المحاضرة 7: أَهْيَه: كَيْنُونَةُ اللهِ | خدمات ليجونير
 

المحاضرة 7: أَهْيَه: كَيْنُونَةُ اللهِ

سَنُتَابِعُ دِرَاسَتَنا لاخْتِبَارِ مُوسَى فِي بَرِّيَّةِ مِدْيَانَ، حِينَ تَقَابَلَ مَعَ اللهِ عِنْدَ الْعُلَّيْقَةِ الْمُتَّقِدَةِ فَأَعْلَنَ لَهُ اللهُ عَنْ نَفْسِهِ بِطَرِيقَةٍ غَيْرِ عَادِيَّةٍ. سَبَقَ أَنْ رَأَيْنَا بَعْضَ مَا يُمْكِنُ اسْتِنْتَاجُهُ مِمَّا أَعْلَنَهُ اللهُ لِمُوسَى خِلالَ ذَلِكَ الْحَدِيثِ الْوَجِيزِ. لَكِنِّي أَوَدُّ أَنْ أَدْرُسَ بِشَكْلٍ أَعْمَقَ فِي هَذِهِ الْمُحَاضَرَةِ مَعْنَى الاسْمِ الَذِي يُعْلِنُ اللهُ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ خِلالِهِ، حِينَ يَدْعُو نَفْسَهُ بِبَسَاطَةٍ "أَنَا هُوَ الَذِي هُوَ".

إِذًا، فَلْنَرْجِعْ إِلَى ذَلِكَ الْجُزْءِ مِنَ النَصِّ، حَيْثُ نَقْرَأُ فِي الأَصْحَاحِ الثَالِثِ مِنْ سِفْرِ الْخُرُوجِ وَالآيَةِ الثَالِثَةَ عَشْرَةَ "فَقَالَ مُوسَى لِلَّهِ: "هَا أنَا آتِي إلَى بَنِي إسْرَائِيلَ وَأقُولُ لَهُمْ: إلَهُ آبَائِكُمْ أرْسَلَنِي إلَيْكُمْ. فَإِذَا قَالُوا لِي: مَا اسْمُهُ؟ فَمَاذَا أقُولُ لَهُمْ؟" فَقَالَ اللهُ لِمُوسَى: "أهْيَهِ الَّذِي أهْيَهْ". وَقَالَ: "هَكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إِسْرَائِيلَ: أهْيَهْ أرْسَلَنِي إلَيْكُمْ". وَقَالَ اللهُ أيْضًا لِمُوسَى: "هَكَذَا تَقُولُ لِبَنِي إسْرَائِيلَ: يَهْوَهْ إِلَهُ آبَائِكُمْ، إِلَهُ إبْرَاهِيمَ وَإِلَهُ إسْحَاقَ وَإِلَهُ يَعْقُوبَ أرْسَلَنِي إِلَيْكُمْ. هَذَا اسْمِي إلَى الأبَدِ وَهَذَا ذِكْرِي إلَى دَوْرٍ فَدَوْرٍ".

حِينَ يَقْرَأُ بَعْضُ النُقَّادِ هَذِهِ الْقِصَّةَ وَيَرَوْنَ أَنَّ مُوسَى طَلَبَ مِنَ اللهِ أَنْ يَكْشِفَ لَهُ اسْمَهُ، وَأَنَّ اللهَ أَجَابَهُ بِهَذِهِ الطَرِيقَةِ الْغَرِيبَةِ وَالْغَامِضَةِ قَائِلًا: "أَنَا هُوَ الَذِي هُوَ"، يَقُولُ بَعْضُ النُقَّادِ إِنَّ مَا يَفْعَلُهُ اللهُ هُنَا هُوَ أَسَاسًا رَفْضٌ لِلْكَشْفِ عَنِ اسْمِهِ، والْمَقْصُودُ بِهِ: "لا شَأْنَ لَكَ فِي مَعْرِفَةِ اسْمِي، اسْمِي "أَنَا هُوَ الَذِي هُوَ". وَتَوَقَّفْ عَنِ التَفْكِيرِ فِي الأَمْرِ". لَكِنِّي أَعْتَقِدُ أَنَّ السِيَاقَ الَذِي يُسَمِّي فِيهِ اللهُ نَفْسَهُ "أَنَا هُوَ الَذِي هُوَ" لا يَسْمَحُ بهَذَا التَفْسِيرِ النَقْدِيِّ، لأَنَّ اللهَ يُوَضِّحُ أَنَّهُ لا يَرْفُضُ إِعْلَانَ اسْمِهِ، بَلْ إِنَّهُ يَكْشِفُ اسْمَهُ لِمُوسَى. وَهْوَ الاسْمُ الَذِي سَيَكُونُ اسْمَهُ إِلَى الأَبَدِ لِجَمِيعِ الأَجْيَالِ. وَسَيَكُونُ اسْمَهُ التَذْكَارِيَّ.

