المحاضرة 6: الذهاب إلى فورمز

نُتابِعُ الآنَ دِراسَتَنا لِمَارْتِن لُوثَرَ وَالإِصْلاحِ الْبْرُوتِسْتانْتِيِّ فِي الْقَرْنِ السَّادِسَ عَشَر. فِي مُحاضَرَتِنا السَّابِقَةِ، ذَكَرْتُ زِيارَةَ لُوثَرَ لِهَايْدِلْبُرْغ، وَكَيْفَ أَنَّ تِلْكَ كَانَتْ مُنَاسَبَةً رَائِعَةً لِرِبْحِ الْمَزِيدِ مِنَ الأَشْخاصِ فِي أَلْمَانْيَا لِلْقَضِيَّةِ اللُّوثُرِيَّةِ. نَشَأَتِ الأَزْمَةُ الْكَبِيرَةُ التَّالِيَةُ فِي الْعَامِ نَفْسِهِ، 1518، حَيْثُ إِنَّهُ بَدَلًا مِنْ ذَهابِ لُوثَرَ إِلَى رُوما لِيُحَاكَمَ بِتُهْمَةِ الْهَرْطَقَةِ، جَاءَتْ رُومَا إِلَى ألْمانْيَا، بِشَخْصِ اللَّاهُوتِيِّ الأَقْدَرِ فِيهَا، الْكَارْدِينالِ كاجِيتان.

وَنالَ لُوثَرُ وَعْدًا بِالْمُرُورِ بِأَمانٍ، شَرْطَ أَنْ يَلْتَقِيَ كَاجِيتانَ فِي مَدِينَةِ أُوغسْبُرْغ. حَثَّهُ بَعْضُ أَصْدِقائِهِ عَلَى عَدَمِ الذَّهابِ، خِشْيَةَ تَعَرُّضِهِ لِلْخِيانَةِ وَاقْتِيادِهِ إِلَى رُومَا وَحَرْقِهِ عَلَى الْعَمُودِ بِتُهْمَةِ الْهَرْطَقَةِ، لَكِنَّ لُوثَرَ أَرادَ الذَّهابَ، لأَنَّهُ أَرادَ تَحْقِيقَ أُمْنِيَتِهِ بِأَنْ تَتَسَنَّى لَهُ فُرْصَةُ الدُّخولِ فِي جِدالٍ عَقْلانِيٍّ مَعَ رُؤَساءِ الْكَنِيسَةِ بِشَأْنِ تِلْكَ الْمَسائِلِ.

فِي أُوغْسْبُرْغ، كانَ لِلوثَرَ أَرْبَعُ مُقابَلاتٍ مَعَ الْكارْدِينالِ كَاجِيتان، وَلَمْ يَتَحَقَّقْ ما تَمَنَّاهُ لُوثَرُ. بَدَلًا مِنَ الدُّخولِ فِي نِقاشٍ مَفْتُوحٍ، أَصَرَّ الْكَارْدِينالُ عَلَى أَنْ يَتُوبَ لُوثَرُ أَوَّلًا، وَثانِيًا، أَنْ يَرْجِعَ عَنْ تَعالِيمِهِ، وَثالِثًا، أَنْ يَعِدَ بَعَدَمِ تَعْلِيمِ تِلْكَ الأُمورِ مُجَدَّدًا. فَبَدَأَ لُوثَرُ يَزْدادُ إِحْباطًا، فِيمَا ازْدادَ كَاجِيتانُ غَضَبًا. لَكِنَّ طُلَّابَ التَّارِيخِ يَقُولُونَ إِنَّهُ وَبِطَرِيقَةٍ وَاضِحَةٍ جِدًّا، كَاجِيتانُ بِمَعْرِفَتِهِ الْوَاسِعَةِ، تَغَلَّبَ فِعْلًا عَلَى لُوثَرَ، لأَنَّهُ اسْتَطاعَ أَنْ يَتَحايَلَ عَلَى لُوثَرَ، وَجَعَلَهُ يَتَّخِذُ مَوْقِفًا أَوْقَعَهُ بِوُضوحٍ فِي نِزاعٍ مَعَ الْكَنِيسَةِ الْكاثُولِيكِيَّةِ.

جُزْءٌ كَبِيرٌ مِنْ مُناقَشَتِهِما هُناكَ فِي أُوغْسْبُرْغ، تَمَحْوَرَ حَوْلَ كَنْزِ الْكَنِيسَةِ وَمَسْأَلَةِ صُكُوكِ الْغُفْرَانِ، الَّتِي كانَ لُوثَرُ قَدِ اعْتَرَضَ عَلَيْها فِي اِحْتِجَاجَاتهِ الـ95. كاجِيتان، مُسلَّحًا بِمَعْرِفَتِهِ لِتارِيخِ الْكَنِيسَةِ، قَالَ لِلُوثَرَ إِنَّهُ فِي الْعَامِ 1300، كانَ الْبابا بُونِيفاتْشِي السَّابِعُ قَدْ أَمَرَ، بِاسْمِ السُّلْطَةِ الْبابَوِيَّةِ، بِمَبْدَإِ صُكُوكِ الْغُفْرَانِ بِرُمَّتِهِ وَبَيْعِهَا. وَفِي وَقْتٍ لاحِقٍ فِي الْعَامِ 1343، فِي الْقَرْنِ الرَّابِعَ عَشَر، الْبَابَا كْلِيمنَتْ السَّادِسُ فِي مَنْشُورِهِ الْبابَوِيِّ "يُونِيجِينْتِيُو"، أَنْشأَ عَقِيدَةَ كَنْزِ الْكَنِيسَةِ وَسَمَحَ بِهَا.

