وَإِنْ كَانَ الْوَاضِعَ لِلأَرْضِ حَدًّا؟ إِنْ كَانَ قادرًا، وإِنْ كَانَ كُلِّيَّ الْقُوَّةِ وَالْقُدْرَةِ، لِمَاذا لا يَتَصَرَّفُ حِيَالَهُ؟ هَلْ هِيَ مُشْكِلَةٌ مُرْتَبِطَةٌ بِمَشِيئَتِهِ؟ فَهَلْ هُوَ ذُو سِيَادَةٍ وَمُتَجَبِّرٌ؟ أَيْ هَلْ هُوَ ذُو سِيَادَةٍ، لَكِنْ يَعُوقُهُ شَيْءٌ مَا؟ هَلْ هَذِهِ هِيَ الإِجَابَةُ؟ أَمْ لَهُ الإِرَادَةُ، وَلَكِنْ يَفْتَقِرُ إِلَى السِيَادَةِ؟ هَلْ يَرْغَبُ فِي مَنْعِهِ، لَكِنَّهُ لا يَسْتَطِيعُ؟ فَالْمُشْكِلَةُ هُنَا قَدْ نُطْلِقُ عَلَيْهَا مُشْكِلَةَ اللهِ. هَلْ سَيَصْمُدُ اللهُ أَمَامَ امْتِحَانِ التَجْرِبَةِ؟

أَنْتُمْ تَتَذَكَّرُونَ مَا قَالَهُ أَيُّوبُ فِي الآيَةِ ٢١: "عُرْيَانًا خَرَجْتُ مِنْ بَطْنِ أُمِّي، وَعُرْيَانًا أَعُودُ إِلَى هُنَاكَ. الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ، فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا". يَا لَرَوْعَةِ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ! كَلِماتٌ مُذْهِلَةٌ، خَاصَّةً فِي سِيَاقِهَا. إِذْ إِنَّهُ إِنْسانٌ فَقَدَ كُلَّ مَا يَمْلِكُ. فَقَدَ أَبْنَاءَهُ الْعَشَرَةَ فَاجِعَةٌ لا يُمْكِنُ تَخَيُّلُهَا. يَصْعُبُ عَلَيْنَا إِدْرَاكُ أَعْمَاقِ الأَلَمِ الَذِي يُعَانِيهِ. فَمَا هُوَ جَوَابُهُ السَرِيعُ الَذِي يَعْكِسُ تَقْوَى قَلْبِ هَذَا الرَجُلِ؟ هَلْ هُوَ إِقْرَارٌ وَاعْتِرَافٌ بِسِيَادَةِ اللهِ؟ هُنَاكَ أَشْخَاصٌ، ومِنْهُمْ خُدَّامُ الإِنْجَيلِ مَنْ بِكُلِّ حُسْنِ نِيَّةٍ، يُرَدِّدُونَ فِي الْجَنَازاتِ، خَاصَّةً عِنْدَمَا تَكُونُ الفَاجِعَةُ مَرِيرَةً. يَقُولُونَ كَلامًا مِثْلَ: "لا تُلْقُوا بِاللَوْمِ عَلَى اللهِ". أَتَعْلَمُونَ؟ "لَمْ يَكُنْ فِي الْمَوْقِفِ". "لَمْ يَتَدَخَّلْ فِي الأَمْرِ". "يَدَاهُ كَانَتَا مُقَيَّدَتَيْنِ". "لَمْ يَكُنْ يَنْظُرُ". "يَقَعُ اللَوْمُ َعَلَى شَخْصٍ آخَرَ، أَوْ شَيْءٍ آخَرَ". يَقَعُ اللَوْمُ عَلَى الشَيْطَانِ، أَوِ الْكَوْنِ نَفْسِهِ؛ إِنَّهُ قَانُونُ الطَبِيعَةِ أَوْ شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ؛ إِنَّهَا الْعَدَالَةُ الإِلَهِيَّةُ، وَالْهَدَفُ إِعْفَاؤُنَا مِنْ إِلْقَاءِ اللَوْمِ عَلَى اللهِ فِي هَذَا. إِنَّما لا بُدَّ مِنْ أَنْ نَحْتَرِسَ. اللهُ لَيْسَ مَصْدَرَ الْخَطِيَّةِ. لَيْسَ هُوَ مَصْدَرَ الْخَطِيَّةِ. لَكِنَّ يَدَ اللهِ الْمُتَسَيِّدَةَ مُتَداخِلَةٌ فِي الأَمْرِ. فَمَا مِنْ شَيْءٍ يَحْدُثُ دُونَ مَشِيئَةِ اللهِ لَهُ أَنْ يَحْدُثَ – وَدُونَ مَشِيئَةِ اللهِ لَهُ أَنْ يَحْدُثَ قَبْلَ أَنْ يَحْدُثَ، وَدُونَ مَشِيئَةِ اللهِ لَهُ أَنْ يَحْدُثَ بِالطَرِيقَةِ الَتِي يَحْدُثُ بِهَا. اللهُ كُلِّيُّ الْقُدْرَةِ. اللهُ كُلِّيُّ السِيَادَةِ.