وَرَأَيْنَا فِي وَقْتٍ سَابِقٍ ضِمْنَ دِرَاسَتِنَا لِهَذِهِ الْحَادِثَةِ، أَنَّهُ فِي التَقَالِيدِ الْعِبْرَانِيَّةِ فِي الْعَهْدِ الْقَدِيمِ كَانَ يَتِمُّ إِطْلاقُ أَسْمَاءٍ عَلَى الأَشْخَاصِ لِكَشْفِ شَيْءٍ مَا عَنْ هُوِيَّتِهِمْ، حَتَّى إِنَّ مُوسَى، أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ "مُوسَى" لأَنَّهُ انْتُشِلَ مِنَ الْمَاءِ. وَنَذْكُرُ أَنَّ يَعْقُوبَ صَارَ اسْمُهُ "إِسْرَائِيلَ" لأَنَّهُ تَصَارَعَ مَعَ اللهِ وَنَاضَلَ. إِذًا، فِي جَمِيعِ أَسْفَارِ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ نَرَى أَنَّ أَسْمَاءَ الأَفْرَادِ تُخْبِرُنَا أَمْرًا مُهِمًّا عَنْ كِيَانِهِمْ أَوْ شَخْصِيَّتِهِمْ. وَلا يُوجَدُ أَيُّ مَرْجَعٍ فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ يَتَجَلَّى فِيهِ الأَمْرُ بِشَكْلٍ أَعْمَقَ مِمَّا يَفْعَلُ هُنَا. حَيْثُ أَعْلَنَ اللهُ عَنْ نَفْسِهِ بِهَذِهِ الطَرِيقَةِ غَيْرِ الْعَادِيَّةِ، عَبْرَ الْقَوْلِ "أَنَا هُوَ الَذِي هُوَ".

لَكِنْ قَبْلَ أَنْ أَغُوصَ فِي عُمْقِ هَذَا الْمَوْضُوعِ، دَعُونِي أَطْرَحُ هَذَا السُؤَالَ الْبَسِيطَ: "لِمَاذَا تَعْبُدُونَ اللهَ؟ لِمَاذَا تَكِنُّونَ لَهُ تَوْقِيرًا وَحِسَّ عِبَادَةٍ يَخْتَلِفُ عَنْ أَيِّ تَقْدِيرٍ تَكِنُّونَهُ لأَيِّ مَخْلُوقٍ بَيْنَ الْمَخْلُوقَاتِ؟" مِنَ السَهْلِ عَلَيْنَا أَنْ نُحِبَّ اللهَ وَأَنْ نَكُونَ شَاكِرِينَ لَهُ، وَأَنْ نَعْبُدَهُ، نَظَرًا لِكُلِّ الأُمُورِ الرَائِعَةِ الَتِي صَنَعَهَا فِي التَارِيخِ، وَفِي تَارِيخِ حَيَاتِنَا لأَجْلِ أَنْفُسِنا. لَكِنَّنِي لا أَعْتَقِدُ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَكُونُ قَدِ ارْتَقَى إِلَى مُسْتَوَى الْعِبَادَةِ الْحَقِيقِيَّةِ إذا لَمْ يَبْدَأْ بِعِبادَةِ اللهِ، لا لأَجْلِ مَا فَعَلَهُ، بَلْ لِأَجْلِ شَخْصِهِ بِكُلِّ جَلالِهِ الْفَائِقِ، حِينَ نُدْرِكُ –كَمَا قَالَ اللَاهُوتِيُّونَ فِي الْمَاضِي– أَنَّ اللهَ هُوَ الْكَائِنُ الأَكْثَرُ كَمَالًا.

اعْتَرَضْتُ قَلِيلًا عَلَى هَذَا التَعْرِيفِ لأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْكَمَالِ دَرَجَاتٌ. وَإِنَّمَا أَرَادَ آبَاءُ الْكَنِيسَةِ لَفْتَ انْتِبَاهِنَا مِنْ خِلالِ هَذَا التَكْرَارِ الْمُتَعَمَّدِ، قَائِلِينَ إِنَّهُ الْكَائِنُ الأَكْثَرُ كَمَالًا، لِئَلَّا نَسْتَخِفَّ بِأَهَمِّيَّةِ كَمالِ اللهِ، كُلُّ مَا هُوَ عَلَيْهِ، صِفَاتُهُ كُلُّهَا، مَعْرِفَتُهُ الْكُلِّيَّةُ، وَحُضُورُهُ الْكُلِّيُّ، وَأَبَدِيَّتُهُ، وَبَسَاطَتُهُ، كُلُّ الصِفاتِ الَتِي تَنْدَرِجُ ضِمْنَ إِطَارِ فَهْمِنَا للهِ هِيَ بِلا عَيْبٍ، وَلا تَشُوبُهَا أَيُّ شَائِبَةٍ.