إِذًا، مَعَ هَذِهِ التَّعالِيمِ التَّارِيخِيَّةِ الصَّادِرَةِ عَنِ الْبابَواتِ، اسْتَطاعَ كَاجِيتانُ أَنْ يُثْبِتَ أَنَّ لُوثَرَ، وَمِنْ خِلالِ اعْتِراضِهِ عَلَى كَنْزِ الْكَنِيسَةِ وَمَسْأَلَةِ بَيْعِ صُكُوكِ الْغُفْرَانِ، كانَ فِي صِراعٍ مَعَ بَابَوَيْنِ تَارِيخِيَّيْنِ. فِي هَذَا الصَّدَدِ، قالَ لُوثَرُ "لَكِنَّ هَذَا غَيْرُ وَارِدٍ فِي الْكِتابِ الْمُقَدَّسِ"، وَتَجَرَّأَ عَلَى تَحَدِّي السُّلْطَةِ الْبَابَوِيَّةِ فِي هَذِهِ الْمَسائِلِ، قَائِلًا إِنَّ الْبابواتِ أَخْطَأُوا بِبَسَاطَةٍ فِي هَذِهِ الْمَسائِلِ. يَجِبُ أَنْ تُدْرِكُوا أَنَّ عَقِيدَةَ عِصْمَةِ الْبابا مِنَ الْخَطَإِ لَمْ تَكُنْ بَعْدُ قَدْ صَدَرَتْ بِشَكْلٍ رَسْمِيٍّ. لَمْ يَحْدُثْ ذَلِكَ إِلَّا فِي الْقَرْنِ التَّاسِعَ عَشَر، فِي مَجْمَعِ الْفَاتِيكانِ الأَوَّلِ، فِي الْعَامِ 1870، فِي عَهْدِ الْبَابَا بِيُوس التَّاسِعِ. وَبِالطَّبْعِ، بالرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الْكَنِيسَةَ قَالَتْ إِنَّهَا أَعْلَنَتْ ذَلِكَ فِي الْعَامِ 1870، هَذا لا يَعْنِي أَنَّهُمْ آمَنُوا لِلْمَرَّةِ الأُولَى فِي التَّارِيخِ بِأَنَّ الْبَابَا أَصْبَحَ مَعْصُومًا مِنَ الْخَطَإِ. في الْعامِ 1870، أَصْبَحَ الأَمْرُ "دِي فِيدِي"، مَسْأَلَةُ إِيمانٍ، عَقِيدَةً رَسْمِيَّةً فِي الْكَنِيسَةِ، لَكِنْ بِالطَّبْعِ يُقالُ إِنَّ التَّقْلِيدَ لَطالَما أَبْقَى عَلَى مَفْهُومِ الْعِصْمَةِ مِنَ الْخَطَإِ.

إذًا، بَدَا لُوثَرُ فِي نِزاعٍ مُبَاشِرٍ مَعَ اثْنَيْنِ مِنَ الْباباواتِ كَمَا قُلْتُ، فَغَضِبَ كَاجِيتَانُ مِنْهُ كَثِيرًا، وَخَرَجَتِ الأُمُورُ عَنِ السَّيْطَرَةِ لِدَرَجَةِ أَنَّهُ بِالْكادِ تَمَكَّنَ لُوثَرُ مِنَ الْهَرَبِ مِنْ أُوغْسْبُرْغ، لِيَنْجُوَ بِحَياتِهِ وَيَرْجِعَ إِلَى فِيتِنْبُرْغ. إِذًا، مُجَدَّدًا، وَبِسَبَبِ هَذَا الْجِدالِ، قَضِيَّةُ عَقِيدَةِ لُوثَرَ وَالتُّهَمُ الْمُوَجَّهَةُ ضِدَّهُ عَلَى أَنَّهُ مُهَرْطِقٌ تَفاقَمَتْ، مَا أَدَّى إِلَى النِّزاعِ التَّالِي الَّذِي نَشَأَ فِي الْعامِ 1519، في لايْبْزِيغ. وَفِي تِلْكَ الْمُنَاسَبَةِ، فِي لايْبْزِيغْ، اجْتَمَعَ لُوثَرُ مَعَ جُون إِيكْ الَّذِي – وَكَما ذَكَرْتُ – كانَ اللَّاهُوتِيَّ الْكَاثُولِيكِيَّ الرَّئِيسِيَّ فِي أَلْمَانْيَا. هَذَا الْجِدالُ بِالذَّاتِ اتَّخَذَ مَنْحًى مُخْتَلِفًا عَنْ ذَاكَ الَّذِي نَشَأَ فِي أُوغْسْبُرْغ مَعَ كَاجِيتَانَ.