فَالْمُشْكِلَةُ هُنَا تَتَمَثَّلُ فِي كَيْفيَّة أن يَكُونَ اللهُ ذَا سِيَادَةٍ وَيَسْمَحُ بِوُقُوعِ شَيْءٍ مِثْلِ هَذَا؟ هَذِهِ هِيَ الْمُعْضِلَةُ. هَذِهِ هِيَ الْمُعْضِلَةُ الَتِي وَاجَهَهَا أَيُّوبُ نَفْسُهُ وَتَعَامَلَ مَعَهَا. يَا لَهُ مِنِ اعْتِرَافٍ مُنْقَطِعِ النَظِيرِ مِنْ أَيُّوبَ فِي نِهَايَةِ الأَصْحَاحِ ١. فَهُوَ لَنْ يَبْقَى عَلَى الأَرْضَ. "الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ، فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا". لَقَدِ اخْتَبَرْتُ أَنَا هَذَا مَرَّاتٍ عَدِيدَةً، حِينَمَا فَاجَأَ الْمَوْتُ أَحَدَ أَفْرَادِ الْعَائِلَةِ، فَتُرَدِّدُ الْعَائِلَةُ قَوْلَ أَيُّوبَ فِي الآيَةِ ٢١ مِنَ الأَصْحَاحِ ١. اخْتَبَرْتُهُ مَرَّاتٍ عَدِيدَةٍ. يَحُلُّ شُعُورٌ بِالسَكِينَةِ وَالسَلامِ لأَنَّهُمْ فِي رَاحَةِ سِيَادَةِ اللهِ وَأَمْنِهَا. "لَسْتُ مُسْتَوْعِبًا. لا أَفْهَمُ جَمِيعَ أَسْبَابِ وُقُوعِ كُلِّ هَذِهِ الأُمُورِ. لَكِنِّي أَعْلَمُ أَنَّ الرَّبَّ أَعْطَى وَالرَّبَّ أَخَذَ، وَأَنَا أَثِقُ بِهِ".

وَلَكِنْ لَنْ يَبْقَى أَيُّوبُ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ كَثِيرًا. مِنْ هُنَا تَأْتِي الْبِدَايَةُ. سَيَجْتَازُ بِظُرُوفٍ حَالِكَةِ الظَلامِ. وَقَدِ اخْتَبَرْتُ هَذَا أَنَا أَيْضًا. فِي الْغَالِبِ يَكُونُ النَاسُ فِي حَالَةٍ مُخْتَلِفَةٍ بَعْدَ ٦ أَسَابِيعَ مِنَ الْفَاجِعَةِ. لا أَعْلَمُ لِمَاذَا ٦ أَسَابِيعَ. إِذْ يَبْدَأُ جُزْءٌ مِنْ حَقِيقَةِ الأَمْرِ فِي الاسْتِقْرَارِ دَاخِلِيًّا، وَهُوَ عَدَمُ قَابِلِيَّةِ تَغْيِيرِهِ. يُدْرِكُونَ أَنَّهُ لَيْسَ حُلْمًا، وَيُدْرِكُونَ اسْتِحَالَةَ تَغْيِيرِهِ، وَيُدْرِكُونَ الْعَوَاقِبَ الَتِي سَتُؤَثِّرُ فِي مَسَارِ حَيَاةِ الْمَرْءِ بِأَسْرِهَا، والتَغْيِيرَاتِ الَتِي لا يُمْكِنُ التَرَاجُعُ عَنْهَا أَبَدًا. وَأَحْيَانًا يَكُونُ الْبَيْتُ مُخْتَلِفًا لِلْغَايَةِ حِينَ نَتَفَقَّدُهُ عَقِبَ شَهْرَيْنِ ثُمَّ ٣ أَشْهُرٍ ثُمَّ ٦ أَشْهُرٍ ثُمَّ عَامٍ. سَيَدْخُلُ أَيُّوبُ فِي حَالَةٍ حَالِكَةِ الظَلامِ. وَسَيَطْرَحُ شَتَّى أَنْوَاعِ الأَسْئِلَةِ: أَسْئِلَةٍ صَعْبَةٍ، وَأَسْئِلَةٍ أَخْلاقِيَّةٍ، وَأَسْئِلَةٍ لاهُوتِيَّةٍ، وَأَسْئِلَةٍ فَلْسَفِيَّةٍ، وَأَسْئِلَةِ شِكَايَةٍ واتِّهَامٍ، وَأَسْئِلَةِ اتِّهَامٍ لأَصْدِقَائِهِ، وَأَيْضًا اتِّهَامٍ للهِ. سَيَشُكُّ فِي طُرُقِ اللهِ. سَيَشُكُّ فِي مَشِيئَةِ اللهِ. سَيَشُكُّ فِي عَدْلِ اللهِ، وَيَعْتَبِرُ اللهَ ظَالِمًا.