إِذًا الآنَ فَلْنَطْرَحِ السُؤَالَ الَذِي كَانَ أَقْدَمَ سُؤالٍ طَرَحَهُ الْعُلَمَاءُ وَالْفَلاسِفَةُ فِي الْعُصُورِ الْقَدِيمَةِ. إِنَّهُ السُؤالُ الأَكْثَرُ مَدْعَاةً لِلتَفْكِيرِ، لَكِنَّهُ بَسِيطٌ فِي تَعْبِيرِهِ وَيُمْكِنُ لأَيِّ شَخْصٍ أَنْ يَسْتَوْعِبَهُ. السُؤَالُ هُوَ الآتِي: "لِمَاذَا يُوجَدُ شَيْءٌ بَدَلًا مِنْ لا شَيْءٍ؟ لِمَاذَا يُوجَدُ أَيُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْكَوْنِ؟" إِنَّ كَاتِبَ الْمَزْمُورِ، وَبِدُونِ أَنْ يُدْرِكَ ضَخَامَةَ الْمَجَرَّاتِ وَمِلْيَارَاتِ النُجُومِ الَتِي نَسْمَعُ عَنْهَا عَلَى لِسَانِ عُلَمَاءِ الْفَلَكِ الْيَوْمَ، بِمُلاحَظَتِهِ الْمُجَرَّدَةِ لِلْعَالَمِ مِنْ حَوْلِهِ نَظَرَ إِلَى النُجُومِ وَقَالَ: "إِذْ أَرَى الْقَمَرَ وَالنُّجُومَ الَّتِي كَوَّنْتَهَا أَجِدُ نَفْسِي مُجْبَرًا عَلَى السُؤَالِ: مَنْ هُوَ الإِنْسَانُ حَتَّى تَذْكُرَهُ؟" حَتَّى مِنْ وُجْهَةِ نَظَرِ الإِنْسَانِ الْقَدِيمِ يَبْدُو أَنَّ ضَخَامَةَ الْكَوْنِ بَهَرَتْهُ وَجَعَلَتْهُ يَشْعُرُ بِأَنَّهُ تَافِهٌ تَمَامًا مُقَارَنَةً بِضَخَامَةِ الْوَاقِعِ كَمَا نَرَاهُ.

وَبِالطَبْعِ، حِينَ قَالَ دَاوُدُ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ لَمْ يَكُنْ لَدَيْهِ أَدْنَى فِكْرَةٍ عَنْ مَدَى اتِّسَاعِ الْكَوْنِ، مِثْلَمَا نَفْتَقِرُ نَحْنُ أَيْضًا إِلَى فَهْمِ أَهَمِّيَّتِهِ فِعْلًا. أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّ أَقْرَبَ كَوْكَبٍ إِلَيْنَا مِنْ بَيْنِ مِلْيَارَاتِ وَمِلْيَارَاتِ وَمِلْيَارَاتِ الْكَوَاكِبِ هُوَ الشَمْسُ. وَتَبْعُدُ الشَمْسُ عَنَّا مَسَافَةَ 93 ثَلاثَةٍ وَتِسْعِينَ مِلْيُونَ مِيلٍ. لَنْ أَتَوَسَّعَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ هَذَا الْمَوْضُوعِ لأَنَّهُ لا يُمْكِنُ سَبْرُ غَوْرِهِ. لَكِنَّنَا مُرْغَمُونَ عَلَى طَرْحِ سُؤَالِ "لِمَاذَا؟ مَا سَبَبُ وُجُودِ هَذَا الْكَوْنِ؟ لِمَاذَا يُوجَدُ شَيْءٌ بَدَلًا مِنْ لا شَيْءَ؟ لِمَاذَا لَيْسَ الْكَوْنُ كُلُّهُ فُسْحَةً فَارِغَةً أَوْ حُفْرَةً سَوْدَاءَ لا يُوجَدُ فِيهَا شَيْءٌ؟"