فِي هَذِهِ الْمُنَاسَبَةِ، تَمَكَّن إِيكْ مِنْ جَلْبِ تَعالِيمَ لِلْمُصْلِحِ الْبُوهِيميِّ قَبْلَ مِئَةِ سَنَةٍ، جُون هاسْ، الَّذِي سَبَقَ أَنْ أَلْقَيْنا نَظْرَةً وَجِيزَةً عَلَيْهِ. وَأَشارَ إِلَى وُجُودِ عَقائِدَ مُعَيَّنَةٍ أَدَّتْ إِلَى إِدانَةِ هَاسْ وَحَرْقِهِ عَلَى عَمُود، وَهْيَ كَانَتْ مُشَابِهَةً لِتَعالِيمِ لُوثَرَ، لأَنَّ هاسْ حاوَلَ أَنْ يُثْبِتَ قَبْلَ مِئَةِ سِنَةٍ أَنَّ السُّلْطَةَ النِّهائِيَّةَ لِلْكَنِيسَةِ وَالسُّلْطَةَ الْوَحِيدَةَ الْقَادِرَةَ أَنْ تُوثِقَ ضَمِيرَ الْمُؤْمِنِ هِيَ الْكِتابُ الْمُقَدَّسُ، أَيْ كَلِمَةُ اللهِ. وَبَعْدَ أَنِ اعْتَرَضَ لُوثَرُ عَلَى سُلْطَةِ الْبابا فِي أُوغْسْبُرْغ، كانَ يُنادِي بِالرِّسالَةِ نَفْسِها.

إِذًا، مِثْلَما تَحايَلَ كَاجِيتانُ عَلَى لُوثَرَ وَجَعَلَهُ يَعْتَرِفُ بِأَنَّهُ يَخْتَلِفُ مَعَ اثْنَيْنِ مِنَ الْبابَواتِ فِي التَّارِيخِ، الآنَ تَمَكَّنَ إِيكْ بِطَرِيقَتِهِ الذَّكِيَّةِ أَنْ يَجْعَلَ لُوثَرَ يَعْتَرِفُ بِأَنَّهُ يَعْتَقِدُ بِأَنَّهُ فِي بَعْضِ التُّهَمِ الَّتِي وَجَّهَتْها الْكَنِيسَةُ إِلَى جُون هَاسْ، وَالَّتِي حُرِقَ بِسَبَبِها عَلَى عَمُود، كانَتِ الْكَنِيسَةُ مُخْطِئَةً. هُنَا تَمَّتْ إِدَانَةُ هاسْ، لَيْسَ بِبَساطَةٍ عَلَى يَدِ أُسْقُفٍ مَحَلِّيٍّ، بَلْ مِنْ خِلالِ مَجْمَعِ الْكَنِيسَةِ. وَذَلِكَ الْمَجْمَعُ كانَ مَجْمَعَ "كُونْسْتانْس"، الَّذِي أَدانَ هاسْ حَتَّى الْمَوْتِ.

إذًا، هُنَا تَمَّ التَّحايُلُ عَلَى لُوثَرَ لِيَقُولَ إِنَّهُ يُمْكِنُ لِلْبابواتِ أَنْ يُخْطِئُوا، وَلمَجامِعِ الْكَنِيسَةِ أَيْضًا، لأَنَّهُ كانَ يُوجَدُ قَوْمٌ، حَتَّى قَبْلَ التَّعْرِيفِ الرَّسْمِيِّ لِعِصْمَةِ الْبابَا مِنَ الْخَطَإِ، مِمَّنْ يَقُولُونَ إِنَّ الْبابواتِ، وَلَيْسَ الْبابا فَرْدِيًّا لَكِنَّ الْكَنِيسَةَ وَالْمَجَامِعَ، هِيَ الَّتِي كانَتْ تَمْلِكُ السُّلْطَةَ الْمُطْلَقَةَ فِي النِّظامِ الْكَاثُولِيكِيِّ. لَكِنِ الآنَ كانَ لُوثَرُ قَدْ وَضَعَ الْفَأْسَ عَلَى أَصْلِ شَجَرَتَيْ الْبابَوِيَّةِ وَسُلْطَةِ مَجامِعِ الْكَنِيسَةِ. إِذًا، مُجَدَّدًا تَمَّ تَشْبِيهُ لُوثَرَ بِجُون هاسْ، وَتَمَّتْ تَسْمِيَتُهُ هاسْ الأَلْمَانِي، وَحَصَلَ عَلَى تِلْكَ السُّمْعَةِ.

وَتَرْجِعُ التَّقارِيرُ إِلَى رُومَا، بِحَيْثُ إِنَّهُ فِي السَّنَةِ التَّالِيَةِ فِي الْعَامِ 1520، أَصْدَرَ الْبابا لِيُون الْعَاشِرُ "بُولْ" أَوْ أَمْرًا رَسْمِيًّا بَابَوِيًّا. لَيْسَ "الْبُولْ" حَيَوانًا بَقَرِيًّا أَوْ ثَوْرًا. البُولْ عِبارَةٌ عَنْ مَرْسُومٍ كَتَبَهُ الْبابا بِسُلْطَتِهِ، لِيَنْقُلَ بِمُوجَبِهِ أَمْرًا لِلْكَنِيسَةِ مِنْ خِلالِ مَنْشُورٍ مَثَلًا. وَكَتَبَ الْبابَا أَمْرًا رَسْمِيًّا بَابَوِيًّا يَدِينُ فِيهِ مَارْتِن لُوثَر بِتُهْمَةِ الْهَرْطَقَةِ. وَجَمِيعُ الْمَناشِيرِ الْبَابَوِيَّةِ تَمَّتْ تَسْمِيَتُها عَلَى غِرارِ الْكَلِمَاتِ الافْتِتاحِيَّةِ فِيهَا بِاللُّغَةِ اللَّاتِينِيَّةِ. "هْيُومَانِي غِينِيرِيس" عَلَى سَبِيلِ الْمِثالِ، سَمَّيْتُ لَكُمْ وَاحِدًا. لَكِنْ كانَ هَذَا الأَمْرُ الْبابَوِيُّ يُدْعَى "إِكْسُورْجِي دُومِينِي"، ما تَرْجَمَتُهُ "قُمْ يا رَبُّ"،" قُمْ يَا رَبُّ، يُوجَدُ خِنْزِيرٌ بَرِّيٌّ طَلِيقٌ فِي كَرْمِكَ". ثُمَّ يُتابِعُ قَائِلًا "قُمْ أَيُّهَا الْقِدِّيسُ بُطْرُسُ، يُوجَدُ مَنْ يَعْتَرِضُ عَلَى سُلْطَتِكَ"، "قُمْ أَيُّهَا الْقِدِّيسُ بُولُس". إِذًا، دَعَا الْبابا الْمَسِيحَ إِلَى الانْتِفاضِ، وَدَعَا الرُّسُلَ إِلَى الانْتِفاضِ ضِدَّ لُوثَرَ.