يَفْقِدُ الْبَشَرُ إِيمَانَهُمْ فِي مِثْلِ هَذِهِ الأَحْوَالِ. يَقُولُونَ إِنْ كَانَ اللهُ عَظِيمًا، لِمَاذَا لَمْ يُوقِفِ الأَمْرَ؟ لِمَاذَا لَمْ يَمْنَعْهُ؟ لا أُصَدِّقُ أَنَّ اللهَ يَسْمَحُ بِوُقُوعِ هَذَا. وَرُبَّمَا يُعَدُّ هَذَا مُنْحَدَرًا لِفُقْدَانِ الإِيمَانِ. يَغْضَبُ الْبَشَرُ مِنَ اللهِ. فَيَزِيغُونَ بَعِيدًا. يُبَرِّرُونَ عَدَمَ إِيمَانِهِمْ وَيَحْتَفِظُونَ بِهَذَا الاسْتِيَاءِ الَذِي يَتَحَوَّلُ إِلَى مَرَارَةٍ. كَيْفَ تُرِيدُونَ أَنْ يَكُونَ رَدُّ فِعْلِكُمْ لِذَلِكَ؟

فَلْنَتْرُكْ هَذَا الأَصْحَاحَ. سَنَصْرِفُ وَقْتًا في التَحَدُّثِ عَنِ الْمَسَائِلِ الْفَلْسَفِيَّةِ فِي الْمُحَاضَرَاتِ الْقَادِمَةِ. لَكِنْ مَاذَا سَيَكُونُ رَدُّ فِعْلِكُمْ إِذَا حَدَثَ لَكُمْ شَيْءٌ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ؟ هَلْ سَنَقُولُ: "حَاشَا للهِ أَنْ يَفْعَلَ هَذَا!" لَكِنِ افْتَرِضُوا أَنَّهُ فَعَلَهُ، غَدًا أَوِ الأُسْبُوعَ الْقَادِمَ. أَلَنْ تَقُولُوا: "أُرِيدُ أَنْ أُجِيبَ مِثْلَمَا أَجَابَ أَيُّوبُ؟" "أُرِيدُ أَيُّوبَ الأَصْحَاحَ ١ وَالآيَةَ ٢١؟" فَسَتَحْتَاجُ إِلَى تَعَلُّمِهَا وَحِفْظِهَا. سَتَحْتَاجُ إِلَى مَعْرِفَةِ هَذَا النَصِّ "الرَّبُّ أَعْطَى وَالرَّبُّ أَخَذَ، فَلْيَكُنِ اسْمُ الرَّبِّ مُبَارَكًا" لتُغْرَسَ فِي فِكْرِكُمْ، وَتَخْرُجَ تِلْقَائِيَّةً مِنْكُمْ.

إِنْ كَانَ فِي مَقَاصِدِ اللهِ السَامِيَةِ السِيَادِيَّةِ، وَإِنْ كَانَ فِي عِنَايَتِهِ الاسْتِثْنَائِيَّةِ أَنْ تَقَعَ فَاجِعَةٌ مِثْلُ هَذِهِ، فَأُرِيدُ أَنْ أَنْطِقَ بِهَذِهِ الآيَةِ. هَذَا هُوَ الْجَوَابُ الَذِي أُرِيدُ أَنْ أَقُولَهُ لأَصْدِقَائِي وَلِكَنِيسَتِي وَلِنَفْسِي وللهِ مُخَلِّصِي الْمُبارَكِ رَبِّي يَسُوعَ. لأَنِّي أَعْرِفُ أَنَّهُ يُحِبُّنِي. لَطَالَمَا أَحَبَّنِي، وَلَنْ يَتَوَقَّفَ عَنْ مَحَبَّتِهِ لِي.

سِفْرُ أَيُّوبَ سِفْرٌ اسْتِثْنَائِيٌّ؛ سَنَزُورُ أَمَاكِنَ مُظْلِمَةً جِدًّا وَصَعْبَةً. سَنُقَابِلُ شِكَايَاتٍ تُحَطِّمُ الْقَلْبَ بِطَبِيعَتِهَا وَسِمَتِهَا. لَكِنَّ الآيَةَ ٢١ مِنَ الأَصْحَاحِ ١ هِيَ مَا نَرْغَبُ فِي قَوْلِهِ، أَنْتُمْ وَأَنَا.

لِمَاذَا لا نُصَلِّي جَمِيعًا بِأَنْ تَكُونَ هَذِهِ الآيَةُ جَوابَنَا الَذِي نُقَدِّمُهُ حِينَ تُصِيبُنَا تَجْرِبَةٌ كَبِيرَةٌ كَهَذِهِ، لأَنَّنَا سَنَرْتَاحُ وَنَتَعَزَّى بِسِيَادَتِهِ، مُدْرِكِينَ مَحَبَّتَهُ وَعَالِمِينَ أَنَّ مَا مِنْ شَيْءٍ يُصِيبُنَا خَارِجَ مَقَاصِدِهِ الرَؤُوفَةِ بِنَا؟