الْجَوابُ عَلَى هَذَا السُؤَالِ سَهْلٌ فِعْلًا، وَيَجِبُ أَنْ يَكُونَ بَسِيطًا جِدًّا وَوَاضِحًا جِدًّا لِدَرَجَةِ أَلَّا يُثِيرَ أَبَدًا أَيَّ نَوْعٍ مِنَ النِقَاشِ أَوِ الْجَدَلِ. هَذَا الْجَوَابُ مَوْجُودٌ فِي الْآيَةِ الأُولَى مِنَ الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ، حَيْثُ نَقْرَأُ: "فِي الْبَدْءِ،... اللهُ..." – سَأَبْدَأُ مِنْ هُنَا– "فِي الْبَدْءِ،... اللهُ..." ثُمَّ يُتَابِعُ قَائِلًا: "خَلَقَ اللهُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ". إذًا، مَا هُوَ الأَمْرُ الإِيجَابِيُّ فِي الْجُمْلَةِ الأُولَى فِي الْكِتَابِ الْمُقَدَّسِ؟ أَوَّلُ أَمْرٍ يَقُولُهُ لَنَا هُوَ الآتِي: هُنَاكَ بِدَايَةٌ. فِي وَقْتٍ مَا، كُلُّ تِلْكَ الْكَوَاكِبِ وَكُلُّ الأَشْجَارِ وَكُلُّ الأَسْمَاكِ وَكُلُّ الْحَيَواناتِ وَكُلُّ الْبَشَرِ لَمْ يَكُونُوا مَوْجُودِينَ إِطْلاقًا، لِكُلِّ شَيْءٍ فِي الْكَوْنِ بِدَايَةٌ. إِنَّهُ يَبْدَأُ فِي لَحْظَةٍ مُعَيَّنَةٍ مِنَ الزَمَانِ وَالْمَكَانِ. وَقَبْلَ ذَلِكَ، لَمْ يُوجَدْ أَحَدٌ فِعْليًّا سِوَى اللهِ. لَيْسَ الْعَدَمُ، بَل اللهُ. لأَنَّهُ فِي الْبَدْءِ كَانَ اللهُ مَوْجُودًا، وَكَانَتِ الْبِدَايَةُ بَعْدَ ذَلِكَ. لأَنَّ هَذَا الإِلَهَ الَذِي لَيْسَتْ لَهُ بِدَايَةٌ، هَذَا الإِلَهَ الأَزَلِيَّ، خَلَقَ كُلَّ مَا هُوَ مَوْجُودٌ فِي هَذَا الْعَالَمِ.

تَسْمَعُونَ دَائِمًا عَنِ التَفْسِيرَاتِ وَالنِقَاشَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِنَشْأَةِ الْكَوْنِ. وَكَثِيرًا مَا نَسْمَعُ بِنَظَرِيَّةِ الانْفِجارِ الْعَظِيمِ الْمُؤَدِّي إِلَى نَشْأَةِ الْكَوْنِ، الَتِي تُبَيِّنُ كَيْفَ صَارَ الْكَوْنُ حَيِّزَ الْوُجُودِ. إِنَّ خُلاصَةً بَسِيطَةً لِلأَمْرِ تُبَيِّنُ لَنَا أَنَّهُ فِي لَحْظَةٍ زَمَنِيَّةٍ مُعَيَّنَةٍ –وَلا أَقْصِدُ اللَعِبَ عَلَى الْكَلامِ– كُلُّ مَادَّةٍ وَكُلُّ طَاقَةٍ فِي هَذَا الْكَوْنِ الشَاسِعِ كَانَتْ مَضْغُوطَةً فِي هَذِهِ النُقْطَةِ الْبَالِغَةِ الدِقَّةِ وَالْمُتَنَاهِيَةِ الصِغَرِ، الَتِي تُسَمَّى "نُقْطَةَ التَفَرُّدِ". وَنُقْطَةُ التَفَرُّدِ هَذِهِ كَانَتْ مُنَظَّمَةً تَمَامًا فِي هَذَا الْوَاقِعِ الْمَضْغُوطِ مُنْذُ الأَزَلِ. وَمُنْذُ الأَزَلِ هِيَ تَخْضَعُ مَنْهَجِيًّا لِقَانُونِ الْقُصُورِ الذَاتِيِّ. وَيُفِيدُ قَانُونُ الْقُصُورِ الذَاتِيِّ بِأَنَّ الأَجْسَامَ الَتِي فِي حَالَةِ سُكُونٍ تَمِيلُ إِلَى الْبَقَاءِ فِي حَالَةِ سُكُونٍ إِلَى أَنْ تَتِمَّ مُمَارَسَةُ قُوَّةٍ خَارِجِيَّةٍ عَلَيْهَا، وَالأَجْسَامُ الْمُتَحَرِّكَةَ تَمِيلُ إِلَى الْبِقَاءِ مُتَحَرِّكَةً إِلَّا إِذَا تَمَّتْ مُمَارَسَةُ قُوَّةٍ خَارِجِيَّةٍ عَلَيْهَا.