فِي هَذَا الْوَقْتِ، كَانَتْ أَعْمَالُ لُوثَرَ قَدْ وَصَلَتْ إِلَى رُومَا، وَتَمَّ حَرْقُهَا عَلانِيَةً فِي سَاحَةِ الْقِدِّيسِ بُطْرُسَ. اسْتَغْرَقَ الأَمْرُ الْبابَوِيُّ ثَلاثَةَ أَشْهُرٍ لِيَصِلَ إِلَى فِيتِنْبُرْغ، وَحِينَ وَصَلَ، أَحْرَقَهُ لُوثَرُ فِي الْمَوْقِدِ هُناكَ فِي فِيتِنْبُرْغ. إذًا، أَصْبَحَتِ اللُّعْبَةُ الآنَ عَلَى قَدَمٍ وَساقٍ، وَلَمْ يَعُدْ يُوجَدُ مَجالٌ لِلرُّجُوعِ إِلَى الْوَراءِ. لِهَذَا السَّبَبِ، قَامَتْ سُلُطاتُ الإِمْبْرَاطُورِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ بِالتَّدَخُّلِ فِي الْمَسْأَلَةِ. وَقَبْلَ أَنْ يَتَوَفَّى الإِمْبْراطُورُ مَاكْسِيمِلْيانُ، غَضِبَ بِسَبَبِ الصَّخْبِ الَّذِي كانَتْ هَذِهِ الثَّوْرَةُ اللُّوثَرِيَّةُ تُحْدِثُهُ، لَيْسَ فِي أَلْمَانْيَا فَحَسْبُ، لَكِنَّها كَانَتْ قَدْ تَجاوَزَتِ الْحُدُودَ لِتَبْلُغَ بُلْدَانًا أُخْرَى فِي الإِمْبْرَاطُورِيَّةِ الرُّومَانِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ. لَكِنْ طَبْعًا، وَقَبْلَ أَنْ يَفْعَلَ أَيَّ شَيْءٍ لِيَضَعَ لَهَا حَدًّا، تُوُفِّيَ، وَحَلَّ مَكانَهُ كَما رَأَيْنا سَابِقًا، شَارْلْكان مَلِكُ إِسْبَانْيا.

ذَكَرْتُ أَنَّ الْبابا كانَ يَحُثُّ فْرِيدِرِش الثَّالِثَ ناخِبَ سَاكْسُونْيا لِيَكُونَ الإِمْبْراطُورَ الرُّومَانِيَّ الْمُقَدَّسَ الْجَدِيدَ، بَدَلًا مِنْ فَصائِلِ فْرانْسِيس فِي فَرَنْسا وَشَارْلْكان مَلِكِ إِسْبَانْيا. فِي الْواقِعِ – لَيْسَ الأَمْرُ مَعْرُوفًا جِدًّا – فِي أَوَّلِ تَصْوِيتٍ لِلنَّاخِبِينَ لَمْ يَنْتَخِبُوا لا فْرانْسِيس وَلا شَارْلْكان وَلا هَنْرِي الثَّامِنَ، انْتَخَبُوا فْرِيدِرِك. وَبِالطَّبْعِ فْرِيدرِك رَفَضَهُمْ وَأَعْطَى دَعْمَهُ لِشَارْلْكان، الَّذِي أَصْبَحَ آنَذاكَ إِمْبْرَاطُورَ الإِمْبْرَاطُورِيَّةِ الرُّومَانِيَّةِ الْمُقَدَّسَةِ.

خاضَ شَارْلْكان حُروبًا هُنَا وُهُناكَ، وَآخِرُ مَا كانَ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ هُوَ حُدوثُ هَذَا النَّوْعِ مِنَ الثَّوَرانِ فِي الْكَنِيسَةِ، لِذا أَلَحَّ عَلَيْهِ قَادَةُ الْكَنِيسَةِ أَنْ يَدْعُوَ إِلَى عَقْدِ مَجْلِسٍ إِمْبْرَاطُورِيٍّ أَوْ "دَايِت" إِمْبْرَاطُورِيٍّ، وَهْيَ مَحْكَمَةٌ نَوْعًا مَا يُشْرِفُ عَلَيْهَا الإِمْبْراطُورُ نَفْسُهُ. إِذًا، تَمَّتِ الدَّعْوَةُ إِلَى عَقْدِ دايِتْ إِمْبْرَاطُورِي فِي الْعَامِ 1521، فِي مَدِينَةِ فُورْمْز الأَلْمَانِيَّة. ف- و- ر- م- ز. يَقْرَأُ بَعْضُ النَّاسِ ذَلِكَ فِي كُتُبِهِمْ، وَيَرَوْنَ عِبارَةَ "دَايِتْ فُورْمْز" فَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ هَذِهِ طَرِيقَةٌ غَرِيبَةٌ لِخَسارَةِ الْوَزْنِ، لَكِنَّ الدَّايِت هُوَ هَذَا الْمَجْلِسُ التَّشْرِيعِيُّ الإِمْبْراطُورِيُّ الَّذِي قامَ الإِمْبْراطُورُ بِدَعْوَةِ لُوثَرَ إِلَيْهِ، وَضَمِنَ لَهُ الْمُرورَ بِأَمانٍ لِيَأْتِيَ وَيُمْضِيَ يَوْمَهُ النِّهائِيَّ فِي الْمَحْكَمَةِ لِمُناقَشَةِ كِتاباتِهِ.