لَكِنَّ الْعِلْمَانِيِّينَ، فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ يَقُولُونَ إِنَّ نَظَرِيَّتَهُمْ حَوْلَ نَشْأَةِ الْكَوْنِ تَرْفُضُ قَانُونَ الْقُصُورِ الذَاتِيِّ. لأَنَّهُ مُنْذُ الأَزَلِ، بَقِيَتْ نُقْطَةُ التَفَرُّدِ هَذِهِ بِحَالَتِهَا الْمُنَظَّمَةِ بِدُونِ ذَرَّةِ تَحَوُّلٍ أَوْ تَغْيِيرٍ. وَبَعْدَ ظُهْرِ يَوْمِ الْخَمِيسِ، عِنْدَ السَاعَةِ الثَالِثَةِ والرُّبْعِ، انْفَجَرَتْ. وَلا يَزَالُ يَتِمُّ الْعَمَلُ عَلَى اكْتِشَافِ آثَارِ هَذَا الانْفِجَارِ فِي رَحَابَةِ الْكَوْنِ، لأَنَّهُ يَبْدُو أَنَّ الْكَوْنَ الْحَاضِرَ يَتَمَدَّدُ مُنْذُ ذَلِكَ الانْفِجَارِ الْعَظِيمِ.

ذاتَ مَرَّةٍ، كُنْتُ أَتَحَدَّثُ مَعَ كَارل سِيجَان عَنِ الأَمْرِ، فَقَالَ: "يُمْكِنُنَا الرُجُوعُ إِلَى أَوَّلِ نَانُو ثَانِيَةٍ قَبْلَ الانْفِجَارِ الْعَظِيمِ، يُمْكِنُنَا الرُجُوعِ إليها". فَقُلْتُ: "وَلِمَاذَا تَتَوَقَّفُ عِنْدَهَا؟" فَأَجَابَ: "لا نَشْعُرُ بِالْحَاجَةِ إِلَى الرُجُوعِ إِلَى مَا قَبْلَ ذَلِكَ". فَقُلْتُ: "مَا مِنْ مَسْأَلَةٍ أَكْثَرَ إِلْحَاحًا مِنَ الْحَاجَةِ إِلَى الْعَوْدَةِ إِلَى هُنَاكَ". إِذَا كُنْتَ عَالِمًا، مِنْ فَضْلِكَ، لا بُدَّ لَكَ مِنْ أَنْ تَطْرَحَ سُؤَالًا: "لِمَاذَا حَدَثَ الانْفِجَارُ الْعَظِيمُ؟ كَيْفَ حَدَثَ الانْفِجَارُ الْعَظِيمُ؟ مَا الَذِي كَانَ قَبْلَ الانْفِجَارِ الْعَظِيمِ؟" مَا كَانَ قَبْلَ الانْفِجَارِ الْعَظِيمِ هُوَ تَجَلٍّ لِلَذِي "كَانَ". لا يُمْكِنُ لِلُغَتِنَا أَنْ تُؤَدِّيَ عَمَلَها بِدُونِ هَذَا الْفِعْلِ الْبَسِيطِ "كَانَ"، ذَلِكَ الْفِعْلِ، الْمَوْجُودِ فِي صُلْبِ أَسْمَاءِ اللهِ.