وَمَرَّةً أُخْرَى، وَبِسَذَاجَةٍ نَوْعًا مَا، تَوَقَّعَ لُوثَرُ أَنْ يَتَمَكَّنَ مِنَ الْمُثُولِ أَمامَ الْكَنِيسَةِ وَتَقْدِيمِ دِفاعٍ مَنْطِقِيٍّ عَنْ كِتابَاتِهِ. لَمْ يَثِقْ أَصْدِقَاؤُهُ بِالإِمْبْرَاطُورِ أَوْ بِالسُّلُطاتِ فِي رُومَا، الَّذِينَ سَيَتِمُّ تَمْثِيلُهُمْ فِي فُورْمْز، وَحَثُّوا لُوثَرَ بِإِلْحاحٍ عَلَى عَدَمِ الذَّهابِ، حَتَّى بَعْدَ أَنْ ضَمِنَ لَهُ الْمُرُورَ بِأَمَانٍ شَارْلْكان الْخامِسُ الإِمْبْراطورُ الرُّومَانِيُّ الْمُقَدَّسُ الْجَدِيدُ. وَقالُوا لِلُوثَرَ "أَلا تَعْلَمُ أَنَّ الْمَدِينَةَ سَتَكُونُ مُمْتَلِئَةً بِأَرْواحٍ شِرِّيرَةٍ وَسَيَخْرُجُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لِيَنالَ مِنْكَ؟" كانَ لُوثَرُ خَبِيرًا فِي أُمُورِ الشَّيْطانِ، فَكَتَبَ عَنِ اخْتِبارِهِ بِلا هَوادَةٍ مَا أَسْماهُ "أَنْفِكْتُونْغ"، هُجُومَ الشَّيْطانِ عَلَيْهِ بِلا هَوَادَةٍ.

لَكِنَّهُ كانَ مُقْتَنِعًا بِالْحَقِّ الْكَامِنِ فِي تَعْلِيمِهِ الَّذِي كانَ يَتَضَمَّنُ – حَتَّى ذَلِكَ الْحِينِ – عَقِيدَةَ التَّبْرِيرِ بِالإِيمانِ وَحْدَهُ، وَكانَ عَلَيْهِ الدِّفاعُ عَنْ تِلْكَ الأُمُورِ عَلَنًا، وَقالَ لأَصْدِقائِهِ "إِنْ كانَ عَدَدُ الأَرْواحِ الشِّرِّيرَةِ فِي فُورْمْز يُساوِي عَدَدَ الْقِرْمِيدِ الْبُرْتُقالِيِّ عَلَى أَسْطُحِ الْمَدِينَةِ، سَوْفَ أَذْهَبُ". إِنْ سَبَقَ لَكَ أَنْ زُرْتَ أَلْمَانْيَا الشَّرْقِيَّةَ وَبَعْضَ الْمُدُنِ هُناكَ، سَتَرَى أَنَّهُ فِعْلِيًّا كانَ لَدَى كُلِّ بَيْتٍ سَطْحٌ مِنْ قِرْمِيدٍ بُرْتُقالِيِّ، وَبِالتَّالِي إِنْ كانَ عَدَدُ الأَرْوَاحِ الشِّرِّيرَةِ فِي فُورْمْز يُساوِي عَدَدَ الْقِرْمِيدِ الْبُرْتُقالِيِّ عَلَى السُّطُوحِ، فَهَذَا يَعْنِي وُجُودَ عَدَدٍ كَبِيرٍ مِنَ الأَرْوَاحِ الشِّرِّيرَةِ مُجْتَمِعَةً هُناكَ فِي ذَلِكَ الْمَكانِ.