لَمْ يَقُلِ اللهُ لِمُوسَى "هَذَا هُوَ اسْمِي، اسْمِي هُوَ: فِي مَا مَضَى، أَنَا كُنْتُ، وَالآنَ، أَنَا كَائِنٌ، وَسَأَظَلُّ كَائِنًا فِي الْمُسْتَقْبَلِ لأَنَّ لَدَيَّ مُسْتَقْبَلًا". هُوَ لَمْ يُعَرِّفْ عَنْ نَفْسِهِ بِهَذِهِ الطَرِيقَةِ، لَكِنَّهُ يُعَرِّفُ عَنْ نَفْسِهِ بِلُغَةِ وُجُودِهِ السَرْمَدِيِّ؛ "أَنَا هُوَ الَذِي هُوَ". "أَنَا هُوَ" هُوَ تَشْخِيصٌ "لِلْكَيْنُونَةِ". أُكَرِّرُ، فِي الْعَالَمِ الْقَدِيمِ، عِنْدَمَا حَاوَلَ الْفَلاسِفَةُ أَنْ يَفْهَمُوا كَيْفَ صَارَ الْكَوْنُ حَيِّزَ الْوُجُودِ وَكَيْفَ يُمْكِنُ فَهْمُ الْكَوْنِ بِطَرِيقَةٍ مَنْطِقِيَّةٍ، أَرَادَ أَفْلاطُونُ إِعْطَاءَ تَفْسِيرٍ يَتَمَاشَى مَعَ مَا تَمَّتْ مُلاحَظَتُهُ، أَيْ أَنَّكُمْ تَنْظُرُونَ إِلَى جَمِيعِ الأَشْيَاءِ الَتِي نَرَاهَا؛ الطُيُورِ، وَالأَشْجَارِ وَالصَرَاصِيرِ، وَالنَرْجِسِ، جَمِيعِ تِلْكَ الأَشْيَاءِ، كَيْفَ يُمْكِنُنَا تَفْسِيرُ وُجُودِهَا مَعًا؟ كَيْفَ يُمْكِنُ لِكُلِّ هَذِهِ الأَشْيَاءِ الْمُتَنَوِّعَةِ أَنْ تَتَنَاسَبَ مَعًا ضِمْنَ إِطَارٍ مُتَرَابِطٍ مَنْطِقِيًّا وَمُجْدٍ؟

قَالَ الْفَيْلَسُوفُ بَارْمِينِيدِس: "بِشَكْلٍ أَسَاسِيٍّ، أَهَمُّ أَمْرٍ يَجِبُ أَنْ نَفْهَمَهُ بَيْنَمَا نُحَاوِلُ دِرَاسَةَ الْوَاقِعِ هُوَ أَنَّ كُلَّ مَا هُوَ مَوْجُودٌ يَبْقَى عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ". مَا أَرَادَ قَوْلَهُ بِذَلِكَ هُوَ أَنَّهُ لا يُمْكِنُ لأَيِّ شَيْءٍ أَنْ يُوجَدَ بِدُونِ أَنْ يَكُونَ لَهُ وُجُودٌ نَقِيٌّ، وَوُجُودٌ كَامِلٌ، بِدُونِ أَيِّ ظِلِّ دَوَرَانٍ. اعْتَرَضَ هَرَقْلِيطُسْ عَلَى كَلامِهِ، قَائِلًا: "لا، لا، لا. كُلُّ مَا نَدْرُسُهُ فِي الْعَالَمِ مِنْ حَوْلِنَا لَدَيْهِ قَاسِمٌ مُشْتَرَكٌ وَاحِدٌ. يَخْتَلِفُ الدُبُّ عَنِ النَرْجِسِ اخْتِلافًا جَذْرِيًّا، لَكِنَّ الأَمْرَ الْوَاحِدَ الْمُشْتَرَكَ بَيْنَ الدُبِّ وَالنَرْجِسِ هُوَ أَنَّ كُلَّ الأَشْيَاءِ فِي عَالَمِ الْمَخْلُوقَاتِ هِيَ فِي حَالَةِ صَيْرُورَةٍ". قَالَ هَرَقْلِيطُسْ: "لا يُمْكِنُكَ أَنْ تَخْطُوَ فِي النَهْرِ نَفْسِهِ مَرَّتَيْنِ. كُلُّ شَيْءٍ هُوَ فِي حَالَةِ تَغَيُّرٍ مُسْتَمِرٍّ" مَا الَذِي قَصَدَهُ بِذَلِكَ؟ قالَ: "النَهْرُ يَجْرِي عَلَى طُولِ ضِفَّتَيْهِ. أَنْتَ تَضَعُ قَدَمًا فِيهِ فَتُبَلِّلَ أَصَابِعَ قَدَمِكَ بِمِيَاهِهِ، وَحِينَ تَهُمُّ لِتَضَعَ الْقَدَمَ الأُخْرَى فِيهِ تَكُونُ الْمِياهُ قَدْ تَحَرَّكَتْ، وَيَكُونُ النَهْرُ قَدْ تَغَيَّرَ. لَيْسَ هَذَا فَحَسْبُ، أَنْتَ تَغَيَّرْتَ أَيْضًا".