لَكِنَّ لُوثَرَ وَاثْنَيْنِ مِنْ أَصْدِقائِهِ قَامُوا بِرِحْلَةٍ مِنْ فِتِنْبُرْغ إلى فُورْمْز، وَاسْتَقَلُّوا عَرَبَةً مُغَطَّاةً تَتَحَرَّكُ عَلَى دُولابَيْنِ. لا أَعْلَمُ إِنْ كُنْتُمْ رَأَيْتُمْ يَوْمًا عَرَبَةً مُغَطَّاةً. حِينَ نُفَكِّرُ فِي عَرَبَةٍ مُغَطَّاةٍ، فَإِنَّنَا نُفَكِّرُ فِي الْحُجَّاجِ أَوِ الْمُسْتَكْشِفِينَ، شُعُوبِ الْحُدُودِ فِي بِلادِنَا الَّذِينَ كَانُوا يَسْتَقِلُّونَ عَرَباتِ الْكُونْسِتُوغَة بِأَرْبَعَةِ دَوالِيبَ، مَجْمُوعَةِ الْعَرَباتِ الْخَشَبِيَّةِ الْمُغَطَّاةِ ذَاتِ الدُّولابَيْنِ. إِنْ زُرْتَ أُورُوبَّا يَوْمًا، وَخُصُوصًا أُورُوبَّا الشَّرْقِيَّةَ، وَتَسَنَّتْ لَكَ فُرْصَةُ رُؤْيَةِ الْعَرَباتِ الَّتِي يَسْتَعْمِلُها الْغَجَرُ الْيَوْمَ، فَإِنَّكَ تُكَوِّنُ فِكْرَةً عَنْ نَوْعِ وَسِيلَةِ النَّقْلِ الْخَطِرَةِ الَّتِي اسْتَقَلَّهَا لُوثَرُ وَأَصْدِقَاؤُهُ لِلْوُصولِ إِلَى فُورْمْز.

كانَ لُوثَرُ قَلِقًا بِشَأْنِ مَا يَنْتَظِرُهُ حِينَ يَصِلُ إِلَى هُناكَ. لَمْ يَتَوَقَّعْ أَنَّهُ عَلَى بُعْدِ أَمْيالٍ خَارِجَ مَدِينَةِ فُورْمْز سَتَكُونُ الشَّوارِعُ مُكْتَظَّةً بِفَلَّاحِينَ يَهْتِفُونَ وَيَتَهَلَّلُونَ وَيُشَجِّعُونَ لُوثَرَ، مَا أَثارَ تَوَتُّرَ السُّلُطاتِ لَدَى رُؤْيَتِها الشَّعْبِيَّةَ الْكَبِيرَةَ الَّتِي كانَ لُوثَرُ قَدِ اكْتَسَبَها فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ الْمُحَدَّدِ. فِي النِّهايَةِ، دَخَلَ إِلَى الْمَجْلِسِ التَّشْرِيعِيِّ، وَلَمَّا دَخَلَ إِلَى هَذِهِ الْقاعَةِ الْعَظِيمَةِ حَيْثُ كانَ الإِمْبْراطُورُ جَالِسًا، وَكانَ الْمَنْدُوبُونَ الْبَابَوِيُّونَ هُنَاكَ أَيْضًا يُمَثِّلُونَ رُومَا، لَمْ يُمْنَحْ لُوثَرُ فُرْصَةً لِلنِّقاشِ. وَالْمُحَقِّقُ الَّذِي كانَ هُناكَ أَيْضًا، وَصَدَفَ أَنَّهُ كانَ يُدْعَى إِيكْ، وَهْوَ لَيْسَ إِيكْ نَفْسَهُ الَّذِي تَجادَلَ مَعَهُ فِي لايبْنزِنغ. وكانَتْ هُناكَ طَاوِلَةٌ فِي وَسَطِ الْقَاعَةِ، وَكانَتْ قَدْ تَكَدَّسَتْ عَلَيْهَا الْكُتُبُ وَالْكُتَيِّبَاتُ الَّتِي كانَ لُوثَرُ قَدْ كَتَبَهَا خِلالَ فَتْرَةٍ زَمَنِيَّةٍ قَصِيرَةٍ. لَمْ يَقْدِرِ النَّاسُ أَنْ يُصَدِّقُوا كَمْ كِتابًا كَتَبَ مُنْذُ بِدايَةِ الْمَسْأَلَةِ حَتَّى مُحَاكَمَتِهِ الآنَ فِي فُورْمْز.

لَكِنْ بِأَيِّ حَالٍ، قَالَ الْمُحَقِّقُ لِلُوثَرَ "هَلْ هَذِهِ كُتُبُكَ أَنْتَ؟" فَأَجابَ "نَعَمْ"، فَقَالَ لَهُ إِيكْ "يَجِبُ أَنْ تَقُولَ أَمَامَ السُّلْطَاتِ الْمُجْتَمِعَةِ هُنَا الْيَوْمَ "رِيفُوكُو"، أَيْ "أَنَا أَرْجِعُ عَمَّا كَتَبْتُهُ هُنَا"" فَقَالَ لُوثَرُ "ما الَّذِي تُفَكِّرُ فِيهِ تَحْدِيدًا؟ أَنَا كَتَبْتُ عَنْ شَتَّى أَنْواعِ الْمَواضِيعِ، وَعَدَدٌ كَبِيرٌ مِنْهَا لا يَتَضارَبُ مَعَ التَّعْلِيمِ الْكْلاسِيكِيِّ لِلْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ. مَا هِيَ الْمَسائِلُ الْمُحَدَّدَةُ الَّتِي لَدَيْهِمْ؟" فَقَال إِيكْ "لا يَهُمُّ. قُلْ فَقَطْ "رِيفُوكُو"" نُرِيدُ أَنْ تُجِيبَنَا الآنَ "نُونْ كُورْنُونُوم"، أيْ بِدُونِ جِدالٍ. نُرِيدُ جَوَابًا مُباشِرًا". فَسادَ صَمْتٌ عَظِيمٌ فِي الْمَكانِ، فَرَدَّ لُوثَرُ عَلى إيك بِصَوْتٍ غَيْرِ مَسْمُوعٍ، فَقالَ إيك "ارْفَعْ صَوْتَكَ! مَاذا قُلْتَ؟" هَذَا هُوَ الْجُزْءُ الَّذِي لَمْ يَرِدْ فِي فِيْلمِ هُولِيوُود.

بِالْمُناسَبَةِ، وَبَيْنَ هِلالَيْنِ إِنْ رَأَيْتُمْ نُسْخَةَ هُولِيوُود لِفِيلْمِ لُوثَر، أَعْتَقِدُ أَنَّهُمْ بَرَعُوا فِي اخْتِيارِ أَدْوارِ الْمُمَثِّلِينَ الَّذِينَ أَحَاطُوا بِلُوثَرَ، وَأَخْفَقُوا فِي تَصْوِيرِ شَخْصِ مَارْتِن لُوثَر. لَكِنَّ أَحَدَ أَهَمِّ الْمَشاهِدِ هُناكَ هُوَ الْمَشْهَدُ الَّذِي يُصَوِّروُنَ فيهِ الإِمْبْراطُورَ شَارْلْكان يَرْكَبُ خَيْلًا وَيَسْعَى إِلَى اصْطِيادِ خِنْزِيرٍ. وَمُعْظَمُ النَّاسِ الَّذِينَ شَاهَدُوا ذَلِكَ الْفِيلْمَ لَمْ يَفْهَمُوا الْمَغْزَى مِنْ رُكُوبِ الْبَابَا الْخَيْلَ، مُحَاوِلًا قَتْلَ خِنْزِيرٍ بَرِّيٍّ فِي الْكَرْمِ.

لَكِنْ بِأَيِّ حَالٍ إِنَّهُمْ يَقُولُونَ "أَجِبْنَا نُونْ كُورْنُونُومْ"، أَيْ بِدُونِ جِدالٍ. فَقالَ لُوثَرُ "أَيُمْكِنُ مَنْحِي مُهْلَةَ 24 سَاعَةً لأُفَكِّرَ مَلِيًّا فِي الأَمْرِ؟" كانَ قَدْ حَصَلَ عَلَى أَرْبَعِ سَنَواتٍ لِيُفَكِّرَ مَلِيًّا فِي الأَمْرِ، وَدَخَلَ هَذَا الْمَجْمَعَ وَكُلَّ هذا النِّقاشِ، وَالآنَ فِي وَقْتِ الأَزْمَةِ، تَلَعْثَمَ. فَوَافَقُوا عَلَى إِعْطَائِهِ مُهْلَةَ 24 سَاعَةً، حِرْصًا عَلَى أَنْ يَحْضُرَ فِي الْيَوْمِ التَّالِي. فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ، فِي غُرْفَتِهِ، كَتَبَ لُوثَرُ قَصِيدَةً، لَيْسَ قَصِيدَةً بَلْ كَتَبَ صَلاةً. أَوَدُّ أَنْ أَقْرَأَهَا عَلَيْكُمُ الآنَ، لأَنِّي أَعْتَقِدُ أَنَّهَا وَاحِدَةٌ مِنَ الصَّلواتِ الأَكْثَرِ إِثارَةً لِلْمَشاعِرِ الَّتِي قَرَأْتُهَا يَوْمًا فِي حَيَاتِي.