الْيَوْمَ، كَانَتْ فِيسْتَا تَسْتَخْرِجُ كُلَّ أَنْوَاعِ الصُوَرِ الَتِي تَمَّ الْتِقَاطُهَا عَلَى مَدَى السَنَوَاتِ الأَرْبَعِينَ الْمَاضِيَةِ فِي خِدْمَةِ لِيجُونِيير. فَضْلًا عَنْ بَعْضِ الصُوَرِ لِي، وَيُمْكِنُ لِلْعَيْنِ الْمُجَرَّدَةِ أَنْ تَرَى كَيْفَ أَنِّي تَغَيَّرْتُ تَغْيِيرًا جَذْرِيًّا خِلالَ تِلْكَ السَنَوَاتِ الأَرْبَعِينَ. فَالْيَوْمَ، أَنَا مُخْتَلِفٌ عَمَّا كُنْتُ عَلَيْهِ فِي الأَمْسِ. إِذَا تَقَدَّمْتُ يَوْمًا وَاحِدًا فِي السِنِّ وَازْدَادَتْ شَعْرَةٌ وَاحِدَةٌ بَيَاضًا وَازْدَادَتْ جُزَيْئَةٌ وَاحِدَةٌ ضَعْفًا، فَإِنِّي أَكُونُ قَدِ اقْتَرَبْتُ خُطْوَةً وَاحِدَةً مِنْ رَحِيلِي. وَمَا يَنْطَبِقُ عَلَيَّ فِي هَذِهِ الْمَرْحَلَةِ يَنْطَبِقُ عَلَيْكُمْ أَنْتُمْ أَيْضًا. وَالْقَاسِمُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ كُلِّ الأَشْيَاءِ الَتِي هِيَ فِي حَالَةِ صَيْرُورَةٍ، وَجَمِيعُ الأَشْيَاءِ الأُخْرَى الَتِي هِيَ فِي حَالَةِ صَيْرُورَةٍ يَتَمَثَّلُ بِكَلِمَةٍ مُهِمَّةٍ وَاحِدَةٍ: التَغْيِير.

كُلُّ أَرْبَعِ سَنَواتٍ، حِينَ يَتِمُّ إِجْرَاءُ الانْتِخَابَاتِ الرِئَاسِيَّةِ فِي الْوِلايَاتِ الْمُتَّحِدَةِ الأَمِيرِكِيَّةِ، يَبْنِي بَعْضُ الْمُرَشَّحِينَ حَمْلَتَهُمْ عَلَى أَسَاسِ الْوَعْدِ بِإِحْدَاثِ تَغْيِيرٍ. حَانَ وَقْتُ التَغْيِيرِ. وَيَتِمُّ الافْتِرَاضُ أَنَّ أَيَّ تَغْيِيرٍ يَحْدُثُ سَيَكُونُ إِيجَابِيًّا، لَكِنْ لَيْسَتْ هَذِهِ الْحَالَ. نَحْنُ نَعْلَمُ جَمِيعًا أَنَّ الأُمُورَ تَتَغَيَّرُ فِي حَيَاتِنا، وَهْيَ لا تَتَغَيَّرُ دَائِمًا نَحْوَ الأَفْضَلِ، فَهْيَ تَتَغَيَّرُ أَحْيَانًا نَحْوَ الأَسْوَأِ. إِذًا، تَمَّ التَعْرِيفُ عَنَّا عَلَى أَنَّنَا مَخْلُوقَاتٌ عَلَى أَسَاسِ مَبْدَأِ التَغْيِيرِ، وَهَذَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنِي وَبَيْنَ اللهِ. وَنَحْنُ نُعَبِّرُ عَنْ هَذَا الاخْتِلافِ قَائِلِينَ: إِنَّ اللهَ هُوَ الْكَائِنُ الأَسْمَى وَنَحْنُ كَائِنَاتٌ بَشَرِيَّةٌ. إِذًا، نَحْنُ نَعْتَقِدُ أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَنا وَبَيْنَ اللهِ يَكْمُنُ فِي تِلْكَ الصِفَاتِ الَتِي تُمَيِّزُ مَفْهُومَ الْكَيْنُونَةِ؛ هُوَ سَامٍ وَنَحْنُ بَشَرٌ.

لَكِنْ هَلْ تَعْرِفُونَ مَا هُوَ الْفَرْقُ الْحَقِيقِيُّ بَيْنِي وَبَيْنَ اللهِ؟ إِنَّهَا الْكَيْنُونَةُ. هُوَ وَحْدَهُ يَتَمَتَّعُ بِالْكَيْنُونَةِ بِذَاتِهِ، هُوَ وَحْدَهُ يَتَمَتَّعُ بِالْكَيْنُونَةِ السَرْمَدِيَّةِ. أَمَّا الْكَيْنُونَةُ الَتِي أَتَمَتَّعُ بِهَا، فَهْيَ مُؤَقَّتَةٌ. الْكَيْنُونَةُ الَتِي أَتَمَتَّعُ بِهَا هِيَ تَابِعَةٌ، إِنَّها مَشْرُوطَةٌ، إِنَّهَا مُشْتَقَّةٌ، إِنَّهَا مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْكَيْنُونَةِ النَقِيَّةِ. لِذَا قَالَهُ الرَسُولُ بُولُسُ لِفَلاسِفَةِ أَثِينا عَنِ اللهِ "بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ". سَأَصِفُ الأَمْرَ بِطَرِيقَةٍ أُخْرَى. بِدُونِهِ، لَمَا كَانَ بِإِمْكَانِنَا أَنْ نَحْيَا، لَكَانَ وُجُودُنَا جَامِدًا وَسَاكِنًا، وَلَمَا اسْتَطَعْنَا أَنْ نَتَحَرَّكَ، لَتَجَمَّدَتِ الْكَوَاكِبُ فِي مَسَارِهَا لأَنَّ حَرَكَتَها لَيْسَتْ مُسْتَقِلَّةً. فِي الْبَدْءِ، هِيَ كَانَتْ فِي هَذَا الْكَوْنِ الشَاسِعِ فِي حَالَةِ قُصُورٍ ذَاتِيٍّ. فَهِمَ أَرِسْطُو هَذَا الأَمْرَ. لِكَيْ يَتَحَرَّكَ أَيُّ جِسْمٍ فِي هَذَا الْعَالَمِ، يَجِبُ أَنْ يُحَرِّكَهُ جِسْمٌ آخَرُ غَيْرُهُ. إِذًا، تَعْتَمِدُ حَرَكَتُنا عَلَى كَيْنُونَةِ اللهِ. "بِهِ نَحْيَا وَنَتَحَرَّكُ وَنُوجَدُ".

اسْمَحُوا لِي بِقَوْلِ هَذَا الأَمْرِ. نَحْنُ نُنَاقِشُ دَائِمًا كَيْفِيَّةَ التَمَكُّنِ مِنْ إِثْبَاتِ وُجُودِ اللهِ. إِذَا حَدَّدْنَا اللهَ عَلَى أَنَّهُ كَائِنٌ سَرْمَدِيٌّ، تَنْبَثِقُ مِنْهُ كُلُّ الأَشْيَاءِ، وَتَعْتَمِدُ عَلَيْهِ كُلُّ الأَشْيَاءِ، أَعْتَقِدُ أَنَّهُ يُمْكِنُ إِثْبَاتُ صِحَّةِ هَذَا الْقَوْلِ بِدُونِ أَدْنَى شَكٍّ وَبِشَكْلٍ مُقْنِعٍ فِي غُضُونِ عَشْرِ ثَوَانٍ، عَشْرِ ثَوَانٍ. لَيْسَ عَلَيْنَا الْقَفْزُ فِي هَاوِيَةِ الظُلْمَةِ وَالْقِيَامُ بِخُطْوَةِ إِيمَانٍ لِقَبُولِ اللهِ، الأَمْرُ مُقْنِعٌ بِشَكْلٍ مَنْطِقِيٍّ. كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ؟ إِذَا كَانَ أَيُّ شَيْءٍ مَوْجُودًا، أَيُّ شَيْءٍ، هَاتَانِ النَّظَارَتَانِ مَثَلًا، فَإِنَّ شَيْئًا مَا فِي مَكَانٍ مَا وَبِطَرِيقَةٍ ما لا بُدَّ أَنَّهُ يَتَمَتَّعُ بِقُوَّةِ الْكَيْنُونَةِ فِي ذَاتِهِ. بِدُونِ ذَلِكَ، لا يُمْكِنُ لأَيِّ شَيْءٍ أَنْ يُوجَدَ. أُكَرِّرُ، إِذَا كَانَ هُنَاكَ وَقْتٌ لَمْ يَكُنْ يُوجَدُ فِيهِ أَيُّ شَيْءٍ، تَخَيَّلُوا فَرَاغًا شَاسِعًا فِي الْكَوْنِ، ظُلْمَةٌ تَامَّةٌ، لا شَيءَ، لا نُجُومَ، لا بَشَرَ، لا مُحِيطَاتٍ، مَاذا كَانَ لِيُوجَدَ الآنَ؟ لا شَيْءَ.

سَنَسْتَفِيضُ فِي الْحَدِيثِ عَنْ هَذَا الْمَوْضُوعِ، إِنْ شَاءَ اللهُ فِي مُحَاضَرَتِنَا الْمُقْبِلَةِ.