لُوثَرُ وَحْدَهُ فِي غُرْفَتِهِ، غُرْفَةٍ رَهْبَانِيَّةٍ، بِانْتِظارِ الْغَدِ حِينَ سَيَتِمُّ تَحْدِيدُ مَصِيرِهِ، صَلَّى هَذِهِ الصَّلاةَ "يَا أَللهُ، أَيُّها الإِلَهُ الْقَدِيرُ السَّرْمَدِيُّ، كَمْ أَنَّ هَذَا الْعَالَمَ مُرْعِبٌ. انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَحُ فَمَهُ لِيَبْتَلِعَنِي، وَيَا لَضَعْفِ إِيمانِي بِكَ. يَا لَضَعْفِ الْجَسَدِ وَقُوَّةِ الشَّيْطَانِ. إِنْ كانَ عليَّ الاتِّكالُ عَلَى أَيِّ قُوَّةٍ فِي هَذَا الْعَالَمِ، يَنْتَهِي كُلُّ شَيْءٍ، وَيُضْرَبُ النَّاقُوسُ وَيَخْرُجُ الْحُكْمُ. يَا أللهُ، يا أللهُ، يا إِلَهِي، سَاعِدْنِي لأُواجِهَ كُلَّ حِكْمَةِ هَذَا الْعَالَمِ. أَتَوَسَّلُ إِلَيْكَ أَنْ تَفْعَلَ ذَلِكَ بِقُوَّتِكَ، لأَنَّ الْعَمَلَ لَيْسَ عَمَلِي أَنَا بَلْ عَمَلُكَ أَنْتَ. لا مَصْلَحَةِ لَدَيَّ هُنَا. لَيْسَ لَدَيَّ مَا أُنَاضِلُ لأَجْلِهِ مَعَ عُظَماءِ الْعَالَمِ. أَوَدُّ بِسُرُورٍ أَنْ أُمْضِيَ أَيَّامِي بِسَعادةٍ وَسلامٍ، لَكِنَّ الْقَضِيَّةَ قَضِيَّتُكَ أَنْتَ، وَهْيَ صَالِحَةٌ وَأَبَدِيَّةٌ. يَا رَبُّ سَاعِدْنِي. أَيُّهَا الإِلَهُ الأَمِينُ الَّذِي لا يَتَغَيَّرُ أَنَا لا أَتَّكِلُ عَلَى إِنْسَانٍ، لأَنَّ الأَمْرَ عَدِيمُ الْفَائِدَةِ. كُلُّ عَمَلِ الإِنْسانِ يَتَداعَى. لا بُدَّ لِكُلِّ مَا يَصْدُرُ عَنْهُ أَنْ يَفْشَلَ. إِلَهِي، إِلَهِي أَلا تَسْمَعُني؟ أَلَمْ تَعُدْ حَيًّا؟ لا، لا يُمْكِنُ أَنْ تَمُوتَ. أَنْتَ لا تَخْتَبِئُ. أَنْتَ اخْتَرْتَنِي لِهَذَا الْعَمَلِ، أَنَا أَعْرِفُ ذَلِكَ. لِذَا يَا رَبُّ تَمِّمْ مَشِيئَتَكَ. لا تَتْرُكْنِي لأَجْلِ ابْنِكَ الْحَبِيبِ يَسُوعَ الْمَسِيحَ حِمَايَتي وَتُرْسِي وَحِصْنِي. يَا رَبُّ، أَيْنَ أَنْتَ؟ يَا إِلَهِي، أَيْنَ أَنْتَ؟ أُصَلِّي أَنْ تَأْتِيَ. أَنَا مُسْتَعِدٌّ. هَا أَنَا مُسْتَعِدٌّ لِبَذْلِ حَياتِي لأَجْلِ حَقِّكَ، وَللتَّأَلُّمِ كَحَمَلٍ، لأَنَّ الْقَضِيَّةَ مُقَدَّسَةٌ، إِنَّها قَضِيَّتُكَ أَنْتَ. لَنْ أُطْلِقَكَ إِلَى الأَبَدِ حَتَّى إِنْ كَانَ الْعَالَمُ مَلِيئًا بِالأَرْواحِ الشِّرِّيرَةِ. وَهَذَا الْجَسَدُ، الَّذِي هُوَ عَمَلُ يَدَيْكَ، طُرِحَ أرضًا وَوُضِعَ تَحْتَ الأَقْدامِ، وَقُطِّعَ إِلَى أَجْزاءَ وَاحْتَرَقَ وَصارَ رَمادًا. نَفْسِي لَكَ، وَكَلِمَتُكَ تَضْمَنُ لِي ذَلِكَ. نَفْسِي لَكَ، وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِيكَ إِلَى الأَبَدِ، آمِين. يَا أللهُ أَرْسِلْ عَوْنَكَ، آمِين".

وَفِي الْيَوْمِ التَّالِي تَمَّ اقْتِيادُهُ مُجَدَّدًا إِلَى قَاعَةِ الاجْتِماعِ، وَقالُوا لَهُ "الآنَ يَا لُوثَرُ، هَلْ سَتَرْجِعُ عَنْ أَقْوالِكَ؟ هَلْ سَتَقُولُ "ريفوكو"؟" فَقالَ لُوثَر "بِمَا أَنَّكُمْ طَلَبْتُمْ مِنِّي أَنْ أَرُدَّ بِوُضوحٍ وَبِدُونِ جِدالٍ، هَذَا مَا سَأَفْعَلُهُ. مَا لَمْ أَقْتَنِعْ مِنْ خِلالِ الْكِتابِ الْمُقَدَّسِ أَوْ لِسَبَبٍ وَاضِحٍ، لا يُمْكِنُنِي الرُّجُوعُ عَنْ أَقْوالِي، لأَنَّ ضَمِيرِي مَأْسُورٌ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَالْعَمَلُ ضِدَّ ضَمِيرِي لَيْسَ صَائِبًا وَلا آمِنًا. هَذَا هُوَ رَأْيِي. لا يُمْكِنُنِي فِعْلُ غَيْرِ ذَلِكَ. يَا رَبُّ، سَاعِدْنِي". كانَتْ هَذِهِ نُقْطَةَ التَّحَوُّلِ فِي الإِصْلاحِ الْبْرُوتِسْتَانْتِيِّ.

لَدَى سَماعِ تِلْكَ الْكَلِماتِ اسْتَشاطَ الْحُضُورُ غَضَبًا وَتَشْوِيشًا، وَأَرادَ أَحَدُهُمْ أَنْ يُمْسِكَ بِلُوثَرَ وَأَنْ يُعْدِمَهُ عَمْدًا بِدُونِ أيِّ وَجْهِ حَقٍّ. لَكِنْ لَمَّا غَادَرَ الْقَاعَةَ، نَظَّمَ أَصْدِقَاؤُهُ عَمَلِيَّةَ خَطْفٍ وَهْمِيَّةً، وَقَادُوهُ خُلْسَةً عَبْرَ الْغابَةِ إِلَى قَصْرِ فُورْتْبُرْغ، حَيْثُ عَمِلَ طَوالَ سَنَةٍ عَلَى تَرْجَمَةِ الْعَهْدِ الْجَدِيدِ إِلَى اللُّغَةِ الأَلْمانِيَّةِ، مُتَنَكِّرًا بِشَخْصِيَّةِ فَارِسِ "سِير يُورْغِي". فِي مُحَاضَرَتِنَا الْمُقْبِلَةِ سَنَتَطَرَّقُ إِلَى اللَّاهُوتِ الَّذِي كانَ مَوْضِعَ نِزاعٍ هُنَا، بَدْءًا بِفَهْمِ عَقِيدَةِ التَّبْرِيرِ فِي لاهُوتِ الْكَنِيسَةِ الْكَاثُولِيكِيَّةِ.